عبد الله نتهامي أحرشي بين مطرقة المخزن وسندان النسيان

شاءت الأقدار أن يولد من أحمل اسمه افتخارا، في السنة التي وقع فيها المغرب على معاهدة الحماية، ولد عبد الله نتهامي أحرشي في 12 دجنبر 1912، في جماعة زاوية سيدي عبد القادر مسقط رأسي الحالي، عاش حياته كباقي الريفيين في تلك الحقبة الزمنية العصيبة، منذ أن فتح عينيه في هذا البلد ووجد معها ظلم وقهر وحرمان واستعمار وقتل وتشريد وتهجير وأمراض وأوبئة فتاكة، تحت مسميات مختلفة، في البداية كانت هذه المعاناة مبررة بذريعة الاستعمار الذي رحب به المغرب تحت مسمى “معاهدة الحماية” كان هم كل الريفيين في تلك المرحلة الحرجة وباقي مناطق المغرب غير النافع الدفاع عن هذا الوطن، وتحمل تبعات المعاهدة المشؤومة… آنذاك كان عبد الله نتهامي أحرشي مازال طفلا، ما سمعه وعاشه جعل منه شهما من طفولته، أو كما قال لي أحدهم حين كان يحكي لي عن “عيزي رحاج” بالريفية: «إزما إغايكان إكاري إتبان زي دامزي» كان ينقل العتاد والمأكل على دابته وهو صغير يصل إلى المقاومين الأشاوس في كل جبال الريف القريبة من المنطقة… عاش في الحرب وكبر في الحرب وقاد حرب ونفي بسبب الحرب…

عاش في ظل المقاومة الريفية ضد الاستعمار الاسباني والفرنسي وهو لم يتجاوز العشرين من عمره، كان شاهد عيان على كل ما حدث في هذا الوطن من الجرائم التي ارتكبها المستعمر والجرائم التي ارتكبها المخزن إبان الاستقلال الشكلي… وما أن بلغ الأربعين من عمره حتى وجد نفسه مع إخوانه ورفاقه بجيش التحرير ما بين 1953 و 1956 الذي ارتبط أساسا بمنطقة الريف وخاصة قبيلة كزناية أو مثلث الموت (أكنول- تيزي وسلي- بورد) القريبة من مسقط رأس عبد الله نتهامي..

 

حصل المغرب على الاستقلال سنة 1956 بعد معاهدة اكس ليبان سنة 1955 وعودة محمد الخامس إلى المغرب في نفس السنة، كان الريفيون آنذاك في مرحلة حرجة جدا، بعد وأد جيش التحرير وتهميش ما تبقى من الريفيين بعد (الاستقلال) الذي لم ينصف الريف وخاصة المشاكل التي حدثت مع حزب الاستقلال الذي هيمن أنصاره على كل الإدارات والمناصب الحكومية والمواقع الحساسة للدولة، الأمر الذي انتفض الريفيون ضده واندلعت مظاهرات بالريف رفعت خلالها شعارات ضد حزب الاستقلال.. هذا بالإضافة إلى الأوضاع الاقتصادية المزرية التي كانت تعيشها المنطقة من فقر، جفاف، مجاعة واستحواذ على ما تبقى من خيرات الريف.. كما ضاعفت حكومة الاستقلال من منسوب الاحتقان بفرض المزيد من الضرائب واستنزاف جيوب الريفيين، النقطة التي أفاضت الكأس فاندلعت انتفاضة “إقبارن”

هذه الانتفاضة التي اندلعت سنتي 1958 و 1959 والتي رفع فيها الريفييون من خلال قياداتهم المجمعة على زعامة محمد سلام أمزيان لائحة مطالب شرعية وديمقراطية سياسية، اقتصادية، اجتماعية.. الأمر الذي استجاب له القصر الذي كان له دور في هذه الانتفاضة بسبب صراعه (الشكلي) مع حزب الاستقلال، وعدم القدرة على التحكم في نتائجها، فانقلب السحر على الساحر كما يقال. (انظر أحمد البلعيشي في مقاله، أسباب اندلاع انتفاضة الريف الأولى) الأمر الذي اضطر معه القصر للجلوس إلى طاولة الحوار مع الريفيين، واستقبل محمد الخامس في 11 نونبر 1958 وفدا من الريف للحوار يتشكل من قادة الانتفاضة ومن بينهم عبد الله نتهامي عن منطقة أيث حذيفة، فاستجاب القصر نظريا لمطالب الريفيين كما يحكي لي أحد شيوخ المنطقة، وكلف عبد الله نتهامي بإلقاء خطاب بمثابة تقرير لنتائج الحوار في منطقة تقع في الحدود الفاصلة بين زاوية سيدي عبد القادر وأيث عماث، تسمى “رفوسينا ؤكارمام” كانت بمثابة مركز الاتصالات تعود للجيش الاسباني.. بعد إلقاء الخطاب، وجه بعض رجال الريف من ايث عماث وكزناية وآخرين من ايث حذيفة اتهاما خطيرا لعبد الله نتهامي، بأنه باع الريفيين وخان المناضلين وحصل على مبالغ مالية من القصر من أجل التراجع عن حمل السلاح، الأمر الذي لم يستسيغه عبد الله نتهامي وتوجه مباشرة إلى ايث حذيفة حيث كان يتواجد الجيش الملكي الذي ظل في الريف من العرض العسكري الذي قدمه في المنطقة..

كان لعبد الله نتهامي بندقية حرب احتفظ بها من انخراطه في جيش التحرير اسقط بها عشرات من الجيش الملكي لوحده في منطقة تسمى “تاشاث ندباغرا” ردا على اتهامه من قبل إخوانه بأنه باع الريف، الأمر الذي استنفر كل الجيش الملكي المتواجد بايث حذيفة بحثا عنه، متوجهين بعتادهم الحربي إلى احرشيين بجماعة زاوية سيدي عبد القادر للتنكيل به وعائلته، وصل الخبر إلى العائلة عن طريق عبد السلام أحرشي الذي كان من أعوان السلطة المحلية بأيث عماث، أخبرهم أن الجيش الملكي قادم من ايث حذيفة بحثا عن عبد الله نتهامي أو أي أحد من عائلته، فتوزعت كل العائلات القريبة منه منتشرة بمناطق مختلفة من الريف وخاصة بالجبال حيث يصعب على الجيش الوصول إليها، حين وصلوا إلى منزله باحرشيين لم يجدوا فيها أحدا وتم حرقه، فكان عبد السلام أحرشي رفقتهم وبعد انسحاب الجيش عاد ومعه بعض أهل المنطقة لإطفاء الحريق الذي كان قد التهم جزء يسير من المنزل…

عبد الله نتهامي بعد أن أسكن عائلته مع أحد أقاربه بمنطقة تسمى “ذراث نرحسان” قريبة من شقران، اتجه إلى أجدير و ايث بوعياش حيث كانت المواجهة مع الجيش الملكي الذي عاث فسادا في المنطقة بعد إعلان الحسيمة منطقة عسكرية في 24 نونبر 1958 حيث إعطاء الشرعية للتدخل القمعي على المدنيين وحرق منازلهم واغتصاب النساء وإقبار بطون الحوامل، بعد حملة إغلاق المنطقة في وجه الصحافيين، وحظر جميع الكتابات المحلية وتدعيم الجيش بحوالي 20 ألف جندي، وفي يوم 5 يناير 1959 ألقى محمد الخامس خطاب ينتقد فيه المتمردين وإمهالهم 48 ساعة لتسليم الأسلحة تفاديا للمواجهة العسكرية، مع العلم أن العملية العسكرية بدأت قبل أشهر.. ومعظم الريفيين الذين كانوا يواجهون الجيش الملكي كانوا قد حاربوا رفقة الأمير الخطابي وجيش التحرير ومن بينهم عبد الله نتهامي ومحمد سلام أمزيان ورفاقهم في السلاح، وأبدى هؤلاء المقاومين مهارة عالية واستماتة منقطعة النظير حيرت قادة القوات المسلحة الملكية مما اضطرهم إلى الاستعانة بالطائرات والدبابات الفرنسية ( انظر دراسة قام بها نبيل ملين) ورغم ذلك لم يستطيع ولي العهد ومعه أفقير السيطرة على الريفيين إلا بعد ما يقارب شهر من المعارك الطاحنة..

بعد فترة قصيرة انتشر الخبر بأن الجيش يبحث عن القائدين عبد الله نتهامي ومحمد سلام أمزيان في كل أرجاء الريف، بعد نجاحهم الفرار إلى مليلية من هناك إلى اسبانيا.. ففي رحلة تهجيرهم ونفيهم هذه، (كما يحكي لي أحد شيوخ المنطقة الذي التقى بعبد الله نتهامي باسبانيا) أن القائد محمد سلام أمزيان كان يحاول الانتحار في مناسبتين عند الحدود مع مليلية بعدما شعروا أن الجيش كان على وشك العثور عليهم بإحدى الغابات المجاورة، ومنعه عبد الله نتهامي من ذلك لينجحا معا دخول مليلية.

ظل عبد الله نتهامي بالمنفى سنوات عدة متنقلا بين اسبانيا وبلجيكا وحاول في هذه الفترة أن يلحق أبناءه به مع إحدى زوجاته، ونجح في ذلك بمساعدة بعض من وجهاء المنطقة الذي كان لهم شأن كبير بالريف وبمباركة المخزن الذي حاول تهجير الريفيين بعد أحداث انتفاضة “إقبارن” حيث كان يكفي أن تحصل على جواز سفر لتجد نفسك خارج الوطن مع ما كانت تعانيه المنطقة من مجاعة مفرطة لم يجد الريفيين حلا لها إلا بالهجرة قسرا بحثا عن قوت عيالهم، فلعنة المنفى لم تصب عبد الله نتهامي فقط بل حتى بعض أبنائه الذي منع عليهم دخول المغرب إلا بعد وفاة الحسن الثاني وتولي محمد السادس الحكم.

للإشارة، فعبد الله نتهامي تزوج 14 زوجة طوال حياته ولم تبقى معه إلا زوجة واحدة، كان كثيرا ما يطلق زوجاته ويبقي معه أولاده إلى درجة لم نعد نمييز بين الإخوة الأشقاء مع غيرهم غير الأشقاء..

وبعد العفو الذي شمل المنفيين على اثر أحداث الريف كان عبد الله نتهامي من بين المستفيدين للعودة إلى أرض الوطن، وبمجرد وصوله إلى مدينة تطوان وجد نفسه موقوفا في إحدى الحواجز الأمنية، فقاموا بتفتيشه فوجد معه مسدسا، الأمر الذي اعتقل بسببه وتم إيداعه بمخفر الشرطة بمدينة تطوان ليتم إطلاق سراحه فيما بعد، وعودته إلى الريف ليستقر باحرشيين مسقط رأسه، يحظى باحترام الجميع ويلتجئون إليه عند كل خلاف في المنطقة، إلى أن وفته المنية يوم 30 يناير 1989، وكانت جنازته من أكبر الجنائز التي شهدتها المنطقة إلى يومنا هذا.

 ومن بين المواقف التي تحكى قول إحدى العجائز حين علمت بوفاة عبد الله نتهامي قالت: «إحرشيين ذقابوت نباباهم ذاراز» أو « إحرشيين عكاز أبوهم إنكسر» إشارة إلى عبد الله نتهامي ودوره في احرشيين خاصة والريف عامة، الذي كان يتباهى به الصغير والكبير، الرجال والنساء، رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى.

الحرشي عبد الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.