عبد السلام عامر قاهر الظلام الذي تلى خطاب الإنقلاب

 

97900509

للألم وعبد السلام عامر، مبدع «راحلة»، الكثير من الذكريات والأسرار: فقر وعمى وتعنيف وإقصاء ورحيل بعد مرض خطير. إذ على الرغم من العمى الذي أصابه، استطاع هذا الفنان
أن يبصم على حضور خاص في المجال الفني المغربي.
من يعرف عبد السلام عامر يتذكر الخوالد الفنية التي أنتجها رجل كفيف يطلق العنان لموهبته وعاطفته لتتغنى بالإيقاع الجميل.. هو من منح المغاربة أغاني «القمر الأحمر» و«ميعاد» و«آخر آه» و«حبيبتي»، فضلا عن الأغنية الشهيرة «راحلة» للمرحوم محمد الحياني.
منذ طفولته بدأ عامر مشوار معاناته وتحديه أيضا. فبعد سنوات من تمتعه بنعمة البصر، أصيب الطفل عمر الشولي (اسمه الحقيقي، والمزداد سنة 1939) بالعمى. وعلى الرغم من تعدد الفرضيات حول سبب فقدانه بصرَه، فإن الكاتب والصحافي لحسن وريغ، في كتابه القيم الذي نشره حول عبد الراحل تحت عنوان «عبد السلام عامر، قاهر الظلام بالأنغام» رجَّح -حسب ما جمعه من شهادات للمقربين من الفنان الراحل- أن يكون السبب الرئيس لإصابة عامر بالعمى عائدا لإصابته بمرض الجذري، الذي اجتاح مدينة القصر الكبير في العقود الأولى من القرن الماضي.
وعلى الرغم من هذه الإصابة، لم يمنعه الأمر من تحقيق حلم الدراسة، إذ اعتمد الطفل عامر على حاسة السمع في التقاط كل ما يجري بين الفقيه والتلميذ، كما أن ذاكرته أسعفتْه على الاحتفاظ بكل هذه الثروة المعرفية.
ويحكي الكاتب أن بعض المؤشرات تؤكد أن ذاكرة عامر لم تكن عادية، فكل ما كان يسمعه يظل يرن في أذنيه، فلم يكن يجد صعوبة في استظهار بعض آيات القرآن. هذا التميز استمر في المرحلة الابتدائية والثانوية قبل أن يقرر عبد السلام عامر توقيف مساره الدراسي ورفض مهنة التدريس والبحث في ذاته عن شيء خاص، لم يكن إلا عشق الشعر وتذوق الطرب العربي الأصيل.
في هذه الفترة من حياته، أصيب الشاب عبد السلام عامر بمرض السل، لينضاف إلى مِحَنه الأخرى. وبحكم عدم توفُّر القصر الكبير على مستشفى خاص بعلاج أمراض الجهاز التنفسي، اضطر عامر إلى السفر إلى تطوان للعلاج في مستشفى «ابن قريش»، التي عاش فيها ألم المرض.
ورغم استمرار الألم والعذاب، كان هناك إصرار قوي على تحدي الظروف. ومن الأشياء الطريفة في حياة عبد السلام عامر إصرارُه حين كان صبيا على ركوب الدراجة الهوائية، رغم إعاقته البصرية. لكن شيئا فشيئا، بدأ الطفل الضرير يتعلم «ركوب» الدراجة!. وذات مرة، أخطأ السير، فاصطدمت دراجته بأحد جدران ساحة «المولى المهدي» وسقط أرضا فبدأ الأطفال يستهزئون منه. لم يثبط هذا الحادث عزيمته وإصراره، بل ازداد حماسه لركوب الدراجة الهوائية واشتدّت نزعة التحدي لديه، وخاطب أصدقاءه قائلا: «في المرة المقبلة، سأركب الدراجة من جديد وأسير بها حيث شئت دون أن أصطدم بأي حاجز»! ولم تمرَّ على هذا الحادث سوى فترة زمنية قصيرة حتى شوهد فوق دراجة يقودها مثل أي مُبصر، حسب ما جاء في شهادة الشيخ الروسي حسيني في الكتاب سالف الذكر.
معاناة وإصرار على إثبات الذات سيتكرسان في مساره الفني. إذ كان يعوض إعاقة البصر بالقوة الخارقة على السماع والحفظ، حيث وجد في المذياع رفيقَه في عشق فن عبد الوهاب وأم كلثوم، بعدما لم تتح له فرصة ولوج أي معهد منذ غادر الدراسة، بمعنى أن الرجل كان عصاميا بدرجة كبيرة، حسب ما يحكي مقرَّبوه.
تعد أغنية «ما بانْ خْيال حْبيبي الغالي» أولى أغاني عبد السلام عامر، وقد كتبها ولحّنها في أواخر خمسينيات القرن الماضي، قبل أن تأتي تجربة «الساقية والبيرْ»، التي قلّد فيها الحسين السلاوي، لينطلق مساره الفني بولوجه دارَ الإذاعة. وهناك، واجه العديدَ من المشاكل التي رأى البعض أن للراحل أحمد البيضاوي يدا فيها، كما يحكي عبد الرحيم أمين، في شهادته عن عامر في المصدر ذاته.
ويجسد لقاء عامر مع عبد الوهاب الدكالي في أغنية «حبيبتي» الانطلاقةَ الحقيقية التي تلتْها تجاربُ فنيةٌ، من خلال روائع الشاعر الغنائي عبد الرفيع الجواهري، دون نسيان الإشارة إلى سفره التاريخي إلى القاهرة رفقة عبد الحي الصقلي وعبد الهادي بلخياط وعبد الرحيم أمين، في أواسط الستينيات ونيلِه شهادةَ تقدير شفوية من الموسيقار محمد عبد الوهاب الذي قال: «لي الشرف أن تكون أغنية «القمر الأحمر» في خزانتي»!…

حكاية الإنقلاب:

قضى عامر فترة قصيرة في مصر ثم عاد إلى المغرب إثر اندلاع حرب 67، واستقر هذه المرة بحي سباتة بالدار البيضاء، وكان ينتقل في كثير من الأحيان إلى الإذاعة المركزية بالرباط لتسجيل ألحانه العاطفية والوطنية، وشاءت الصدف أن يكون عبد السلام حاضرا يوم انقلاب الصخيرات صيف 71، بالإذاعة فأرغمه الانقلابيون على تلاوة بيان الانقلاب، بعد أن حفظوه إياه، وكانوا قبل ذلك قد حاولوا مع عبد الحليم حافظ الذي كان لحظتها هناك، واستطاع الأخير إقناعهم بإعفائه من هذه المهمة. اما عبد السلام عامر فتم حبسه إلى ان تدخل الأمير مولاي عبد الله ليطلق سراحه.

بعد هذه الواقعة، تعرَّض الراحل عبد السلام عامر لتهميش كبير أثّر على إنتاجه الفني والإبداعي، قبل أن يعلن في 13 من شهر ماي من سنة 1979 عن رحيل ملحِّن من طينة متميزة اسمه عبد السلام عامر، تحدى كل أشكال الإعاقات ليبدع قطعاً موسيقية ظلت في راسخة في وجدان المغاربة.

*************

“القمر الأحمر” فيلم سنيمائي يتناول سيرة الراحل للمخرج حسن بنجلون 

يجمع هذا العمل، الذي صور في مناطق مختلفة من المغرب أبرزها القصر الكبير، بين نخبة من الفنانين البارزين سينمائيا وغنائيا، من بينهم الفنان عبد الفتاح النكادي الذي يلعب دور البطولة، إلى جانب المغنية فاتن هلال بك ، والمغني حاتم إدار، كما يشارك في هذا العمل كل من عبدالرحيم المنياري، وعبد الكبير الركاكنة، ومحمد عياد، ووسيلة صبحي بالإضافة إلى العديد من الوجوه الفنية المعروفة.

ملصق الفيلم
وقال المخرج المغربي حسن بنجلون، في تصريح صحفي، على هامش العرض ما قبل الأول لشريطه (القمر الأحمر) بسينما الريف بالبيضاء، إن اختياره لأغنية “القمر الأحمر” عنوانا للفيلم، جاء استنادا لشخصية الراحل عبد السلام عامر، الذي كان يساريا، الأمر الذي ربطه المخرج باللون الأحمر، مضيفا أنه كان بمثابة قمر يضيء الظلمة، ما جعل هذه التسمية أبلغ في التعبير عن قصة الفيلم.

وأوضح بنجلون إن هذا العمل يعد اعترافا بالجميل، واحتفاء باسم قدم الكثير للساحة الفنية المغربية، مؤكدا على ضرورة التركيز على مثل هذه الأعمال لتنويع الدراما المقدمة من طرف أي مخرج للمتفرج المغربي، وترسيخا للتاريخ والثقافة المغربية في الذاكرة.

وأضاف أن هذا النوع من الأفلام لا يدخل ضمن الأنواع التي اعتاد الاشتغال عليها، ما يجعله تحديا كبيرا يأمل النجاح فيه، خاصة أنه يروي حياة شخصية نالت من الشهرة ما يجعلها غنية عن التعريف، إذ سينصب اهتمام الجماهير، حسب رأيه، على جوانب تقنية وأخرى درامية بشكل كبير، دون الالتفات للقصة التي اعتبرها مستهلكة من طرف شريحة واسعة من متتبعي الفن المغربي منذ سنين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.