عبد الرحمان الغندور يكتب: على هامش قرار أو توصية المجلس الأعلى للتعليم الاستقالة الجماعية للدولة و المجتمع

الغندور عبد الرحمان

92 بشرا…يتقاضون أجورا و تعويضات، تقدر بملايين الدراهم… يجتمعون في بناية فخمة و مريحة يدشنونها لأول مرة
92 بشرا يمثلون عددا من الخبراء، و أعضاء الحكومة، و ممثلي كل من البرلمان، و مؤسسات التكوين، و النقابات، و الأطر التربوية و الإدارية، و جمعيات الآباء، و ممثلي التلاميذ، و الجماعات الترابية، و المجتمع المدني، و التعليم الخاص.
92 بشرا يشكلون المجلس الأعلى للتعليم الذي قرر أو أوصى بإلغاء مجانية التعليم، بعد الانهيار الشامل الذي عرفته منظومة التربية و التكوين بسبب فشل الميثاق الوطني و المخطط الاستعجالي و حتما الرؤية الاستراتيجية لاحقا.
لم يظهر من علاج لهذا الانهيار الفظيع سوى جانب تمويل العملية التعليمية، و لا سبيل لحل هذه المعضلة سوى مساهمة الأسر عن طريق إلغاء المجانية.
هنا يتضح أن الدولة المغربية بكل مؤسساتها، تقدم استقالتها من أهم وظيفة مفروضة و واجبة عليها دستوريا و سياسيا و اجتماعيا، و هي صيانة الحق في التعليم الجيد و المجاني و المعمم. هذا الحق الذي لم يستطع أي أحد المس به في أية مرحلة من مراحل تاريخ المغرب الحديث. و قد سبق للحسن الثاني أن لوح في أكثر من خطاب بضرورة التخفيف من المجانية، لكنه لم يجرؤ أبدا على المساس بها أو إلغائها.
لكن مجموعة 92 و هي تمثل مؤسسات الدولة ( حكومة و برلمانا و مستشارا للملك) تقرر أو توصي بإلغاء المجانية، في زمن سياسي ملتبس و غامض، لا توجد فيه سوى حكومة تصريف للأعمال، و مجلس نواب لم يهيكل ذاته بعد و لم يجتمع و لا مرة، و مجلس مستشارين معطل بقوة التعطيل التي تعرفها كل مرافق الدولة.
القضية الأفظع من استقالة الدولة، هي استقالة الفاعلين السياسيين، أحزابا و نقابات و منظمات المجتمع المدني…و كأن الحق في التعليم العمومي المجاني و الجيد الذي يلامس أغلب الشرائح المجتمعية و لا سيما المتوسطة و الفقيرة و الأشد فقرا، لم يعد حقا مكتسبا بقوة التاريخ و يمكن التعامل معه بمنطق آخر قابل للنقاش و المزايدة و ترويج الكلام المجاني.
و ما يزيد الأمر فظاعة، هو التعامل البارد لمختلف النخب الاجتماعية و الثقافية مع هذا الهجوم الممنهج على حق يعتبر هو الثاني بعد الحق في الوحدة الترابية كما تؤكد ديباجة الميثاق الوطني للتربية و التكوين، تعامل بارد يكاد يكون صمتا، خاصة من طرف الأطر التي تصنف نفسها في إطار النخب التنويرية و الحداثية و المستشرفة لمغرب الغد.
أما فظيعة الفظائع، فهي صمت المعنيين بالأمر و المستهدفين مباشرة بهذا القرار من عموم الفئات المجتمعية، من آباء و أمهات و أولياء المتمدرسين و الذي سيتمدرسون مستقبلا و جمعياتهم التي لا تخلو منها أية مدرسة عمومية في مختلف الأسلاك. و هؤلاء يشكلون أوسع الفئات الاجتماعية المتواجدة في مختلف مرافق التدبير و الانتاج. إنهم يعانون الويلات من المس المستمر بقدراتهم الشرائية و المعيشية، ليضيفوا اليها فظاعة المس بمستقبل فلذات أكبادهم حين يصبح حقهم في التعليم العمومي و الجيد و المجاني حقا مستباحا من طرف أوليغرشية، لا هم لها سوى تنفيذ مخططات مراكز الهيمنة الاجنبية الداعية الى تخليص ميزانيات الدول من أي مصاريف تهم الخدمات العمومية في التعليم و الصحة و السكن اللائق.
إن هذا الصمت الفظيع يعبر بجلاء عن استقالة المجتمع أيضا عن وظائفه المقدسة ، و هي الدفاع المستميث عن المكاسب، و النضال من أجل توسيع دائرة الحقوق.
التاريخ المعاصر للمغرب يذكرنا… أن أحداث 23 مارس 1965 التي نؤرخ بها لمغرب ما بعد الاستقلال، و خلفت آلاف الضحايا و الشهداء، هذه الأحداث، انفجرت بسبب قرارات وزير التعليم آنذاك، يوسف بلعباس، عبر المذكرة الوزارية ليوم 19 فبراير 1965 والتي بموجبها يمنع كل الشباب في سنّ 17 سنة من الالتحاق بالسلك الثاني من التعليم الثانوي، وبالتالي حرمانهم من اجتياز امتحان شهادة الباكلوريا….كانت هذه القرارات وحدها، و هي لا تمس بالحق المقدس في التعليم، كافية لتكون مصدر انتفاضة شعبية لا زالت موشومة على جبين التاريخ الوطني.
إن هذه الاستقالة الجماعية للدولة و الفاعلين و المجتمع لا يصدق عليها سوى :
جاء الباطل و زهق الحق، إن الحق كان زهوقا
ميامي 25 نونبر 2016

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.