عام الجوع والأغلال

ذلك اليوم لن أنساه. لم يكن في وسعي أن أنسى تلك الأغلال الحديدية الثقيلة التي وضعها الجنود حول عنق أبي وعنقي أنا وأحكموا إغلاق أقفالها ليجروننا بعدها منها جرا الى ما وراء البحار، حيث الحرب.

لم يكن في وسعي انا أن أنساه لو لم انزل درجات الزمن لأتوقف عند ذلك اليوم.

زرت حينذاك السوق كما كنت أفعل دائما كل يوم ثلاثاء من الأسبوع. زرته كما دائماً بغرض وهدف واحد فقط كما جرت العادة، وهو أن أشهد على حال الناس واسمع مستجدات وقصص المداشر البعيدة والقريبة وأعود بها الى المنزل.
لشدة الجوع، لم يكن الناس آنذاك، كما في الماضي، يتحركون كثيرا بين المداشر مقتصدين بذلك في قواهم وطاقاتهم وحامين في نفس الوقت لأنفسهم مما قد يرونه من مصائب ومآسي بأم أعينهم وقد أصابت أقرباءهم أو لحقت بأناس يعرفونهم جيدا.
بالنسبة لي، فكلما كانت القصص التي أسمعها في السوق أكثر ألما وحلكة وسوادا، كلما كبر في إحساس جيد جدا يكاد يشبه الأمل الغائب الذي هجر حياتنا.
كلما سمعتها وهي اكثر وجعا كلما تصلب في داخلي شيء كالصمود. شيء يجعلني أرتاح لوضعيتي البئيسة جدا. شيء يجعلني أقول الحمد لله.. الحمد لله، لأني لا زلت أمتلك ثلاثة دجاجات. هذه الدجاجات التي لم تعد بسبب العوز والحاجة تبيض كل يوم، لكن مع ذلك فكل واحدة منها لا تزال تزودنا ببيضة مرة في يومين او ثلاثة تبقينا على قيد الحياة.

كلما كانت القصص التي أسمعها هنا في السوق قاسية. أقول في نفسي: حالتي جيدة، إنها بخير. إني بخير. أولادي بخير..أبي وأمي بخير… وإن لم تقتنعوا، فانظروا من فضلكم الى البيض. دجاجاتي تشهد على أننا كلنا بخير. فما دامت هي حية لم تمت أو لم تذبح بعد، فإننا كذلك. لقد اتفقنا في المنزل أن لا نذبح الدجاجات تحت أي ذريعة كانت. اللهم فقط اذا كان الهدف من ذبحها إنقاذ نفس من موت محقق. اتفقنا أيضاً أن لا نأكل لحمها إلا إذا قدر الله ووجدنا الدجاجات  ميتة.
إن كل هذا الموت المنتشر كثيرا حولنا لن يغادر سبلنا. سيظل يحدق في، وفي أولادي وفي أبي وأمي وفي دجاجاتي الثلاثة المتبقية من خم دجاج كبير. إن هذا الموت سيبقى، وسيبقى ينتظر فرصته لينال فيها بنا.
أنا.. أقولها دائما وأرددها كصلاة .. أنا والحمد لله في حالة جيدة، أنا كنت بخير، ولا زلت بخير.

قبل قليل وأنا أقصد السوق، صدمتني رؤية جثة لرجل تهاوى على قارعة الطريق ولفظ أنفاسه الأخيرة هناك. لم يقترب منه أحد. الناس اختاروا ان يتجنبوا الجثة عبر تشكيل ممر بديل بين الأشواك اليابسة على تربة عن قرب من الطريق الرئيسية بدل أخذ الجثة ودفنها..
لما رأيت الرجل وهو لم يتعفن بعد، ظننته لوهلة كومة لحم. لكني تداركت الموقف سريعا وأنا أفكر في دجاجاتي. أنا بخير ولا أحتاج للحم كي أكون بخير..
إن هذه جثة لرجل كما أنا..إنه ليس لحما رمي به في قارعة الطريق ليسدد الناس به جوعهم. إنه رجل كما أنا. كان سيشبهني لو امتلك هو أيضا ما أمتلكه من دجاجات وكان سيقول هو أيضاً: أنا بخير..الحمد لله ما مادمت أملك دجاجة.
كل مرة اسمع في السوق قصة مؤلمة أكثر مما رأيته بأم أعيني، أجدني انطق بالحمد لله بصوت، لكنه حين يأبى أن يرتفع أختار قولها في صمت، دون إحداث أي صوت.
لم تكن في نيتي ذلك اليوم كما كل أيام الثلاثاء التي مضت اقتناء حاجة ما من السوق أو أي شيء آخر، فأنا لا أستطيع على ذلك منذ مدة طويلة. أكثر من هذا فأنا لا زلت أمتلك دجاجة الى ثلاثة… حية.

وجوه الباعة في السوق شاحبة وهم يفترشون بضائعهم القليلة على التربة الجافة العارية او على الأكياس البالية أمامهم. لكن وجوه زوار السوق كانت أكثر شحوبا. أكثرهم نال بهم الجوع وبدت أجسادهم نحيفة نحيلة رغم ارتدائهم لجلاليب تظهر كلها عريضة لتخفي من هول نحالة أجسادهم وتداعيات شهور كثيرة من الجوع والجفاف التي مرت عليهم.
في السوق كان يوجد خباز يجذبني دائما إليه وأزوره عدة مرات في اليوم.  كلما اشتد بي ألم حاد أحس به في أمعائي. أزوره فقط لكي يتسنى لي أخيرا استنشاق طعم الخبز الفواح وأحس برائحته الطيبة وهي تدغدغ خياشيمي.
كان الخبز يباع بالكيلوغرام الواحد، فحين تطلب من البائع خبزة، يزنها البائع أولا فيضيف اليها كسرة من خبزة أخرى أو يأخذ قطعة منها حسب ما يتطلبه الميزان. كان كيلو خبز هو نفسه كيلو الى إخر ذرة.
ما إن وصلت الى الخباز وجدت رجلا طويل القامة ولا يظهر عليه جلده، هو الذي يدثر جمجمته فقط.
طلب الرجل ذو القامة الطويلة خبزة واحدة. وزنها البائع وأضاف اليها قطعة أخرى من خبزة أخرى. أخذ الرجل القطعة وأكلها بنهم بينما هو يبحث في جيبه عن ما سيسدد به ثمن الخبزة. عندما أعطاها له البائع، اخرج الرجل يده من جيبه فارغة وهرول هاربا من البائع في السوق. البائع ترك خبزه وراءه وتبع السارق جاريا وصائحا:
– اتفامد أشفار..(أمسكوا السارق)
أنا أيضاً طلقت العنان لقدمي تابعا زوبعة غبار أحدثتها خفة قدما البائع. لحسن حظ البائع فقد كان سارق الخبز منهكا ولم يقو على الجري أكثر من الأمتار التي قطعها، حيث أدركه  بسهولة على بعد عشرات أمتار ماسكا أولا بقبة جلبابه ليجره بها الى الخلف مرغما إياه على الوقوف. لما وقف الرجل أخيرا واستدار بوجهه إلى البائع وإلينا، كان … ماذا سأقول..
كان المشهد فظيعا.. أفظع حتى من هذه الأغلال الثقيلة حول عنقي.. كانت الدماء تسيل بكثافة من فمه وهي تجري على ذقنه وتتصبب على صدره وجلبابه. لقد تمزق فم الرجل بفعل الخبز كما يظهر من كلا الجانبين في المكان الذي تتلاقى فيه شفاهه مع بعضها البعض ولم يبق من كيلو خبز إلا قطعة أخيرة دسها الرجل في فمه بسرعة وابتلعها دون أن يمضغها بأسنانه مستعيناً بدمائه، قبل أن يصيح:
– روخا أويد ارموث مامشما تادجا (الآن فلتأتي الموت كيفما كانت). ووجه كلامه الى البائع متضرعا أياه:
– أقاي أنغايي (أرجوك اقتلني) الله يهديك بيدك.. أرجوك لا تتركني بين قبضة هذا الموت وهذا الجوع .. أرجوك اقتلني أنت بيدك فأنا رجل.. حتى أنا رجل وأريد موتا شريفا، لا هذا خزي الموت بالجوع..ً
أنا لن أطلب الموت كما لم يطلبه أبي.. سأنتظر. سأرى الآن كيف سأنتصر أيضاً على هذه الأغلال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.