عالية بوغروم.. أمٌّ بسعة الوطن

محمد السقفاتي

صرت الآن أكثر من أي وقت مضى، أرى واضحاً ذلك الجرم من التقصير والقصور الذي جنيناه اتجاه امهاتنا، وهو جلي أمام عيني كواضحة النهار.
لست هنا بقصد أن اتحدث عن أمي الحنونة التي انجبتني وأذكر كل شيء تستحقه ولم أقم به، ومع ذلك فإني أقِر؛ رغم أني كتبتُ كثيرا حولها، إلاّ ان اسم الطاوس فاطمة؛ اسم أمي، لم أذكره ولو مرة واحدة في كتاباتي.. فهل هذا يحتسب أيضا جرما؟
طبعا اذا كان لزاما علي في هذا السياق الذي أكتب فيه بأن نسلم بالأمر ونعتبره جريمة، فلا بد أن تكون تلك من الجرائم التافهة والصغيرة جدا اذا ما وضعناها مقابل كل تلك الأشياء التي تقصّر به يدنا في حق أمهاتنا.
لن أتكلم عن أمي فاطمة الطاوس، فهي رغم أمومتها الطيبة وحسن أخلاقها، بل وحكمتها النبيلة بشهادة جميع من يعرفها، فهي أمي أنا وأم من أنجبته من رحمها … وفقط. سأتحدث عن أم أخرى كانت إلى زمن قصير كمثل أمي تماما وهي تشبهها في أمومتها وفي حنانها وأخلاقها ونبلها ومعاملاتها لمحيطها وللآخرين، هي تلك المرأة النبيلة والأم لأربعة أبناء، وبنتان أصغرهما انجبها رحمها يوم 25 ابريل 1996 في الوقت الذي كان فيه زوجها يرقد في المستشفى، وفارق الحياة، رحمه الله، بعد زمن قصير يوم 6 يونيو من نفس السنة، تاركا إياها أرملةً تماما مثل أمي، لكن أمام مهام ثقيلة ثقل الجبل.

إنها السيدة بوغروم عالية.. ويا عالية العالية! يا أما كانت أمّاً لأبنائها، ثم صارت أمّاً لجميع الريفيين… لكن قولوا لي:
من منكم يعرف هذا الإسم؛ اسمها؟
وقولوا أيضا في نفس الوقت هل منكم من لا يعرفها؟

وماذا ستقولون عنها اذا كرّرت على مسامعكم قصة حدثت قبل أيام معدودات، حيث جاهدت وكافحت بكل ما فيها وتملكه من قوة وأمل لتصمد في وجه قساوة وعذابات رحلة العذاب المنتظمة إلى عكاشة وإلى محكمة البيضاء، لتحضر أطوار محاكمة ابنها، ثم … كانت المفاجأة وهي تصنع حدثا انفلت سريعا من سيلان مدادنا واسترسال نقراتنا ولم نُعره قراءةً ولا اهتماماً يليق به.

في ذلك اليوم، وفي وسط الجلسة، وابنها الذي تعزّه وتعتزّ به أيّما اعتزاز، وهي وهبته من روحها وهو جنين في رحمها، ومستعدة اليوم أن تهب لأجل حياته، حياتها، فإنها قامت من كرسيها، غادرت الجلسة ثم انصرفت و”سمحت” في فلذة كبدها تاركة أياه مع مصيره الذي لا يحسده عليه أحد، خلفها.. ..
لماذا قامت بهذا يا ترى؟ ما هو السبب؟ وماذا سيكون هذا السبب “كاع”؟ هل هو بأهمية أكبر من ابنها؟ أليس لأجل هذا الابن النبيل البطل تكابد كل أسبوع الآلام والطريق المصحوب بعذاباته التي يضاعف في حجمها العذاب حول سلخ ابنها من جلدها ؟ وماذا هناك ؟ هل من شيء يوجد وهو في الميزان أكبر وزنا وقيمة من مصير ابنها؟

عندما قرأت لإبنها محمد تدوينة يخبرنا فيها بما أقدمت عليه أمه، إذ أخذت الطريق إلى وجهة الجنوب من وطننا الحبيب، لتحضر وقفة تضامنية مع سكان إيميضر المعتصمين، استعصى عليّ الفهم ومتابعة الأم عالية في قراراتها وخطواتها..
طبعا لم يُكتب الكثير حول هذه الخطوة، خطوتها، لكني انتبهت لها وأنا أتأمل الوضعية العامة ووضعية الأم الخاصة ثم فكرت طويلا، ولأيام عدة لم أتجرأ أن أكتب أيّ شيء عنها إلاّ الآن، وأنا قد بدأت أستوعب القليل من هذه الخطوة، وجعلني هذا القليل من الفهم أدرك أننا أمام أم بحجم الكون وتحمل في ذاتها معدنا لا يقدر بثمن ..

السيدة عالية بوغروم، سنقصّر في حقها إن قلنا أنها أم المعتقل نبيل أحمجيق وفقط. أو أنها أم الحراكييين والريفيين كما نسمع هنا وهناك، بل هي أم بحجم الوطن.. ولن نقدر أن نكتب ولا كلمة ستفي حقها فيها كاملة كأم الوطن.. هو الوطن كاملاً في صورة معبرة من الحسيمة إلى جبال ألبان .. صورة من وجع وألم نفثته في وجوهنا طاحونة المخزن التي لا ترحم، ويحجر الانسان ويفقده كرامته قبل أن يجعله عبدا صغيرا ذليلا ضعيفا…إلى أمل يجتاز حدود المعاناة، بل منها يتفتق كل هذا الأجمل..
نعم… اننا لم نقف جيدا أمام ما وقع، ولم نفكر فيها بالطريقة التي تستحق، ونضعها في سياقها، والا فسنكون قد رأينا الأم عالية تكبر وتكبر، ويكبر معها الامل في وطن أجمل ويزداد يكبر ويكبر.
كم سمعنا شعارات من مثل “تحية نضالية للمرأة الريفية” ونحن نستدرج العنصر النسوي لحضور أشكالنا.. لكن المرأة لم تحضر فقط.. انما في قراءة أخرى.. فهي التي حمت الحراك من الاندثار بمسيرة نسوية في مارس بعدما بدأ المخزن ينقضّ على الأشكال الاحتجاجية في فبراير قبله.. لقد حضرت المرأة منذ البداية وهي تعرف انها ستقدم تضحيات كبرى من أجل فلذات أكبادها على الاقل، ثم حمت الحراك بخروجها وساهمت في استمراره وهاهي أم الوطن ترينا كيف علينا ان نفكر وما يلزم ان نقوم به ونعيد النظر الى افكارنا واحكامنا.. فأم نبيل أحمجيق اعتلت عربة مسيرة الدار البيضاء وألقت كلمتها، وحضرت وقفات احتجاجية اخرى ، ثم انتقلت الى ألبان لتعبر عن وقوفها أمام كل المحكورين من هذا الوطن، وان صرخاتهم هي نفسها صرخاتنا.. هكذا نصحح المسارات ونبني للوطن..

عالية بوغروم… أم نبيل ومحمد احمجيق وهي تصور لنا العز والكرامة، وهي لم تختر أن تهادن وتصمت علّهم يشفقون على ابنها … انما واعية أكثر منا بما ستكون عليه خطواتنا المستقبلية..فقط يجب علينا نحن الذكور أن لا نتخلف.

عالية بوغروم… المرأة التي كان لي الشرف الكبير في ان التقي بها الصيف الماضي لمرتين. مرة في قاعة بالحسيمة ومرة في سجن عكاشة ومنحتني من وقت زيارتها الذي لا يكفيها ابدا، ما يكفيني من الوقت لأتعرف على ابنها ونبل نبيلها وحكمته حيث عاينت عن قرب انه ليس الرجل الثاني في الحراك وفقط، ليس هو كما يوصف بحنجرة الحراك الذهبية وفقط.. من يستمع اليه سيعرف انه يفكر ايضا.. وربما يجيد هذا أكثر من أي شخص آخر.

التقيت أم أحمجيق لكني لم أعد الان أتذكر كيف قابلتها وكيف بادلتها التحية..بمد يد ؟ بعناق، بتقبيل رأسها أو جبينها؟
ربما ليس هذا مهما بتاتا لأني أتذكر الاحساس الذي شعرت به وانتابني وأنا واقف أمام وجهها، وحالي ظل حضورها الجليل الكريم الذي أرغمني على الخشوع والأبهة. تماما كذلك الاحساس الذي أكنه لأمي ولا أحدا في هذا الوجود يستطيع ان يستدرجه من بواطن جوفي ويحركه ليجعله يتفتق جميلا ويخرج. انه احساس الأمومة في قلب وكبد ابن بار مطيع..

آنذاك لم أكن اعرف سوى انها أم من مجموع امهات المعتقلين (وفهمت نبيل أحمجيق)….. الآن تكونت صورة أخرى ىأعرض وأفضل، طبعا وسأكذب عليكم إذا قلت انني بسبب احتكاكي بعائلات المعتقلين والوقوف بقرب من معاناتهم، فانني قادر ان أتصور حالتهم وحجم ما يعاونونه، وأنا لن أكذب في هذا على نفسي قبلكم، لأني ببساطة، وبعد أن قدر لي ان أقوم بواجبي واقتربت من عالمهم.. عالم عائلات المعتقلين .. تألمت كثيرا ولم أجد حلا يخرجني منه وهو في داخلي لا يزال مستمرا.. لقد تحسرت كثيرا وندمت عن اليوم والساعة التي قربتني الى هذا العالم القاسي البئيس بمميزاته اللائنسانية؛ عالم معاناة المعتقلين وذويهم..
فقررت… ليس خيانة او إدارة بظهري لهم، لكن فقط لحفظ نفسي من التآكل الداخلي البطيء أو لحمايتها من السقوط المزلزل، ان ابقى بعيدا عنهم.. عن مآسيهم التي لا يستطيع ظهر بشر حملها دون ان ينكسر.. قررت انني حين سآخذ عطلة وأزور المغرب، فسيكون ذلك بعيدا كل البعد عن الريف.. لكن امي عالية بوغروم.. أمنا جميعا، ودون ان تدري هي بنفسها هذا، فقد لفتني بحنانها واهتمامها وأحاطني دفء الأمومة التي فيها .. ونادتني.. فما كان لي ان ارفض نداءها..
عالية أم نبيل وأم الوطن..
ويا ابنها الآخر الذي يتحرك في نفس رحم المعاناة.. هل تُقْبَل وانا اتبناها أمي جنب أمي واغترف الدفء من حضنها واعانق روح الوطن الذي لفها وأحاطها من كل الجوانب؟ هل تقبل ان أجسد امنيتي : التحرك في ظلالها وعناق حار لنبيل من خلالها ثم قبلة لكل المعتقلين أضعها على جبينها الزكي الطاهر الذي بقي عالياً يسمو مع الوقت، وشامخاً يعلو ويعلو؟ هل ستقبل بي كولد لم تلده، لكن بار ومطيع يرنو الى النظر الى قدميها ويتبع كطفل صغير خطواتها الكبيرة العظيمة؟

تنويه:
هذا النص إهداء إلى نبيل أحمجيق وهو يوزع ابتساماته ويهزم بها القضبان والأسوار والحراس…. ويا نبيل…وانت تفكر وتغرد في نفسك نشيد الأمل والحرية، اعلم انك لست بمفردك في المِحنة هذه فهي محنتنا جميعا.. اعلم ان لك اكثر من ثلاث اخوة .. تقبلني بينهم .. وتقبل هذا الإهداء مني الذي اهديه عبر امك الشهمة الى جميع امهات المعتقلين وذويهم، وعبرك الى جميع رفاقك المعتقلين في عكاشة وجميع السجون الاخرى حيث يتواجدون…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.