طنجة تحت رحمة الرصاص والمسؤولون على نهج الصحّاف

مرة أخرى يلعلع الرصاص في مدينة طنجة، هذه المرة كان بصورة أجرأ، انطلقت 20 رصاصة تسندها عبوة ملوتوف في واضحة النهار، وفي شارع عمومي، كان يمكن للرصاصات العشرين أن تحصد أرواح المواطنين المارين بالمصادفة في مكان الحادث، لكن الالطاف الالهية -كما يقول اللسان الشعبي في مثل هذه الحالات-حالت دون ذلك.

اطلاق الرصاص في طنجة من أجل الاستيلاء على الأموال ومن أجل تصفية حسابات متعلقة غالبة بعصابات التهريب، لم يعد حادثاً معزولا، بل يبدو أن المدينة أضحت مسرحا له بشكل دوري، فقبل حوالي سنة ونصف وقع حادث مشابه حينما استولت عصابة على سيارة لنقل الأموال امام احدى الوكالات البنكية يوم 24 فبراير 2014 بشارع مولاي عبد العزيز، واستطاعت أن تسرق منها ما يقارب 600 مليون سنتيم، واستعمل في العملية أيضا اطلاق الرصاص الحي من أجل شل حركة الحراس، وتنفيذ العملية بسرعة قصوى.

كلا الحادثين يدلان على أن الامر لا يتعلق بحادث سرقة عادي، بل يتعلق الامر بما يشبه الجريمة المنظمة، من خلال طريقة تحرك افراد العصابة، والاماكن التي تستهدفها، وكذا الوسائل التي تستعملها، والاخطر من ذلك قدرة هذه العصابة على التخفي والافلات من الملاحقة الامنية.

عندما تم السطو على سيارة نقل الاموال امام وكالة التيجاري وفابنك بشارع مولاي عبد العزيز، تداعت كل الاجهزة الامنية الى طنجة من أجل فك لغز الجريمة ووضع اليد على الجناة، لكن يبدو أن السلطات الامنية بمختلف أجهزتها عاجزة عن فك خيوط الجريمة لحدود الان، وبينما مازال التحقيق جاريا والمتابعة متواصلة من أجل الوصول الى كامل خيوط جريمة 24 فبراير2014، هاهي جريمة أخرى مماثلة، تحدث تقريبا بنفس الطريقة، مما يجعل  امكانات الاجهزة الامنية في تعقب مثل هذه الجرائم محط تساؤل دائم.

في الجريمة الأولى فشلت الاجهزة الامنية من وضع يديها على العصابة التي استولت على 600 مليون سنتيم وروعت السكان بمشهد اطلاق الرصاص في واضحة النهار، وكل ما تم فعله بإزاء الحادث هو ان تمت احالة والي امن المدينة عبد الله بلحفيظ على التقاعد، ترى فهل ننتظر مرة أخرى اقالة والي الامن، أم ستتمكن الاجهزة الامنية من وضع يدها على عصابة “فال فلوري” وتتواصل مع الساكنة حول تفاصيل الجريمة حتى لا تبقى الاشاعة سيدة أجوبة المواطنين..

والحقيقة أن هذا السطو الهوليودي بالاسلحة النارية على ناقلات الاموال، ليس وحده من يشكل فصول الجريمة التي تكون طنجة مسرحا لها، فقد شهدت السنوات الاخيرة العديد من حوادث اطلاق النار التي غالبا ما يكون سببها تصفية حسابات بين المهربين، من جانب اخر تستفحل ظاهرة النشل باستعمال الاسلحة البيضاء، التي كثيرا ما تؤدي الى حوادث مأساوية كان اخرها مقتل شاب في في حي “كورزيانة” أمام زوجته.

أمام كل هذه الأحداث بادرت فعاليات حقوقية وسياسية وجمعوية لتنظيم وقفة احتجاجية وتنديدية بتدهور الامن بالمدينة، غير أن السلطات المحلية ظلت متمسكة بترديد اسطوانة “كل شيء على ما يرام “، بل حتى عمدة المدينة خرج في حوار صحفي ينفي حدوث انفلاتات امنية بطنجة تستدعي اجراءات احترازية، تصريحات المسؤولين والمنتخبين تشبه تصريحات وزير الاعلام العراقي الذي ظلّ يردد “الوضع تحت السيطرة” بينما العراق يحترق، و كما يقال فحبل الكذب قصير، فلم تدم تطمينات ولاية الامن كثيرا، ولم يجف بعد حوار العمدة، حتى كانت المدينة مسرحا لجريمة مروعة، اطلق فيها 20 رصاصة حية وسط الشارع العام وفي واضحة النهار.

بعيداً عن محاولة اخفاء الشمس بالغربال، ثمة تصاعد مخيف للانفلاتات الامنية بالمدينة، كما أن موقع المدينة يجعلها مسرحاً لتوافد افراد عصابات التهريب التي تنشط في منطقة الشمال، ولذلك فمن تحصيل الحاصل، ان تتكرر مثل هذه الحوادث، بيد أن استمرار السلطات في انكار ذلك، ومحاولة الهروب الى الامام، ودفن الرؤوس في الرمال، لا يمنح المواطنين أسباب الاطمئنان، فلابد من اجراءات ملموسة تجعل المواطن يحسّ ببعض الامان، ولابد من خلق اليات تواصلية مع المواطنين، عوض متابعة الصحافيين والتضييق على المواقع الالكترونية، كما حدث في جريمة السطو الاولى حينما استدعت الشرطة الزميلين حمزة المتيوي مراسل جريدة المساء والزميل أحمد اكزناي مدير موقع طنجة بريس للتحقيق معها، حول ايرادهما لخبر يتعلق بأحد المشتبهين.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.