طعم النوستالجيا: احك لي … احك

سألتني صديقي أن أخبرك عن الأحوال هنا وعن أخباري. لكنك لم تساعدني، لم تقل لي من أين سأبدأ؟

في الحديقة أرجوحة يعتليها طفل صغير. أصابع يد خفية من نسائم ربيع تدفعها. الطفل السعيد يضحك ويمرح ويحفزه: انفث، انفث مزيدا من النسائم..

أجراس الكنائس ترن من بعيد، ذكرى لأناس، كانوا لها يوما مخلصين. هديل الحمام المسلوبة غريزته في الطيران والفر يعلو. في السماء أسراب نوارس هاجرت البحر. صيحاتها المتقطعة والمبالغة في شدة حدتها، فقدت المعنى ، كل المعنى. لا هذا البر بحر ولا الموج فيه صاخب. لا شيء يعطي لصيحاتها أي معنى يذكر. لا شراع فتح قماشه ليأسر الريح ولا بحار يستنجد مرسى في اليابس.

لقد سُلبت من النوارس فطرتها كذلك . لم تعد تقتفي أثر شباك الصيد فجاءت الى الحديقة تبحث عن بقايا كسرة خبز يابس. غيرت طبيعتها ولم تفكر قط في الحرج الذي تحدثها على السمع في وشوشة صاخبة يئن تحتها هدوء هذا الربيع.

على صخرة كتب البحر بالملح: وإن تراجعت الى الخلف في جزري، فإني تركت لكم أثرا لمدي، كي لا توهموا أنفسكم أني ميت.

الملح على الصخر يلهم كاتبا ويحاول أن يستنسخ حروفه ليكتسب معنى بحث عن أثره في أزمنة مختلفة: وإن تقدمت في عمري فإني تركت لكم أحرفا من حبر جاف تروي ذكراي وعنفوان الاحلام التي تسكن جرح ذاكرتي المنثورة ندباتها بالملح.

أم الطفل تنظر من مقعد خشبي الى طفلها المترنح. لقد كبر الآن وتجاوز لعبة ذراعيها الثقيلة على صدرها. تجاوز الطفل حتى لعبة الطيران على أسفل قدميها.. لن تمتد الام من الآن فصاعدا على ظهرها وترفع للعبته أرجلها في السماء كي يتمكن هو من التحليق عاليا في رحاب سحر أحلام طفولته، على أجنحة شكلتها قدما أمه. فله من الآن النسائم، ولقدميها قدوم وربيع.

 

****

إعذرني إن أطلت عليك وسألتك عن الأخبار هناك.

ألا زالت شجرة اللوز خلف دارنا مزهرة؟ ألم تنثر صفائحها العواصف والرياح؟ كم من نحلة أطعمت هذا الربيع من زهرها؟ كم من معجب استهوته هذه السنة؟ أاثمرت؟ كيف تقاوم الشجرة تحرش الأطفال بثمرها الفج؟

وما مصير عصفور النكور ‘عكْشة’؟ أخبأ أعشاشه جيدا هذه السنة؟ ألا يزال يطارد وتقام له الأفخاخ والمصائد؟ أانفلت من خنجر طفل أراد أن يلعب معه لعبة استوردها من قارة بعيدة ويمثل فيها أدوار الرجل الأبيض والوبش الأحمر؟

أتمنى للعصفور أنه لن يجبر هذه السنة بلعب لعبة الغميضة وهو معصوب العينين بجلدة رأسه المسلوخة من مؤخرة جمجمته؟ ما طعم الماء هذه السنة في بئر العرص. أابتعد البحر عنه أم أصابته الملوحة؟ أعادت الحدائق المنفية من وسط المدينة الى مرح الأطفال في المدينة؟ والبط والإوز واللقالق القرمزية التي كانت تسكن ‘تاندا حوا’، أعادت الى السد؟ أعاد الفن الى معمار المدينة؟ ماذا يفعل الأطفال في أوقات فراغهم؟ ألا يزالون يلعون لعبة الخيل على القصب والدراجة على العجلة؟ الا يزالون يلعبون أنوال ويتدربون عى الرماية في حرب مضت، أم زج بهم في ‘كاراج’ رهينة؟ أمنحهم أباؤهم لشيخ أقبل على المدينة من قبيلة بعيدة ويريد أن يهديهم يوما ما قربانا للآلهة؟

وماذا عن الكلاب الضالة؟ الاتزال تتناوب مع السكان على السوق بعد التبضع وعلى الشوارع ما ان تسقط العتمة؟

ألا يزال ادهار أوباران يسكن أهازيج إزران عند عيون الماء؟ بين مهمة وأعمال، بين عرس وتاويزا؟

احك لي، احك… أي الأغاني لا تزال تنشد على مسامع الصغار قبل أن يستقبلوا ملاك نومهم؟ الا تزال غابة اسواني في مكانها، أعاد الجواد الى ‘بوكيدارن’؟ كيف هو الحلزون هذا الربيع. ألا يزال يجمع من النبت في النهار ليرسم للعائلة في المساء صحنا ومائدة؟ وماذا عن الشرطي الذي يقيم الحدود بين مدينة ومدينة، بين حبيب وحبيبة؟ احك لي. احك عن ظهر الأم المقوس بحزم الحطب والطفل الذي يتثاقل عليها ولا يكبر. احك ولا تتوقف …علني أستريح وأركن أخيرا لنومي في هذه مساء هذه الغربة..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.