ضد التعاقد الجائر ومن أجل تعاقد إجتماعي عادل

جمال المحدالي

يشهد تاريخنا المعاصر أن الدولة التي فرضت خياراتها على الشعب المغربي عمدت إلى تهميش التعليم منذ السنوات الأولى للإستقلال المعطوب، فسخرت امكاناتها وخبراتها لإنتاج وإعادة إنتاج التخلف. إذ عملت على طمس معالم المدرسة المغربية بالتنكر للهوية اللغوية والحضارية الأمازيغية للمغرب، ووظفت المدرسة لتعريب المجتمع وفرنسة النخب، كما أغرقت البرامج والمناهج التعليمية بمضامين تقليدية لاعقلانية، كما لو أننا ننتج المتعلمين للماضي الذي انقضى وليس للمستقبل الذي يتربص بنا. وسيتقوى هذا النزوع للإجهاز على التعليم باستهداف الحلقة المفصلية فيه:

الأستاذ(ة)، خاصة مع تنامي انخراط رجال ونساء التعليم في النضالات الشعبية من أجل التغيير والديموقراطية وحقوق الإنسان. وقد تعمق هذا المسعى مع استفحال الأزمة الإقتصادية للدولة، واضطرارها للإنصياع لتوجيهات صندوق النقد الدولي الذي يشترط على الحكومة رفع يدها عن القطاعات العمومية “غير المنتجة” مقابل الديون.


ورغم محاولات الدولة الحثيثة للإجهاز على المدرسة المغربية وضرب الوظيفة العمومية، فقد ظلت الحكومات المتعاقبة مترددة في المغامرة بتبني خيارات الليبيرالية المتوحشة، وتمرير المخططات الخطيرة المتعلقة بالإصلاح التخريبي لنظام التقاعد والوظيفة العمومية والتعليم، إلى أن ترأس حزب العدالة والتنمية الحكومة، في سياق الإتفاف على حركة 20 فبراير. حيث لعب حزب العدالة والتنمية دورا محوريا


في: فرض دستور 2011 وإفراغه من محتواه، عرقلة الإصلاحات الديموقراطية، تمرير المخططات التخريبية المؤجلة (فرض التوظيف بالتعاقد، إصلاح نظام التقاعد، ضرب مجانية التعليم والمدرسة العمرمية).


وقد حاولت حكومة بنكيران لجم الاحتجاجات في قطاعات الوظيفة العمومية بسن قانون الإقتطاع من يوم الإضراب، ولم يجد بنكيران من مبرر لشرعنة هذا القانون غير الإدعاء بأنه موجود في القرآن. وظل بنكيران يتباهى بانجازاته في محاولة يائسة منه لنيل رضى المخزن والدولة العميقة، إلا أن مساره سينتهي بالبلوكاج السياسي وتشكيل حكومة العثماني التي نافست سابقتها في الإسراع في تمرير القوانين المعاكسة لإرادة الشعب المغربي وانتظاراته، إلى جانب اتباع المقاربة القمعية في التعاطي مع الإحتجاجات الشعبية.


وحين تكون الدولة بدون رؤية استراتيجية، حين تكون الحكومة هي أشبه بحكومة تصريف الأعمال، فلا غرابة أن يتحول التخبط والإرجالية وضيق الأفق والإنصياع الأعمى للمؤسسات المالية العالمية رؤية استراتيجية.. والظاهر أنه إذا ما كانت هناك استراتيجية ما للدولة فهي استراتيجية معاكسة طموحات المغاربة وعرقلة كل مشروع مجتمعي ديموقراطي تحرري. وفِي الحقيقة، إن الدولة التي تنكرت لفكر الراحل المهدي المنجزة وحاربته يستحيل عليها أن تكون لديها رؤية استراتيجية، عدا استراتيجية التراجعات والإجهاز على حقوق الشعب المغربي وخوصصة حتى الشمس والهواء.


وتحاجج الحكومة بأن التعاقد الذي وقعه الأساتذة الذين فرض عليهم هو ملزم لهم وأن المطالبة بإلغائه هو مطلب غير قانوني، متناسية أن الأساتذة اضطروا لتوقيعه، وما هو قائم على الإكراه هو باطل لا شرعية له. علما أن ذلك التعاقد تم فرضه بعد سنة من الإضرابات البطولية للأساتذة المتدربين خلال موسم 2016، ومن المؤسف أن هذا الفوج وجد نفسه وحيدا في مواجهة مخطط حكومي جهنمي يستهدف الوظيفة العمومية وقطاع التعليم.


إن الحكومة التي فشلت في إدارة الحوار الإجتماعي تعيد إنتاج فشلها مع محتلف الحراكات الإحتجاجية، من حراك الريف إلى حراك الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد: إقفال باب الحوار، التشويش على المطالب المشروعة باسم الوطنية ومصلحة المجتمع والتلميذ، العنف، الإعتقال والمحاكمات الصورية.


ولا تخجل الحكومة من النفاق وتزييف الحقائق وتغليط الرأي العام، كما لا تحيد عن الإرتجالية والتلاعب بمصير الشعب والوطن. وحين لا تجد ما تبرر به سياستها المتهورة يخرج بنكيران من خيمة تقاعده الريعي المريح ليستغل، مرة أخرى، القرآن لتبرير الإجهاز على الحق في الإضراب وتسفيه المحتجين والتشكيك في ضميرهم المهني وطنيتهم، بتأويله تأويلا سلطويا يضعه في مواجهة كل من يقف ضد تخريب التعليم والتعاقد المفروض على الأساتذة. وهذا وجه من أوجه مخاطر تسييس الدين واستغلاله لتكريس التسلط.


إن الحكومة التي تزايد على المحتجين باسم الوطنية والمصلحة العامة ومراعاة الظرفية الإقتصادية المتأزمة لم يحدث أن قامت بمبادرة تترجم من خلالها التزامها هي بشعاراتها تلك، كأن تقدم مثلا على: التبرع ولو بيوم واحد من العمل لفائدة الفئات المحرومة، خفظ ميزانية “وزارات السيادة”، تقليص الأجور العليا، سن الضريبة على الثروة، إلغاء تقاعد الوزراء والبرلمانيين وكل مظاهر الريع السياسي… وهو ما يؤكد نفاقها ولاشعبية توجهاتها وإصرارها على إرغام الطبقات الفقيرة على أداء فاتورة الأزمة التي تسببت فيها خياراتها وسوء تدبيرها للشأن العام.


ويبقى أن السيول البشرية التي غمرت شوارع الرباط خلال مسيرة 2019/3/24، بجانب مختلف الوقفات والمسيرات الحاشدة التي ينظمها الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد إقليما وإقليميا يدعم من النقابات والقوى الحية، هي استفتاء شعبي يضع الحكومة أمام خيارين: إسقاط التعاقد وكل المخططات الهادفة إلى تخريب التعليم وضرب مجانيته أو سقوطها هي المتأخر. فالمطلوب، عاجلا، هوإسقاط التعاقد المفروض على الأساتذة والتأسيس لتعاقد إجتماعي شامل عادل وديموقراطي يقطع مع الإستبداد وثنائية الراعي والرعية و يضمن حرية وكرامة وحقوق كل المواطنين والمواطنات. وهذا وحده ما قد يخرجنا من الشلل الذي يهدد البلاد.

وبالمقابل فإن عدم الإستجابة لمطالب الأساتذة وعموم مطالب الشعب المغربي هو ما سيعصف حقا بمستقبل التلاميذ والمصالح العليا للشعب والوطن.

 

الوزارة تستدعي النقابات للحوار عشية الاضراب الوطني في قطاع التعليم

أمزازي يتشبث بالتعاقد والنقابات الخمس ترفض تأجيل الاضراب الوطني