صوتنا تاريخنا

نورالدين جرير

نالت حادثة حلق شعر فتاة جامعة مكناس حظا وافرا من الاستنكار والإدانة، كما حظيت بقدر هام من التعاطف الإنساني الطبيعي. ومنذ اللحظات الأولى لانتشار الخبر، سارع مسؤولون قاعديون سابقون، وأصوات يسارية عديدة، وهيئات وأطر حقوقية، وكثير من الفعاليات الديمقراطية، إلى تأكيد الاستنكار والإدانة، دون لف أو دوران أو تبرير. لكن إلى جانب ذلك، تعالت، مرة أخرى، أصوات مضللة، بتحريض من حقد متجذر، إلى محاولة وضع مسؤولية الفعل على عاتق اليسار عموما، في محاولة لا أخلاقية بئيسة لاستثمار التداعيات الإنسانية والوجدانية للموقف، من أجل تصفية حساب تاريخي عبر تنشيط آليات الإسقاط، والخلط، والتعميم، والتعمية، والتضليل… ولأن الأمر تعدى ما يمكن الصمت إزاءه، ارتأيت كمسؤول قاعدي سابق، وكمناضل يساري، أن أدلي برأيي في الموضوع، دفاعا عن قيم اليسار وأفقه أولا وأخيرا، بالتنصيص على:
أولا: لم يحتج القاعديون ماضيا، كما لا أعتقد أنهم في حاجة اليوم، إلى بذل جهود كبيرة لربط العداء للجامعة بقوى الاستبداد واحتكار السلطة والثروة. أو إلى إدراك أن الدفاع عن استقلالية الجامعة، سيظل يعني فضح مؤامرة اغتيال العقل من أجل تأبيد الاستغلال. أو إلى فهم أننا لسنا في حاجة إلى رفع صور الشهداء، وإلى عرض سجلات القضاء السياسي، واستعراض سجلات الأحكام بالتغييب القسري في السجون، وإلى مواكبة القمع المنهجي المستمر لكل حركة احتجاجية في الجامعة، في ظل صمت منهجي بدوره عن المسؤولين عن هذا القمع، لدفع الشكوك عن نزاهة ومصداقية وكفاحية مناضلينا ماضيا وحاضرا، بقدر حاجتنا اليوم، وربما أكثر من أي وقت مضى، إلى كتابة تاريخنا بأصواتنا، كجزء لا يتجزأ من تاريخ هذه الجامعة، على نحو يتيح للأجيال الراهنة والقادمة الوقوف على مادة توثيقية تسعف في بناء مستقبل الجامعة العقلاني على أسس متينة، كمشروع لا يمكن إلا أن يكون ديمقراطيا تقدميا يسعى إلى تحرير العقل والإنسان مما يقيد طاقاته وإرادته. وأن نكتب تاريخنا يعني، ببساطة ووضوح، أن نكون ضد صمتنا، قبل أن نكون ضد الضجيج الدعائي الدوغمائي للأداة الدعائية الإظلامية…
ثانيا: إن أوضاع الجامعة التي تزداد ترديا يوما عن يوم، وعلى كافة المستويات، تترجم على نحو صريح إرادة سياسية واعية وراسخة في إقبار أي دور تنويري أو تحرري للجامعة، كتجسيد لسياسة حجز التطور السياسي والاجتماعي ضمن نطاق الولاء والسخرة؛ وأن وهم تأبيد هذه الأوضاع، كان من الطبيعي أن يقود هذه الإرادة إلى توظيف الأدوات الإظلامية القروسطوية، في محاولة لاجتثاث أي مقاومة جامعية عقلانية لمشروع اغتيال العقل، ضمانا لاستمرارية نجاعة استراتيجية تجريد المجتمع من وسائل إدراك وتفسير عوائق تقدمه، كمقدمة تاريخية لتغيير واقعه، وامتلاك سيادته على مصيره، وبناء مستقبله.
ثالثا: في هذا السياق تم إطلاق برنامج غزو الجامعة، وتم تركيز سيرورة العنف “المقدس” عليها كعقل للمجتمع، جنبا إلى جنب مع تسريع وتيرة تخريب قيم الجامعة المعرفية والرمزية والأخلاقية، وأتيح لكل المتواطئين مع مراكز احتكار الثروة والسلطة أن ينالوا حظهم من الوليمة البدائية على شكل مناصب ومواقع مدرة للدخلين المادي والرمزي، عبر التحكم التعسفي في جانب هام وحيوي من الحياة الجامعية، يتصل بالبعد المعرفي الأكاديمي، لضمان خنق ما تبقى من أصوات فكرية ومعرفية وثقافية حرة رصينة في الجامعة المغربية، وعبر تسليع القيم والعلاقات الجامعية، وعبر رقابة رجعية تكفيرية إرهابية على حرية البحث والعقل والضمير.
رابعا: كما لم تكن مهمة الدفاع عن الجامعة كفضاء لتفتح العقل وازدهاره، بما يعنيه ذلك من كفاح من أجل التحرر السياسي والاجتماعي والثقافي، مهمة طلابية خالصة، رغم الأدوار الطليعية التي اضطلعت بها الحركة الطلابية في هذا السياق، بحكم طبيعتها وموقعها وخصوصيات المنتسبين إليها، فإنها لن تكون، بالضرورة، اليوم كذلك مسؤولية طلابية خالصة. ولأن الرهان التاريخي لليسار يرتبط عضويا بمعارك التنوير والتغيير الفكري والمعرفي، فإن أبسط ما تقتضيه منا جميعا، كيساريين تقدميين، وكديمقراطيين عموما، مواجهة الحملات الدعائية التضليلية الدورية، والعارضة، والدائمة على حد سواء، لأبواق القرون الوسطى وأولياء نعمهم من محتكري السلطة والثروة، هو فتح معركة دفاع حاسمة عن الجامعة، باعتبار أدوارها التاريخية والمستقبلية كقلب نابض وكعقل حي لمناعة وممانعة المجتمع، في سياق بلغ فيه تحالف العنف المقدس وعنف الاحتكار والتسليع، حدا يهدد وجودنا التاريخي والحضاري بالتفسخ، تحت زحف العودة الدموية للقرون الوسطى…

24/05/2016

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.