صندوق النقد الدولي (مغارة اللصوص) الذي لم يعرفه بنكيران إلا بعد أن أصبح رئيسا للحكومة

محمد المساوي

كان لافتا أن استسلم يوما عبد الاله بنكيران لعفويته الساذجة، واعترف بعظمة لسانه أنه لم يعرف صندوق النقد الدولي وكيف يشتغل إلاّ بعد أن أصبح رئيسا للحكومة، هذا التصريح لوحده فضيحة ما بعدها فضيحة، لكن للاسف اعلامنا واحزابنا ونقاباتنا لم يأبهوا بذلك، بل ترصدوا بنكيران وهو يقول لميلودة حازب “ديالي كبير على ديالك”، هذه الجملة هي من دغدغت فضولهم وراحوا يردّدونها ويقطرون الشمع عليه بسببها. بينما أصبح بنكيران زابونا وفيا لمغارة اللصوص هذه، الى درجة أن اخذه مرة فرح الاطفال وهو يحكي كيف أن كبيرة “مغارة اللصوص” كريستين لاغارد اثنت عليه أيما ثناء، كيف لا وهو يجتهد لتنزيل كل املاءات عصابة هذا الصندوق، وهو الامر الذي كانت تخاف الحكومات السابقة من الاقدام عليه بكل هذه الفجاجة والوقاحة، بينما بنكيران يعتقد عن جهل او عن خبث ماكر أن بتنزيله لكل قرارات اللصوص، سيكسب ودهم ولو على حساب جيوب الفقراء وتمدرسهم وصحتهم.
فيما يأتي تعريف مقتضب بهذا الصندوق وطريقة اشتغاله، ليتبين لماذا نطلق عليه عن جدارة واستحقاق صندوق “مصاصي دماء الفقراء”، لنتابع ونكتشف بأنفسنا:

نشأة الصندوق

في عام 1944 وعلى مقربة من انتهاء الحرب العالمية الثانية، انعقد مؤتمر في بريتون وودز بالولايات المتحدة بحضور ممثلي 45 دولة لا هدف لهم سوى تفادي تكرار الأزمة الاقتصادية في الثلاثينات وما تبعها من حرب ودمار.

ويجدر الإشارة إلى شخصين هامين ممن صاغوا اتفاق بريتون وودز؛ وهما هاري ديكستر وايت وجون ماينارد كينز. فالأول يمثل الولايات المتحدة كأكبر المانحين المؤسسين للصندوق، والآخر هو الاقتصادي البريطاني صاحب النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود والقيادة الفكرية لمؤتمر تأسيس صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والذي ألقت أطروحاته النظرية بظلالها على المبادئ المؤسسة للصندوق من حيث تدخل الحكومات الأعضاء ومن ورائها الصندوق في تحديد أسعار الصرف ومعدلات الفائدة.

بدأ صندوق النقد الدولي عمله رسميًا في ديسمبر 1945، لتتوسع عضويته في الخمسينات والستينات، ثم ليصطدم بأزمتين في السبعينات: الأولى هي أزمة تزايد الإنفاق العسكري الأمريكي على حرب فيتنام، مما اضطر إدارة الرئيس نيكسون إلى تغيير السياسة المالية الخاصة بصرف الذهب مقابل الدولار، فيما عُرف باسم “صدمة نيكسون”. أما الأزمة الثانية فهي ارتفاع أسعار البترول عام 1973؛ لتتحلل سياسات بريتون وودز نهائيًا وليبدأ برنامج التقويم الهيكلي وشروطه في ثمانينات ريجان وثاتشر، وثالثهما ميلتون فريدمان، أولئك الباحثين عن اليد الخفية لآدم سميث في أقوات الشعوب.

التقويم الهيكلي
لا يُذكر صندوق النقد الدولي إلا ويُذكر معه برنامج التثبيت الاقتصادي والتقويم الهيكلي. وفيما يتداول الكثيرون تعريفات وشروح مختلفة للبرنامج؛ إلا أن ما يؤكد عليه هذا المقال هو الطابع الأيديولوجي النيوليرالي للتثبيت  الاقتصادي والتقويم الهيكلي والذي يحد من دور الحكومات، أيًا كانت طرق وصولها للحكم، في الشأن الاقتصادي لبلادها وبالتالي يدفعها إلى المزيد من الخضوع لماكينة الاستغلال الرأسمالية العالمية أو فيما يعرف بالانخراط في السوق العالمي.

يختص التثبيت الاقتصادي باستعادة توازن الاقتصاد وسد عجز الموازنة من خلال إجراءات تخفيض الإنفاق الحكومي وتقليص أجور العاملين بالقطاع العام وتخفيض قيمة العملة؛ وذلك لرأب الصدع على الطريقة النيوليبرالية على المدى القصير.

أما على المدى الطويل؛ فيأتي التقويم الهيكلي حاملًا على عاتقه مهمة تحقيق النمو الاقتصادي من خلال تحرير الاقتصاد وإصلاح النظام الضريبي، وقبل كل شيء الخصخصة بالطبع. ولا يحتاج أيٌ من الإجراءات سابقة الذكر لطول تفكير لبيان أي طبقة يتدخل صندوق النقد لحماية مصالحها، بل ويمكن لهذا المقال السردي أن يقفز سريعًا لاستنتاج أن رصاصات ودبابات الإمبريالية لم تغب يومًا عن الدول النامية؛ إنما فقط قد حلت مكانها بنود اتفاقات صندوق النقد الدولي.

انتقادات موجهة للصندوق
تكثر أوراق البحث ومقالات الرأي التي تتناول صندوق النقد بالنقد، غير أن أغلب تلك الانتقادات يدخل ضمن إطار الإبقاء على الصندوق وعمله كعقل اقتصادي رشيد ينظر للأزمة من الخارج، مقدمًا ما يلزم من دعم ومشورة. وهذا مفهوم في ضوء الطيف المتعدد من المدراس الاقتصادية والتي يؤمن أغلبها بإمكانية إصلاح الرأسمالية ومن ثم إصلاح الصندوق.

باختصار يمكننا تقسيم الانتقادات الموجهة لصندوق النقد الدولي إلى أربعة انتقادات رئيسية: أولًا، أن الصندوق يزيد الفقر ويعمق الأزمة. إذ يشترط تخفيض الإنفاق الحكومي والأجور فتتهاوى الخدمات العامة وتقل نسبة الزيادة السنوية للدخل مقابل الأسعار وتحرم الشعوب من مواردها. وثانيًا، أن الصندوق يخدم الأغنياء فقط، حيث أن كل ما تفقد الطبقة العاملة من حقوق يصب في مصلحة الرأسماليين، بل أن اتخاذ القرار داخل إدارة الصندوق يقع تحت سيطرة الدول الكبرى المانحة؛ فالولايات المتحدة تمتلك حصة تصويتية تفوق 15%. وثالثًا، أن الصندوق لا يحاسبه أحد. ويؤكد على ذلك إخفاقات الصندوق المتوالية والتي لم توقف عمله ولو حتى للتعديل. رابعًا، أن تدخل الصندوق يدمر البيئة. حيث تتضمن برامج النمو الاقتصادي إزالة للغابات وتوسعًا في صناعات مضرة بالبيئة واستنزافًا للموارد بشكل غير صحيح علميًا.

هؤلاء اقترضوا
يهدف هذا الجزء من المقال إلى إلقاء الضوء سريعًا وبشكل مباشر على ما خلفته شروط صندوق النقد الدولي، أو البنك الدولي، من آثار في مجالات مختلفة.

بالنسبة للغذا؛ وطبقًا لكتاب “دليل دراسات التنمية” لكاتبيه فاندانا ديساي أستاذة جغرافيا الإنسان بجامعة لندن، وروبرت بوتر أستاذ الجغرافيا وعلوم البيئة بجامعة ريدنج، فإن شروط صندوق النقد الدولي قد أرغمت حكومة زيمبابوي على تصدير محصول الذرة في موسمه الأوفر عامي 1991-1992 لتحقيق عوائد لسد عجز الموازنة وخدمة الدين مما هدد الأمان الغذائي. وفي العامين التاليين ومع ندرة الأمطار، عادت الحكومة لتستورد المحصول نفسه بسعر أعلى ليتحمل المواطنون التكلفة وليس الصندوق. ذلك فضلًا عن سوء استهلاك الأرض الزراعية في دورات متتالية ومتسارعة من الإنتاج وقطع الغابات بهدف تحقيق فائض للتصدير.

أما عن الزراعة؛ فإن تجربة مالاوي مع البنك الدولي أفضت إلى خصخصة شركة التسويق والتنمية الزراعية؛ مما حرم صغار المزارعين من الخدمات التي تقدمها الشركة وما توفره من مدخلات الإنتاج ليعاني 34% من السكان من خطر نقص الغذاء.

وبشكل مشابه في إندونيسيا؛ حيث أدت تجربة مماثلة مع صندوق النقد الدولي إلى تخلي المزارعين عن زراعة الأرز لارتفاع تكلفة إنتاجه مقابل سعر بيعه. في الوقت الذي ارتفعت فيه واردات إندونيسيا من الأرز الكندي والأمريكي.

أما عن التعليم؛ ففي دراسة لمنظمة “تعليم دولي” بعنوان “أثر سياسات صندوق النقد الدولي على ميزانيات التعليم والمعلمين”، فإن جامايكا “المقترضة” في عام 2010/2011 سجلت زيادة سنوية في أجر المعلم تساوي 2.3% في مقابل نسبة تضخم تجاوزت 11% بخلاف تأخر الحكومة في دفع هذه الأجور.

بالنسبة لجودة التعليم في أوغندا “المقترضة” أيضًا، فإن المصدر نفسه يشير إلى أن ثلث الطلاب المسجلين بمراحل التعليم الأساسي يستكملون دراستهم فيما يترك الثلثين الباقيين التعليم نتيجة الأوضاع المعيشية المتردية، وذلك في الأعوام من 2003 حتى 2009. وفي دراسة ميدانية لإحدى منظمات المجتمع المدني بأوغندا، وُجد أن أربعة من كل خمسة تلاميذ يمكنهم حل مسألة حسابية بسيطة، والأمر نفسه بالنسبة للقراءة، وذلك في عينة بحثية قوامها يزيد عن 30 ألف تلميذًا.

يأتي ذلك إلى جانب آثار سلبية أخرى في مجالات الصحة وسوء التغذية والتمييز ضد المرأة. فالأضرار المباشرة التي تصيب أي بلد تطأه أقدام بعثة صندوق النقد الدولي أكثر من أن تحصى.

جوهر الصندوق
حاولت الفقرات السابقة أن ترسم صورة مختصرة لصندوق النقد الدولي والدور الذي تمارسه هذه المؤسسة وآثاره. إلا أن هذه المؤسسة، التي بدأت كينزية اسمًا وإمبريالية طابعًا، لا يمكن النظر لممارساتها وبرامجها إلا بالأخذ في الاعتبار عاملين هامين؛ أولهما تركيز وتمركز رأس المال وثانيهما ميل معدل الربح للانخفاض (وإن كان الثاني سببًا للأول ولكن ليس ذلك معرض مناقشته).

وصف ماركس الطبقة الرأسمالية بأنها “عصابة من الإخوة الأعداء” تجمعم رغبة مشتركة في استغلال الطبقة العاملة وفي الوقت نفسه يسعى كل منهم للتغلب على الآخر بالاقتطاع من أرباحه. وأثناء هذه المنافسة على حيازة حصة أكبر من الأرباح، يميل عدد الرأسماليين (الشركات المتنافسة) إلى التناقص، حتى تقع صناعات بأكملها تحت سيطرة عدد قليل من الشركات الكبرى. فإذا ما أفلست إحدى تلك الشركات الكبرى، توالت الخسائر. فالبنوك التي أقرضت تلك الشركة تتأثر، والشركات التي استهدفت بيع إنتاجها من خامات وماكينات لهذه الشركة تتأثر هي الأخرى، فيحدث ما يسميه المفكر والاقتصادي الاشتراكي الثوري البريطاني كريس هارمان “ثقب اقتصادي أسود” يبتلع الرابح والخاسر على حد سواء. هذا بالنسبة للاحتكار من جانب.

سعت الرأسمالية لتفادي الأزمة سابقة الذكر؛ فاتجهت إلى أسواق جديدة خارج خدود الدول الكبرى في مرحلة تاريخية من التوسع الإمبريالي تحمس لها رجال المال والصناعة لما تحلمه من مواد خام وعمالة أرخص. وفي هذا السياق ظهرت الدبلوماسية الدولية وأنشئ صندوق النقد الدولي محل النقاش. فالصندوق حتى اليوم يلعب دورًا هامًا في عقد اتفاقات تحمي مصالح الدائنين (الدول الكبرى) وتجر أقدام المدينين (الدول النامية) للخضوع والانخراط في سوق عالمي حر.

إن كان كل من تركز وتمركز رأس المال من جانب، وما يتبعهما بالضرورة من توسع النفوذ الاقتصادي عسكريًا أو دبلوماسيًا من جانب آخر، قد نجحا في تخفيف الأزمة خلال بعض الفترات، فإن الأزمة في كل مرة قد دارت دورتها لتعود بشكل أعمق وهذا يفسره العامل الثاني الأكثر حسمًا بالنسبة للرأسمالية، ألا وهو ميل معدل الربح للانخفاض.

إن ميل معدل الربح للانخفاض هو مرض الرأسمالية المزمن وجوهرها الاقتصادي التالف ومكمن كل أزمة فيها. فإن تلك النسبة الآخذة في التناقص، بين فائض القيمة التي يخلقها العامل ولا يتقاضى عنها أجرًا إلى إجمالي ما يستثمره الرأسمالي، تفسر الأزمة بوضوح.

تلخص أستاذة الاقتصاد الإنجليزية جين هاردي، في مقالها بدورية “الاشتراكية الأممية” مفهومًا لميل معدل الربح للانخفاض على النحو التالي:
“يحاول كل رأسمالي أن يزيد من تنافسيته من خلال زيادة إنتاجية العمال. والسبيل لفعل ذلك هو زيادة الاستثمار في وسائل الإنتاج (الآلات والحواسب). وهذا التوسع في نسبة الاستثمار إلى قوة العمل ينعكس على قيمة وسائل الإنتاج المتصاعدة بالمقارنة مع الأجور. وإذا نمى الاستثمار أسرع من قوة العمل فلابد وأنه ينمو أسرع من خلق قيمة جديدة والتي ينتج عنها الربح. ويؤدي ذلك بالتالي إلى الضغط على معدل الأرباح نحو الانخفاض، ويؤثر ذلك على الطبقة الرأسمالية إجمالًا”.7

من هنا فإن أزمة النظام الرأسمالي لا تنتهي، وبالتالي فإن محاولات علاج الأزمة دائمًا ما تبوء بالفشل. وهذا يفسر أزمات الدول المانحة الأعضاء بصندوق النقد الدولي في الثمانينات وأزمة عام 2008، ومن قبلهم أزمة الثلاثينات الباعثة على تأسيس الصندوق أول الأمر. إن صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي مثله، يستهدف معالجة ميل معدل الربح للانخفاض بجذب الدول النامية أكثر نحو مركز الدوامة نفسها لتزداد الأزمة عمقًا.

إن كل تحليل يتناول مسألة قرض الصندوق من زاوية التحليل المالي أو انتقاد الإجراء والسياسات هو تحليل في غاية الأهمية، لكن لا يفوتنا إلقاء الضوء على جوهر الأزمة ومعضلة حلها.

هل صندوق “مصاصي الدماء” قدر لا مفر منه؟

الاعتراض الذي قد يطرحه كثيرون سيقول: الوضع الاقتصادي للمغرب ليس نتيجة اليوم، وحكومة بنكيران لا حيلة  لها امام هذا الوضع، الشق الاول من هذا الاعتراض صحيح الى حد ما، فأزمة الديون المستحقة على المغرب ليست وليدة اليوم، بل نتيجة عقود من النهب ومن السياسات الاقتصادية العرجاء وسنوات من تهريب الثروة الوطنية الى بنوك سويسرا وبانما وبنكيران قام بمفاقمتها فقط، بيد أن الشق الثاني من الاعتراض غير دقيق بالمرة، ليس الحل الوحيد المتاح هو الانبطاح التام امام جشع مصاصي الدماء. صحيح، من الطوباوية أن نطالب بنكيران بالقطع النهائي مع سياسة مغارة اللصوص، فهو اصلا من ناحية الانتماء السياسي والاقتصادي هو ابن هذه السياسة، وحزبه حزب ليبرالي يميني حتى النخاع، لكن مع ذلك يمكن وقف النزيف، ويمكن البحث عن حلول لا تنعكس مباشرة على جيوب الفقراء، كان يمكن ان لا يتم الخضوع التام لاملاءات الصندوق، وكان يمكن التحجج لدى عصابات مصاصي الدماء ان الشعب المغربي غير قادر في هذه اللحظة على تحمل اعادة جدولة هذه الديون، وتحلل الدولة في ضربة واحدة من التزاماتها الاجتماعية في الصحة والتعليم وصندوق المقاصة، وتقدم دول امريكا اللاتينية نموذجا ناجحا في القدرة على مقاومة املاءات صندوق النقد الدولي، ونجحت بذلك في تحقيق نمو مهم، وانتشال بلدانها من الفقر المدقع والتدمير الوحشي للخدمات العمومية… لكن يبدو أن بنكيران لا يعرف إلا ترديد:” نعم سيدتي غريستين لاغارد”…
هذه السياسة ستؤدي بنا لا محالة في القريب الى تضخم الفقر وتدهور الخدمات الاجتماعية ومن ثمة تدمير الوطن والمؤسسات وكل شيء، كل شيء.. اذا لم تنقذ هذا البلد ثورة الجياع التي قد تهب في أية لحظة.

التعريف بصندوق النقد الدولي مأخوذ بتصرف من موقع “الاشتراكي” المصري

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.