صمد عياش يكتب : إكرام ”الأفارقة” تشريدهم

ألم يحن الوقت لمواجهة المشاكل المتعلقة بأفارقة جنوب الصحراء بنوع من الحكمة المتّكئة على احترام حقوق الإنسان؟  ألم تستطع الدولة خلال كل هذه الفترة ابتكار أليات متحضرة؟ ألم تستثمر  السلطة جزءًا من تلك الملايين التي تُمنح لها من طرف الجارة الشمالية والاتحاد  الأوربي لمعالجة هذا الموضوع ؟

كنت الأسبوع الماضي رفقة زميل صحفي في طنجة وبالتحديد في ”حي بوخالف”، نتجول ونتحدث عن موضوع السكن، كانت الأمور عادية وهادئة، هدوء العاصفة الهوجاء، تعايش رهيب في المقهى والسوق، عند بائع السجارة..، لم أكن  لأتوقع أن االعاصفة قد تضرب بعد يوم أو يومين.

منذ أن أصبحت مدن الشمال تستقطب المئات من الأفارقة الحالمين بالعبور، تتكرر نفس السيناريوهات ويعاد إنتاج نفس المقاربات بنفس الأسلوب وبنفس الارتجال والسطحية والانية، كثيرا ما تغيب فيها العقلانية الاستراتيجية، وتغيب فيها أيضا القدرة على  قراءة أرقام و نتائج  فوضى قرارات معزولة. تلك القرارات الناتجة عن عقلية لا تحير في استعمال القوّة، تكون عاجزة  على حلّ ما تعتبره السلطة معضلة ”الأفارقة العابرين”.

طبعا في القانون، قد لا يحق لشخص الارتماء على سكن الغير، وقد يصحّ بل ويحقّ “لأصحاب المنازل” رفع شكايات ضد من احتلوا مساكنهم من الأفارقة، والالتجاء إلى أقرب مقاطعة لإنصافهم. لكن ألم تفكر السلطة  فيما يتعلق بالأفارقة  الذين تعرّضوا للاحتيال والنصب من طرف سماسرة العقار، مغاربة أشباح قدموا أنفسهم كملاكين، ومن الأفارقة من ظل يؤدي واجبه كرائه الشهري “لسمسار” اختفى بعد ذلك للبحث عن ضحية جديدة. وهناك أيضا فئة أخرى من الأفارقة  تكتري هذه المنازل من أصحابها الفعلين دون وثائق رسمية، وهي فئة كثيرة لأن الاحتلال لم يكن دائما هو القاعدة بل الاستثناء، لكن السلطة تعاملت بشمولية مع ملف الإفراغ دون الانتباه إلى هذه التفاصيل الصغيرة.

إن إفراغ القلة ممن احتلوا مساكن الغير قد يعتبرها الكثيرون مقاربة صحيحة من الناحية القانونية، نعم، ومن حق المالكين المطالبة بمنازلهم،  لكن التساؤل المطروح : هل تكفينا المقاربة القانونية الصرفة لإفراغ الجميع؟ هل نجحت كل الإجراءات القانونية التي أُعملت في مثل هذه الملفات منذ بداية التسعينيات إلى اليوم،  هل تستطيع ”القوات العمومية”  المتدخلة، حل إشكالات اجتماعية واقتصادية معقدة تتخبط فيها هذه الفئة؟ فداخل هذه المجموعات الإفريقية توجد أسر، وعلاقات تتفاعل مع محيطها الاجتماعي والاقتصادي والسيكوسوسيولوجي لن تستطيع المقاربة القانونية والأمنية احتواءها.

 المقاربة القانونية الصرفة لا يمكن إلا أن تساهم في تراكم المزيد من الكوارث الإنسانية المخيفة،  ماذا ننتظر من مقاربة قانونية قوامها الإلقاء  بهؤلاء المساكين في شوارع مدن أخرى، ما الذي ينتظرهم؟ عشرات الأسر والأطفال ستفترش الشارع طيلة هذه المدة، دون أن نحكي ما سيترتب عن ذلك.

إفراغ ”بوياعمر” كان حلا مؤقتا لأن النزلاء أحيلوا مباشرة على مستشفيات مخّتصة ولم يتم الإلقاء بهم في ”شوارع المملكة” كما الأفارقة، لكن المستشفيات العقلية العمومية بالمغرب لا تتعدى أن تكون ”بوياعمر” حكومي كبير تنعدم فيه الشروط العلاجية، لذلك لا فرق، ولا بديل، فلو كانت لدينا مرفقات صحية نفسية مؤهلة  لما استعان هؤلاء  المضطربون بولي عاجز ..

نعلم جيدا أن ”سكن الغير” تمت فيه  سمسرة كبيرة بواسطة شركات عقارية غالبا ما تكون تابعة للدولة، أو قريبة منها بطريقة من الطرق، ونحن نعلم حجم الجرائم التي ترتكب في قضية السكن بالمغرب، عشرات الألاف من الشقق الفارغة والمفروشة والعقارات المقفولة تملكها شركات معروفة، يجني من خلالها ألهة العقار ملايير الدراهم، مقابل الألاف من المواطنين المشرّدين  لا سكن لهم، ولا مأوى، أو على الأكثر يملكون منازل صفيحية تنعدم فيه أدنى شروط الحياة، رغم أنهم يحبون الحياة إذا ما استطاعوا إليها سبيلا.

تعليق 1
  1. حمامة يقول

    اغضب لما اقرأ مقالا يتعاطف مع المعتدين …فعوض التصفيق وتأييد التدخل الذي قامت به السلطة القاضي باجبارهم على افراغ شقق مستحوذ عليها بالقوة….وبعيدا عن كل الهطقات الانسانية الاعتقاد…فتجمعهم وتركزهم في حي واحد بتلك الكثافة والعدد امر يدعو الى توجس الخطورة …فكل شيء خطير محتمل وقوعه…..لو انهم سكنوا متفرقين لما تجرؤوا على احتلال الشقق…والمشكل الخطير انهم منظمين لهم قيادة تتزعمهم وتخطط بشكل اجرامي من تجميع للاموال بطرق غير مشروعة وغير قاونية كتجارة النصب والاحتيال والاتجار في المخدرات الصلبة وفتح اوكار الدعارة والفساد وامتهان التسول عبر توزيع لمناطق النفوذ…خلاصة القول نحن امام مافيات حقيقية اذاقت سكان حي العرفان مرارة العيش بجوارهم …ورغم انه تم ترحيل معظمهم الا ان غياب حراس للعمارات وتنظيم نقابات السكان سيسهل عليهم العودة من جديد والتغول في المنطقة ومحاولة استقطاب المزيد اليهم للسيطرة على المنطقة بكاملها..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.