صقور المخزن وحمائمه: أجنحة التوازن.

رغم كل العواصف والتقلبات، التي تواترت في الزمن السياسي والاجتماعي المغربي، استطاع المخزن أن يضمن توازنه ويؤمن استمراره في الزمن ،كما توفق هذا “الكائن”، المادي واللامرئي في الآن نفسه، من التغير والتطور بما يحافظ على جوهره الثابت!

في اللحظات التي استشعر فيها المخزن الخطر لم يتوان في طلب الحماية الأجنبية، وعندما أدرك أن بقاءه مرهون بمعانقة التطلعات التحررية للشعب المغربي ظهر كملهم للمقاومة والاستقلال!

يمارس المخزن الفعل ونقيضه في سبيل الحفاظ على ذاته المتهالكة.

لكن، كيف يضمن المخزن المغربي توازناته  من خلال حراسة التقليد والمحافظة من جهة،  ورعاية “الحداثة” من جهة ثانية؟ وكيف يتعايش بهدوء القديم/ المحافظ والجديد/ الحديث في عش المخزن دون الدخول في الصراع الطبيعي بينهما المؤدي إلى استنفاذ صلاحية القديم وإحلال محله الحديث المستجيب لشروط التاريخ؟

من المهم، بداية، الإشارة إلى أن “أطروحة” صقور المخزن وحمائمه هي من إنتاج أحمد حرزني،  الذي تقلد لاحقا عدة مسؤوليات في “البيت” المخزني، في سياق صياغة الشرعية/ التأصيل النظري تمهيدا لانتقاله من موروث “لنخدم الشعب” إلى  الفعل في”لنخدم المخزن”.

تبدو دعوة حرزني، في سياق ترتيب صناعة حزب الدولة، كما مثلتها تجربة مصرنة أو تونسة العمل السياسي قبل وأدها في حراك 2011، الذي يضطلع  – الحزب- بوظيفة التبشير الإيديولوجي والسياسي للدولة القائمة، واستقطاب النخب التائهة أو التي لا “ضمير” لها في معانقة الاستبداد بناء على مقولات قائمة على راهنية دعم حمائم المخزن، وبالتالي تحجيم قوى المحافظة والتقليد في الدولة كما في المجتمع! انتهت هذه المقولات الزائفة في ربيع الشعوب المغاربية والعربية في فبراير 2011.

وعلى الرغم من مأساوية مآل النخب اليتيمة، التي تقمصت دور المرافعة عن النظام، يبدو من المهم الانتباه إلى التخريجات الجديدة التي قد تتخذها تلك الأطروحة المجهضة من خلال تغيير أوصافها أو أسمائها من اسماء الطيور والجوارح  إلى الضمائر المستترة؛ كما هو الحال بالنسبة للعريس التائه/ الضمير الغائب!

تنطلق، عموما، الأطروحة المشار إليها من التأكيد على الطبيعة المركبة للمجتمع المغربي، الذي تتعايش فيه، بتعبير الراحل بول باسكون، ” نماذج عدة من التنظيمات الاجتماعية…مظاهر جزئية من مجتمعات محددة تتعايش أحيانا في نفس اللحظة ونفس المكان… يبدو أن هناك دمجا للمجتمعات التاريخية المتعاقبة”.

 وبالنتيجة، فإن طبيعة المجتمع المغربي المركبة/ المزيجة تجد ترجمتها السياسية والإيديولوجية في مضمون وبنية المخزن، الذي يرعى التناقضات الاجتماعية ورهاناتها السياسية والفكرية.

فالمخزن، ذلك “الكائن” الذي  استطاع الثبات من الماضي إلى الحاضر، هو الحارس الأمين للمرجعيات المحافظة/ الأصالة/ التقليد، من خلال رعايته الدقيقة للحركات الدينية بمختلف اتجاهاتها السياسية والفقهاوية والصوفية؛ التي تتقاطع أدورها مع وظيفة إمارة المؤمنين. تبدو إمارة المؤمنين، في هذه الحالة، الحاضن للتنظيمات والمؤسسات الضامنة للشرعية الدينية، والمستفيدة من حركية التيارات والحركات، التي تغترف من المرجعية نفسها، بما يعزز الشرعية المشار إليها.

إلى جانب ذلك، فالمحزن، أيضا، هو الحامي للحداثة القائمة، فقط، على مضامين وشعارات الحريات الفردية المهددة من طرف معسكر التقليد والمحافظة؛ التي يحضنها المخزن ذاته!

إن مكاسب الحريات المحققة، وتحديدا الحريات الفردية، هي أساسا محصلة لقناعة رئيس الدولة وانتصاره القوي لهذه القيم الإنسانية في ظل اختلال موازين القوى الاجتماعية والسياسية لغير فائدة قوى الحداثة، كما يردد أصحاب هذا الاتجاه الحداثي- المخزني.

فالديمقراطية، وفقا لهذا التعريف دائما، هي سيرورة تدريجية تراكم المكاسب اعتمادا على فاعلية التحالف التاريخي بين القوى الديمقراطية في الدولة (= الحمائم) والفعاليات الديمقراطية في المجتمع (= الحداثة لايت).

لا تتورع هذه النخب، المتربعة على عرش الإعلام ومواقع التفكير والتحليل، في الهجوم على “المتطرفين” من دعاة الديمقراطية والحداثة! خوفا من تمييع صراعها مع نقيضها الأساسي: قوى المحافظة والتقليد في المجتمع والدولة!

كما لا تتورع هذه النخب، أيضا، في التنظير لديمقراطية جديدة منفلتة عن القيم السياسية التي تجعل الشعب مصدر السلطات، كما تعبر عنها صناديق الاقتراع، بدعوى أن ميزان القوى الحالي لا ينتج إلا القوى المعادية للديمقراطية والحداثة! كما أن الحمائم لا تتواني في تحفيز المخزن للتنكيل بالقوى الحاملة لمشروع الحداثة والديمقراطية حتى تظهر بصفة الممثل الوحيد والشرعي لهذا المعسكر.

انطلاقا، إذن، من  صراع الجناحين، جناح المحافظة وجناح “الحداثة”، يضمن المخزن توازنه، ويؤمن استمراره في السياسة كما في المجتمع والاقتصاد والثقافة.

إن الغاية الوحيدة للمخزن هو ضمان استمراره وبقائه، فلم يستطع، رغم تبنيه القسري للتنظيمات الحديثة بعد سنة 1912، إدخال الوطن ككينونة معبرة عن الأمة المغربية؛ عندما لم يتردد في استدعاء الحماية الأجنبية، في السنة المذكورة، لتأجيل احتضاره.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.