صرختها التي شقت كبد السماء…

هل سمعت صوتها يشق كبد سماء مدينة سلا؟ نحيبها وعويلها وهي تذرع شوارع حي تابريكت ذهابا وايابا، تبحث عن عدل لم يوجد كي يضيع؟ اسمها سيكون فاطمة، أو رقية أو محجوبة، يشبه اسماء كل النساء اللوتي ينحدرن من فقرها وتربتها، صادفتها ظروف العيش في هذا البلد أن اختلفت مع مواطنة تشبهها مع اختلاف بسيط للغاية، أن هذه الاخيرة، أي المواطنة هي زوجة مسؤول في السلطة، لم يتوان في ترك وظيفته ومصالح المواطنين ليلتحق بموقع الخصومة وينهال عليها ضربا وشتما انتصارا لزوجته التي لا تنحذر من ذات الفقر ولا ذات التربة….

هي الآن تجوب الشوارع ليلا وهي تعوي حرقة الاعتداء والظلم، لكنها أيضا تندب حظ البلد الذي لم يستطع أن يحميها من بطش حماته أصلا… تندب كل التاريخ الذي ظفر جدائله بالدم والسجن والاختفاء كي يهبها قمعا آخر مغلف بالمفهوم الجديد للسلطة والمغرب الديمقراطي الحداثي والبرامج التنموية والاموال الطائلة التي استنزفتها كل اللقاءات وكل التجمعات وكل التكوينات ليتخرج منها رجل سلطة يكيل لها من الشتائم والسب ما لا يتحمله كبريائها ويكيل لها أيضا من الصفع والركل ما ينوء تحت قوته جسدها الواهن أصلا من الفقر ومن الاشتغال ومن المذلة وهي تجمع أزبال سوق لم تستطع الدولة لا تنظيمه ولا جمع ازباله….

هل كان ضروريا أن يقع هذا؟ الاجابة بالنفي سبة في سيرورة التاريخ، والاجابة بالايجاب ركلة في غيبوبتنا التي ألفت الوهم منذ ما يزيد عن العقدين، كوننا على حافة الانتقال من دولة العبيد إلى دولة عبيد أقل، وأن هناك حول البلد من يتربص بمسلسلنا الديمقراطي ويحسدنا على المنحى الصاروخي الذي تسير فيه المفاهيم في هذا البلد: ديمقراطيتنا فريدة، وحقوقنا مصانة، وفقرنا غائب وذلنا يتأبط ذراع الكرامة الهاربة من قواميسنا نحو رحابة الليل …. هو الليل الذي شُق كبده، وهذه المرأة التي تشبهنا تصرخ في كبده: أيتها السماء لماذا قذفتني في بلاد النخاسة هذه؟ نردد معها وبدون أن نتحسس آثار الضرب على مؤخراتنا: أيتها السماء، لما البلد بهذا السواد؟ كيف نصالح هذا الغضب مع ما بقي من حلم ذليل في مخيلتنا؟ هل سنطلب منها أن تكون حليمة بسمعة الدولة؟ وتشرب حليب ذلها كي يعيش الوطن؟ أم يجب معاقبتها لأنها صرخت شكواها في وجه الليل، فأيقظت العصافير التي تمارس هواية التزحلق على الماء نهارا، وتنام في وهم الدولة الوطنية الديمقراطية الكبيرة؟ هل يكفي وضع المعاقل على معصم ممثل الدولة الذي قام بالاعتداء، أم يجب محاكمة كل هذه العقلية التي أنتجته، بدءاً من الخطب التي تكتب للتلفزة وللأمين العام للأمم المتحدة وللرئيس أوباما مرورا بالتعليمات السرية التي تحض على الحزم المفرط صونا لهيبة الدولة دون ترك الاثر الجسدي، وصولا إلى ما يفهمه هؤلاء المجندين البلداء وهم يرددون أن المخزن هو المخزن، لا فرق بين عهد الحسن الثاني ومحمد السادس، وأن المغاربة منذ القدم كانوا يساسون بالعصا وبالقمع؟؟؟

هي لا تزال تجول في شوارع تابريكت بسلا، تصيح بوجه الظلمة عن سبب افراد نسختها السوداء في علاقاتنا بالذين يحكموننا…. ولا زال رجل السلطة منتشيا بانتصاره لزوجته في معركة كانت ستكون عادية وغير ذات معنى…. لعله يعوض خساراته في سريرها، تلك عقدة الطغاة…. وتلك هزيمة الجبناء….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.