“صراع الأجيال” وسوء الفهم الكبير (2)

لعل تجربة ماي 68 شكلت أبرز حدث سياسي وثقافي عرفه التاريخ المعاصر بلغ فيه “صراع الأجيال”ذروته، فقد كان الشباب الذين قادوا التجربة يوجهون كل سهامهم نحو صدور الأباء، بدءًا من الاحزاب الشيوعية المتهمة بالترهل والخضوع لمنطق الرأسمال ما بعد الحربين، وانتهاءً بالجامعة والأساتذة التقليديين والمقررات الدراسية البالية…

حتى خطاب شباب ماي 68 كان يحمل تأففاً واضحاً من سلطة الأباء، يقول كوهين بانديت أحد زعماء حركة ماي 68 :” إن الحركة التي حدثت في ماي 1968 كانت حركة عالمية، و عملية تحديث للمجتمع يقودها جيل ما بعد الحرب. فهذا الجيل رأى أن الذين عاشوا الحرب لديهم رؤية منغلقة بالكامل بالنسبة للعالم و المجتمع و الأخلاق، منغلقة لدرجة العجز عن طرح المستقبل، و لهذا السبب الوحيد حدث الانفجار… كنا نقول في ماي 1968 إن المستقبل ملك لنا فنحن أفضل بكثير من الجيل السابق، و ما يزعجنا هو عدم فهمه لأي شيء… كنا نقول اتركونا نقوم بعمل الأشياء، اتركونا نصغها، و سيكون ذلك أفضل و بالطبع في إطار هذه الطريقة لرؤية الأشياء لم يكن المستقبل يخيفنا”..

خلفت الحركة رجة قوية لم تأت تداعياتها على المجال السياسي فقط، بل أناخت بثقلها أيضا على المجال الثقافي الفكري والفلسفي، فاختار بعض المفكرين الاصطفاف الى جانب الشباب والدفاع عن طروحاتهم كما فعل: سارتر وفوكو وجيل دولوز ..وغيرهم، بينما هناك من نظر الى الحركة بعين الريبة والشك، وانبرى لمهاجمتها والسخرية منها، كما فعل الانتربولوجي المعروف ليفي ستراوس  وآرون ريمون الذي اعتبر الحركة دراما اجتماعية بشعة.

في تجربة الحراك الشعبي بالمغرب، نلمس بعض القواسم المشتركة مع حركة ماي 68، طبعا مع استحضار اختلاف السياق وأيضا حتى آليات الاشتغال والشعارات المطروحة، لكننا لن نعدم العديد من نقط التشابه، فكلتا التجربتان استندتا الى مفهوم الحركة وليس الحزب ولا الجبهة ولا التحالف…، ايضا في التجربتين شكل الشباب العمودي الفقري لهما…

بيد أن تجربة الحراك المغربي لم تشهد تصادماً حاداً بين الجيلين، بل، كما قلنا في المقال الأول، عرف الحراك في بدايته نوعا من التعايش والقبول بالأدوار المفترضة، لكن سرعان ما بدأ هذا التعايش يخفت شيئا فشيئاً، إلى أن همد الحراك، فاستُنفذ هذا التعايش، وأينعت السهام الموجه إلى هذا وذاك لتحميله مسؤولية مآل الحراك وعدم نجاحه في فرض مطالبه.

هذا “الصراع” الذي كان هادئاً وخافتاً في البداية، صارت له من بعد تبعات في الواقع السياسي والفكري والثقافي، سياسيا انعكس على مجموعة من التنظيمات التي لم تستطع أن تستوعب الشباب الآتي من تجربة الحراك، وسرعان من انفض هؤلاء الشباب من حول هذه التنظيمات وضرب صفحاً عن الانخراط في الفعل السياسي المنظم، وكان مبررهم  في ذلك أن الواقع الحزبي في المغرب لم يتزحزح قيد أنملة عن الطريقة الكلاسيكية في التنظيم، المقدودة إما من إرث ما يسمى بالحركة الوطنية، أو تلك المتواترة عن تجربة اليسار الجديد بمختلف تنويعاته.

هذا التجاذب السياسي، اعترت أعراضه الجسد الثقافي والفكري والفني أيضاً، خاصة بعد الطفرة التي منحتها مواقع التواصل الاجتماعي والنشر الالكتروني، والتي مكنت العديد من الأصوات من التعبير عن نفسها دونما حاجة إلى المرور عبر الجسور المحروسة، هنا وجد المثقف والمبدع “التقليدي”(الذي شكل رأسماله الرمزي زمن ما قبل هذه الطفرة) في شبه منافسة “غير شريفة” بالنسبة إليه، لأن “المنافسين الجدد” يتكئون على الاستسهال والجاهز، ولا يأبهون بعمق الأشياء، عكس ابداعه الذي خرج من بين صلب الدربة وترائب المعاناة، حسب زعمه.

في خضم هذا الوضع الذي يصدق عليه كثيرا توصيف غرامشي، في حديثه عن القديم الذي يحتضر، والجديد الذي لم يولد بعد، كان من الطبيعي أن نسمع من يتحدث بتبخيس عن تجربة الحراك، ولا يتوانى عن وصفها بأنها كانت فلتة سرعان ما ذرّتها الرياح، لأنها تفتقد إلى أدنى مقومات التجربة القادرة على صنع التاريخ، ولذلك حسب هذا الزعم، فإن التاريخ مستقبلا سيتحدث عن الوثيقة فقط، ولن يذكر شيئا عن “حكاية” الحراك الشعبي الذي فرض هذه الوثيقة نفسها، التي كانت نتيجة وليست سببا، لكن ربما التاريخ قد يأبه بالنتائج ويتغاظى عن الأسباب.. سيكون ذلك لو كان التاريخ تسطّره رغبات البشر..

في المجال الابداعي أضحى الفايسبوك ساحة مترامية الأطراف، منحت فرصة فريدة للتعبير بشكل غير مسبوق في التاريخ، إذ أصبح امر النشر والتواصل والتفاعل متاحاً للجميع، وبامكان أي كان أن يختار نشر ما يكتبه وفق الصيغة التي يريد، وبدأت تتشكل رمزية مبدعين لا عهد لهم بالنشر الورقي، و صاروا يحضون بمتابعة جيدة، وهم في الطريق لنحت أسلوبهم الخاص. صحيح ما ينشر على الفايسبوك لا يمكن الوثوق في قدرته على الصمود، وصحيح أن أغلب ما ينشر هو سليل اللحظة، ويصعب جدا أن نجزم أنه يحمل سمات الابداع، لكن، بإزاء ملايين التدوينات التي تنشر ثمة تدوينات تحفر اسمها وقيمتها الابداعية بتؤدة، مما يجعلها تفرض اسم مبدعها بقوة، لذلك ليس سليماً وضع كل ما ينشر على الفايس في سلة واحدة، والجزم أنها مجرد جمل لا قيمة ابداعية لها.

في مجمل القول، إن الاختلاف في وجهات النظر بين الجيلين هو امر طبيعي له مسبباته وله حيثياته، لكن لن يكون طبيعيا حينما يخرج عن حدود الاختلاف ويبدأ في رمي مسؤولية الفشل على الاخر من أجل تنزيه الذات.

إن المعادلة السليمة هي أن تكون ثمة جسور ممتدة بين الجيلين، جسور تسمح بالتعبير عن الاختلاف وايصال رأي الاخر، وليس شرطاً أن يحصل الاتفاق والتناغم، بل الاساس هو الاعتراف بوجود هذا الاختلاف، وادراك ماهيته بما هو نتيجة طبيعية لتحولات الحياة الانسانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.