“صراع الأجيال” وسوء الفهم الكبير (1)

عادة ما تثير مسألة صراع الأجيال الكثير من النقع والغبار، فأحيانا يمر التاريخ بمنعطفات يتم فيها النفخ في هذا الصراع بشكل مبالغ فيه، وأحيانا أخرى يمر بهدوء حتى لا يكاد يُسمع له أثر..

صحيح، غالبا ما تتسم المراحل الانتقالية للتاريخ بحدة هذا الصراع، لكن ننبه بداية أن هذا الصراع لا يكون ابدا مُحَدِّدًا في العملية الانتقالية بقدر ما يكون أحد تمظهرات مخاض الولادة الجديدة، فلا يمكن البتة الاعتقاد أن هذا الصراع بمكنته تحريك التاريخ أو صنع الأحداث، لذلك آثرنا وضع المفهوم بين مزدوجتين في العنوان للتعبير عن تحفظنا عن وسم الحوار المنقطع او المتشنج بين الأجيال بكونه صراعاً…

بالنسبة إلينا الصراع إذا لم تكن له قاعدة مادية في المجتمع، التي هي في اخر المطاف قاعدة المصالح الخاصة والجماعية لا يمكن وصفه بكونه صراعا، قد يكون شنآناً او تشنجاً او سوء فهم أو .. لكنه ليس صراعا، الصراع هو الذي يكون مبعثه الرغبة والالحاح في التعبير ولو بصورة مخاتلة عن مصالح طبقية قد تكون أحيانا مغلفة بمسوح دينية أو عرقية أو طائفية أو..

لذلك ف”صراع الأجيال” هو أساسا ليس بصراع، بقدر ما هو سوء فهم ينقلب احيانا الى اصرار على عدم الفهم، وهذا امر طبيعي، بالنظر إلى أن كل واحد شكل وعيه السياسي و رصيده المعرفي والقيمي (نسبة الى القيم) في ظروف سياسية وتاريخية ومعرفية مختلفة.. فالذي درس في الكتّاب، ثم ولج المدرسة بدفتر واحد وكتاب القراءة، وتلقى تعليمه الثانوي والجامعي في شروط مختلفة تماما، فإنه من الطبيعي ان يختلف عن الذي دخل المدرس وهو مستفيد من الشبكة العنكبوتية والالواح الالكترونية والسبورات التفاعلية، ايضاً الذي نشأ وكوّن وعيه السياسي في ظل سنوات الرصاص وحكم الحسن الثاني وفي زمن الاستقطاب الحاد بين القطبين، سيختلف بالضرورة عمن بدأ تشكيل وعيه في بداية الالفية الثانية في عصر العولمة المبشرة بنهاية التاريخ، وعصر تواتر وتسارع وتيرة ازمات نظام نمط الانتاج المسيطر، وكذا انفجار المعلومة المنسابة عبر وسائط الاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي..

المهم في كل هذا أن يكونا كلا الجيلان على دراية بقيمة هذه الفوارق، ومن ثمة يدركان ويتوقعان اثرها في الواقع وتأثيرها على عملية التواصل بينهما، لكن عندما يصل الحوار الى درجة تبادل الاتهامات ورمي الاخر بالعته والبلادة وعدم الفهم، هنا نكون بإزاء سوء فهم كبير، قد يودي بنا الى مهاوي صراعات دونكيشوتية وهمية، صراعات مجانية لن نجني منها الاّ السراب…

مناسبة هذا القول، هو ما صرنا نلاحظه من تواتر أفكار وآراء تقتات وتعبر عن هذا الصراع المستعار، سواء عن وعي أو من دونه، وهو ما يساهم أحيانا في قطع اواصر الحوار والتفاعل والتواصل المفترض، مما يساهم في اذكاء روح الجفاء بين الاجيال..

خلال الحراك الشعبي بالمغرب، كان هذا “الصراع” خافتا جدا، ولا يكاد يُرى له اثر، خاصة على المستوى الميداني والتنظيمي، كان هناك شبه اقتناع لدى جيل الأباء (طبعا ليس المقصود الاباء البيولوجيين) أن الزمن زمن الابناء وعلينا ان ندعمهم ونرى إلى أين سيقودون السفينة، حتى من كان لسان حاله ليس كذلك فإنه آثر الصمت والتواري خلفاً بدعوى التأمل وقراءة الوضع او هروبا من “التورط” في مسير الحراك.

لكن بعد أن وصل قطار الحراك إلى ما وصل إليه، عادت بعض الاصوات لتستل وصاياها “المقدسة”، وتغمز الى كون أن الشباب متنطعون ومتهورون وربما لا يقرأون ولا يفهمون، لذلك لم يأخذ الحراك المسير الذي يفترض أن يأخذه، لأنهم ركبوا رؤوسهم ولم يهتدوا بتجارب وربما أيضا ب”فتاوى” الأباء. من جهة أخرى ثمة الكثير من الشباب من ينظر إلى الاباء بأنهم مجرد عقول فاتها القطار، ولم تتمكن من استيعاب انسيابية الأحداث وتسارعها، كما أنهم يرون في طريقة فهمهم للأحداث كونها طريقة تقليدية لم تعد تجدي ولا تسعف في فهم خيوط هذه الأحداث.

إن هذا الشنآن لم يقتصر على المجال السياسي فقط، بل كان له حضور وامتداد، وإن بشكل متفاوت، في المجال الثقافي والفكري والفني .. لهذا سنحاول في المقال القادم رصد تمظهرات هذا “الصراع” في المجال السياسي والفكري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.