شهادة: بالحسيمة ليس من رأى و عايش كمن قد سمع أو قرأ..

وفاء اليابوري

و أنت مقبل على تجربة الزيارة الأولى ، ترى على مشارف المدينة، ذاك التزاوج المربك بين تضاريسها الجبلية الوعرة و واجهتها البحرية الهادئة الوديعة.. تتجاوز المشارف فيفسمح لك المجال بعدها لتكتشف أن طبيعة البشر هنا لا تختلف عن طبيعة الأرض ، هي منهم وهم منها، ليضعونك بانبهار أمام جمالية هذا التزاوج وقد تشربته أرواحهم .

العسكرة أكثر من ظهير، واقع :
الما-قبل المسيرة الموعودة، الجولة الأولى : 19 يوليوز 2017
أنت الحاضر بالمدينة في هذا اليوم قد تكون مناضلا/ مناضلة خبرت الساحات و المسيرات و الاحتجاجات و عاينت ما مرة، عبر ربوع البلاد، حضور الأجهزة الأمنية وحصارها و استعدادها الكامل للتدخل لفض شكل من أشكال الاحتجاج ، قد تكون خبرت كل هذا ـ لكنك هنا ستقف على صورة أكثر قوة بكثير مما قد تكون شاهدت طول عمرك النضالي.
الساحات مطوقة بالكامل، ساحة الشهداء الأكبر في المدينة تحضي بالنصيب الأوفر من الحصار،شاحنات و عربات ” الأمن” بكل أنواعها تضرب طوقا عليها ، تطيل أنت النظر إلى الساحة و تطلق العنان لخيالك متصورا أي شكل إبداعي راق كان سيحضنها هذا اليوم وبما كان سيصدح به صوت سيليا أو ناصر أو نبيل .. لولا اعتقال الشباب و لولا هؤلاء المدججين بالعصي الواقفين بين الناس و ساحة مدينتهم، المطلة على شاطئهم. يا لسخافة المنظر، قوات حصار لرمزية ساحة شهدت قبل هذا تجمعات سلمية بأشكال تنضح فنا و إبداعا (من لوحة الغارنيكا ، الى لافتة “محسن فكري” الحاملة للتواقيع ..مشهد الشموع التي أضاءت الساحة و سماء الحسيمة أملا و وفاء للشهيد … خطب لقيادات الحراك..) ما أسخف منظر الحصار الآن وما اشد استفزازيته. الساحات الأصغر حجما أيضا ترابط بها سيارات القمع ،و كم كان مشهد تلك الساحة الصغيرة، ساحة” فلوريدو” ببنايات ذات المعمار الاسباني كاريكاتوريا بوجود العدد البالغ لقوات الأمن على محيطها ، قوة غير متناسبة مع الحجم الصغير للساحة.
الأزقة الصغيرة ، لم تخل من شاحنة، اثنتين و ثلاث.. أما الشوارع، أنت تسير حتما بين شاحنات الأمن متوقفة على الجانيين، و قوات بتلاوينها المختلفة، و تمر من حين لآخر بجانبك أحدى تلك العربات (الصطافيتات) البيضاء الموشومة و المفتوحة الباب على صف من أصحاب الأكتاف العريضة و الجلسة المتأهبة ، معروف غرضها، و حتما لن تكون لك اي رغبة في ان توضع عنوة، في لحظة خاطفة بين هؤلاء..
العسكرة أكثر من كلمة أو ظهيرـ كانت واقعا مفروضا على الأرض ، على مداخل الحسيمة كما داخلها، الإحساس الرهيب بالحصار يثقل أنفاسك أنت من ترى هذا لأول مرة ، تشعر كأنك فأر في كماشة تسمى” الأمن” لكنك تعرف أنها للقمع ، قمعك أنت و/أو هؤلاء الشرفاء الذين يستضيفونك في مدينتهم.
حين يستضيفك بيت ريفي:
الغرباء عن المدينة الوافدون عليها من اجل المشاركة في محطة 20 يوليوز، بعضهم تدبر مسبقا إقامته في فندق و البعض لدى أصدقاء ، و آخرون تكفلت عائلات لا يعرفونها باستضافتهم سواء بتوصية من احد المعارف ، او هكذا عفويا و اعتباطيا، كان مجرد مرورك بالشارع كاف ليميز اهل المنطقة انك قادم للتضامن من منطقة أخرى من هذا المغرب و هذا أكثر من كاف لتلقي التحايا النضالية، الترحيب و دعوات المبيت و الاستضافة.
“الاستضافة”، هذه الكلمة هي في الحقيقة كلمة باردة ، مجحفة لا تستوفي ذاك الدفء الذي يغمرك في بيت العائلة الريفية. “تكفل”، لا تليق أيضا لإحالتها على الجانب المادي أكثر ، استقبال، تامين، .. كلها كلمات لا تفي بالغرض و لا تعطي للقاء مذاقه الدافئ المنقوش بالحب.
الاحتكاك بقرب مع عائلة ريفية في هذه الأجواء كان محملا بالعواطف إلى ابعد حد، أنت آت تحمل تقديرا كبيرا لهؤلاء الصامدين طيلة أشهر تسع في حراك شعبي تعرض لصنوف المضايقات و التخوين و القمع.. آت و في جعبتك احترام و محبة خاصة لسكان المدينة عامة و لكنك تحمل تصورا ان البيوت ليست بالضرورة مناضلة ، قد يكون فرد منها أو بضعة أفراد يستحقون في نظرك اسم مناضل/ة كونهم شبوا عن طوق الخوف و الحرص الذي تطوق به العائلة أبناءها إلا في حالات قليلة و خرجوا للشارع. أنت هكذا بتقديرك العاطفي و تقديرك العقلي تقابل وضعا مختلفا تماما يقلب فهمك لمعنى النضال و يفتح عينيك على أفق أرحب له.
أولا، العائلة تستضيفك بطلب و رغبة منها بل و إلحاح، و تعتبر مجيئك من منطقة ابعد صيغة من صيغ البطولة التي تفتخر هي باستضافته، تصور من يفخر بك؟ عائلة من الريف المقاوم ! لا بد و أن تخجل من نفسك و أنت لم تفعل بقدومك الا الواجب الأدنى بالتضامن هنا على أرض الريف ، بعد أن أحيا فيك هؤلاء شعلة أمل كانت في طريق الخمود. فتجد هنا من الكرم و حسن الضيافة و دفء التواصل، و من المحبة و التقدير سيلا صادقا من التعابير، لغة و حركات و أفعال خارج بروتوكولات “الصواب” الباردة. هنا لغة الصدق، و الصدق أنها محبة خالصة و تقدير عال و متبادل.
حين تلقتي بالعائلة المضيفة، فأنت تلتقي أحد عناصر القوة الكامنة وراء هذا الصمود و طول النفس الذي تميز به الحراك الشعبي ، و تتعرف أكثر على المعنى من كلمة ” شعبي” ، أنت تلتقي الأم، امرأة لم تتم دراستها في الغالب الأعم أو لم تلج مدرسة رسمية من الأصل، لكن الحوارالدافئ ، رغم جهد الأم في التواصل بغيرالريفيةـ اللغة الام ، سيجعلك تقف على فهمها العميق للوضع المعيش اقتصاديا و اجتماعيا ، و على تاريخ المنطقة سياسيا أيضا، تاريخ مقاومة و صمود ، و تاريخ فضاعات ارتكبت في حق ابناء هذه الجغرافيا ، لم ينس ولن يفعل ، بل ظل حيا يلقن من الجد للابناء و للأحفاد… ستعرف لِمَ هي لَمْ تلج مدرسة أو لم تكمل الدراسة ، ستعرف مثلا كيف أن ابنتها الأكبر تدرس على بعد 8 ساعات من الحسيمة مضطرة لقطع هذه المسافة ذهابا ثم ايابا أكثر من مرة في الأسبوع، يوما لأجل امتحان و تعود، ثم يوما أخر بعد أيام لأجل إعادة التسجيل، (نفس هذه الابنة قد ظلت عالقة طيلة يوم 19 يوليوز بتطوان دون إمكانية الوصول لمدينتها الحسيمة الا في ساعة متأخرة جدا من الليل بسبب عدم توفر مكان بالحافلات ؟؟؟)
ستعرف عدد العمات و الخالات و الإخوة ممن ماتوا بالسرطان…و عدد المصابين به حاليا ، و كم الجهد الذي يبذلونه للسفر إلى فاس كل مرة لمواكبة العلاج شخصيا أو لحالة احد أفراد العائلة .
قد تلتقي بينهم فردا من مغاربة المنطقة المهجرين إلى بلد من أوربا، و هو يطلعك على الألم الذي يشعر به من أوضاع المغرب و المغاربة عامة و ليس فقط عائلته أو أبناء الريف خاصة، ستدرك منه الفرق بين مظاهرة هناك لدعم حراك الريف و بين احتجاج هنا لنفس الموضوع، و ستدرك تحديدا الفرق بين “قوى الأمن” و “قوى القمع”، سيخبرك كيف انه للمرة الأولى في حياته سعيد بكونه مواطن من دولة أخرى يقف يوميا على حمايتها لحقوقه الإنسانية. ثم كم إحساسه بالرعب من هذه السعادة نفسها. وقد تبكيك المفارقة.
“نحن نحب هذا الوطن”، “نحن لا ندافع الا عن الحق المشروع”، “الحق لابد أن ينتصر”، ستسمع هذا بتعابير مختلفة، ستعرف و ستعرف، من أفواه أفراد العائلة فردا فردا حتى الطفل الاصغر منها، ما الذي يحرك هذه الإرادة القوية في تغيير الأوضاع، ما الذي يدفع الناس للاحتجاج و المزيد منه رغم القمع و رغم المزيد منه أيضا.
الحراك الشعبي ليس معياره الشارع فقط ، الحراك في قلب البيوت الريفية لان المطالب تنبع من قلبها و لان القناعة بضرورة مستقبل أفضل متغلغل فيها ولان الخوف و الحرص الأبوي و الامومي على الأبناء لا يتجلى في ثنيهم عن النضال بل في المزيد منه. انها في البداية قناعة و على طول الخط مسألة كرامة، و كرامة أهل الريف بوعورة جباله ، كما كرمهم و لطفهم بسخاء و وبوداعة بحر كيمادو .
لم ينجح المخزن الذي انزل هراوته و قمعه وغازاته و كل محاولات التفرقة و التخوين الا في ان يجعلنا نكسر قليلا طوق الحصار و العزل الممنهج و نقترب اكثر من حضن الريف و اهله، ليصل أحرار المغرب الرحم بينهم.
إن كان الفايسبوك بعد العشرين فبراير قد ربط الجزر المعزولة للمناضلين و المناضلات على شبكات التواصل و جعلهم قوة نقد و متابعة للشأن العام لا يستهان بها، فحراك الريف و ما يواجهه من قمع من قبل السلطة لابد و ان يجعل جزر النضال تلتحم أكثر و تزداد الأرض المقاومة من أجل الحق و الكرامة امتدادا .

و للشهادة بقية ..

تعليق 1
  1. يوحنا داود الابرشي يقول

    الملكيات دائما تسعى لفرق تسود لستم شعب على قلب رجل ليفلح حراككم فانتم قوميات فات فقيرة واخرى محضوضة مسيطرة تسعلى لكبحكم والتشويه بمطالبكم عند سيدها وولي نعمتها ….
    تدعون وطن والوطن لا يعرفكم ………..مستعمر ببطانة النظام تفعل فيكم ما تشاء ……وانتم في رحمتهم الى ان تصبحون بقلب واحد على وطن…….يومها سوف تطهرون الارض من ادناب ابناء الساقطات عملاء فرنسا و……

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.