شهادة..الفقيد “أيمن المرزوقي” كما عرفته

هذا المقال سبق أن نُشر كشهادة في حق الفقيد المناضل أيمن المرزوقي، بعد وفاته بأيام، وكان قد كتبه حينئذ عضو هيئة تحرير  أنوال بريس”محمد المساوي” وكان قد نُشر في عدة مواقع الكترونية، ونعيد نشرها على أنوال بريس في الذكرى الثالثة لرحيل الفقيد أيمن المرزوقي كعربون وفاء لهذا المناضل الفذّ الذي غادرنا في أوج العطاء.

في مثل هذه المواقف الإنسانية العميقة يصعب كثيراً أن تتحكم في عواطفك، وأن تحاول البحث عن إعطاء المناسبة ما تستحقها من رويّة وإعادة تشغيل شريط الذكريات لتنتقي منه المواقف التي جمعتك بالفقيد، لذلك حاولتُ ما أمكن أن أضع مسافة بين لحظة سماعي للخبر/الفاجعة وبين كتابتي لهذه الكلمات في حق هذا المناضل الذي يشعّ إنسانية وأملاً.

تعرفت على أيمن أول مرة بشكل مباشر مع انطلاق مظاهرات حركة 20 فبراير بطنجة، لكني كنتُ أسمع عنه بوصفه اسماً نضالياً وضع بصماته على العديد من المحطات، أظن أن أول مرّة سمعت فيها عن اسم “أيمن المرزوقي” كان قبل ما ينيف عن 17 سنة كنتُ حينها تلميذاً، في أوج عنفواني، مسكوناً بهواجس المعرفة والنضال والتكوين الثقافي، عرفت اسم أيمن عبر بعض الأدبيات القليلة للاتحاد الوطني لطلبة المغرب مثل: اللقاءات الست، وبعض القراءات الخاصة بالمؤتمر 17 الفاشل/الذي أُفشل للمنظمة الطلابية…بعد ذلك بدا لي اسمه أيضاً فيما سُمي أواسط التسعينيات “تجميع اليسار” ثم اللقاءات التي عُقدت لهذا الغرض. المهم بعد ذلك أصبح اسم أيمن المرزوقي مألوفاً لدي…

ومع انطلاق نضالات حركة 20 فبراير، أتيحت لي الفرصة كي أتعرف على الفقيد عن قرب، سواء في مسيرات الحركة التي كنا نقطع فيها أحياناً بين 5 و7 كليميترات أو من خلال الاجتماعات الأسبوعية بين التنسيقية الداعمة المشكلة من الهيئات السياسية والجمعيات الحقوقية والاحتجاجية وكذا لجنة منبثقة عن شباب الحركة، فيها كنتُ أتابع الفقيد يقتعد كرسياً في زاوية قاعة الاجتماعات، يرخي أذنه للاستماع إلى مداخلات الرفاق والإخوان، يُجيد الإنصات حتى لو كان ما يُقال لا يتفق معه، وحينما يتحدث هو يفرض عليك أن تُنصت إليه ولا يمكن لك إلاّ أن تفعل ذلك، يمتلك موهبة خارقة في بناء نسق تدخلاته، سلاسة في تدفق الأفكار وفي توظيف الحجج التي تدعم قوله، كما أن تدخلاته تنم عن مقروئية كبيرة لديه وعلى تكوين ثقافي ومعرفي راق، وعلى انفتاحه على كل شعاب الثقافة الإنسانية؛ مرّة كنا نناقش ماهية الشكل النضالي الذي سنخوضه في إحدى أيام الآحاد، وصادف ذلك اليوم أن كانت الفنانة اللبنانية “أميمة الخليل” ستغني في طنجة بساحة الأمم، وهي الساحة التي كنّا عادة نختتم بها أشكالنا النضالية، وكنا نناقش هل سنغير مسار المسيرة، ثم بالنسبة للوقت متى سننهي شكلنا النضالي لأننا كنّا نعرف أن العديد من قواعد مسيرات الحركة قد يتركون الشكل النضالي ويلتحقون بأميمة الخليل، المهم عندما تدخّل الرفيق أيمن أكدّ على أن النضال لا ينتهي في يوم واحد إذا لم ننفّذ المسيرة في هذا اليوم وفق المسار المعتاد فليس نهاية للنضال، ثم قال إن أميمة الخليل هي في الأصل معنا وكرّست أغانيها للحب والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، فهي ليست مع من استضافها، بل هي معنا ولا نريد لها أن تكون مثل “خضراء الدمن”، أغلب من كان في الاجتماع لم يفهم ماذا يقصد بخضراء الدمن وما معناها، وهو كان يحيل على الحديث المعروف “إياكم وخضراء الدمن، قالوا: وما خضراء الدمن؟ يا رسول الله، قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء”، وبغض النظر عن ضعف هذا الحديث وعدم متانة سنده إلا أن الشاهد هنا هو القدرة البلاغية عند أيمن وكيفية استحضار مختلف المرجعيات من أجل تقريب فكرته وموقفه.

ولعل من السمات القليلة التي كان يتمتع بها الفقيد هو قدرته على نحت مفاهيم خاصة به إلى درجة جعلتني أتحدث مع أصدقائي عما أسميه “الجهاز المفاهيمي” لدى أيمن المرزوقي، هذا الجهاز الذي ينبني على جملة من المفاهيم هي ماركة مسجلة باسمه، كلّ من رافقه وعايشه عن قرب يعرفها جيداً وسمعها منه أكثر من مرّة، من قبيل:”انعدام الضمانات” و”يمين البلدية” و”القيمة”و “إِتِيشْ”…فمثلا بالنسبة إليه حركة 20 فبراير ليست حركة احتجاجية مطلبية فقط، بل هي قيمة وكثيراً ما كان يقول لي ” بالنسبة إليّ لا أنظر إلى حركة 20 فبراير إلاّ بوصفها قيمة”، بوصفها قيمة أضافت الكثير للتاريخ السياسي للمغرب الحديث.

ومن المواقف الإنسانية التي مازالت طرية في ذاكرتي عن الفقيد، أتذكر يوم الأحد 22 ماي 2011 عندما تدخلت قوات القمع بوحشية لمنعنا من تنظيم المسيرة الوطنية الرابعة للحركة، حيث طُوقت ساحة التغيير ببني مكادة بترسانة قمعية كبيرة، وبمجرد محاولة التجمع تنهال هروات القمع على أجساد المواطنين وتشرع في المطاردات عبر الأزقة المتفرعة، لكن الجماهير الشعبية كانت في مستوى الردّ نظمت صفوفها في مجموعات وحاولت اقتحام ساحة التغيير من أجل تنفيذ الشكل النضالي، مما جعل مسؤولي الأجهزة القمعية يصابون بالسعار ويطلبون إمدادات عسكرية جديدة لقمع المتظاهرين، واستمر الوضع على ما هو عليه لساعات. في إحدى اللحظات التحقتُ بأعضاء من التنسقية كانوا قرب مقرّ حزب النهج الديمقراطي يتداولون فيما بينهم عن كيفية الردّ عن التهديدات الرعناء لكاتب العام للولاية، بعدها بلحظات نفاجأ بفيلق من قوات القمع تهاجما بوحشية، حاولنا تفادي الضربات وهربنا قليلنا إلى الوراء لنخلي المكان بعدها شاهدنا فيلقاً أخر قادم إلينا، حينها كان الرفيق أيمن بجانبي يجري بجسده المثقل، كنت أنظر إليه وهو يقاوم حتى لا يسقط في أيدهم، بعدها انعطفنا، ونحن مجموعة، إلى إحدى الأزقة الفرعية، ووقفنا لنلتقط أنفاسنا، حينها قال لنا أيمن كي يُحمسنا وهو المنهك جسده: “لا عليكم رفاقي إنها ضريبة كلّ من يعتنق هموم الشعب”.

فيديو كلمة أيمن المرزوقي في مهرجان خطابي لحركة 20 فبراير طنجة أبريل 2011

ومن الخصال التي كان يتمتع بها الفقيد، وربما يعرفه عنها كل من تعرفه عن قرب، التواضع والاستعداد الدائم للإنصات والتعلم ولا يأخذه الغرور، كما هو حال العديد من مناضلينا للأسف، دائما كان يقول رغم تجربتي النضالية الطويلة إلا أنني مازلت أتعلم. وهذا ما قاله لي في آخر مرّة إلتقيته، كان قد مرّ حين من الدهر لم أره، ومصادفة التقينا يوم الجمعة 9 فبراير وسط شارع محمد الخامس بطنجة، كنتُ رفقة رفاقي نور الدين خيرون ويونس عداب والمخرج السينمائي أحمد بايدو؛ مخرج فيلم “أغارابو” المشارك في مهرجان الفيلم الوطني في طنجة، التقينا أيمن مصادفة، وكان برفقته رفيقه وصديقه “ابراهيم السبيطي”، تبادلنا التحايا والسلام بشوق وحنين إلى أيام مجد الحركة، بعد حديث ودّي قال لي أيمن :” رفيقي هذه شهادة للتاريخ وسأظل أذكرها ما حييت، فعلاً إننا استفدنا منكم أنتم الشباب، بفضلكم أضفنا إلى رصيدنا النضالي ما لم نكن نعرفه ” وقام بضمي إلى صدره بقوة كادت أن تدمع معه عيناه، وتشعب بنا الحديث في موضوعات عدة، سألني عن اغتيال الشهيد شكري بلعيد وكيف أرى إغتياله، تحثنا عن الإبداع وحدوده، وعمّا أثاره فيلم “تنغير..القدس، أصداء الملاح”، وتحدثنا من الحركة وعن الذكرى الثانية…كل هذا ونحن واقفين، بعد ذلك دعانا لنجلس ونكمل حديثنا وأصرّ على دعوته، لكننا لم نلبي دعوته كانت لنا التزامات أخرى واعتذرنا له ووعدناه على أن نجلس في أقرب وقت وقال لنا سأسافر بعد غد إلى الشاون وتازة وفاس وبعدها سأرجع، وقال لنا أغلب الظن يوم الثلاثاء سأكون قد عدتُ إلى طنجة، وهكذا اتفقنا ثم مضى كل واحد إلى سبيله.

يوم الثلاثاء 12 فبراير كنتُ في الرباط في الشكل النضالي الأسبوعي للتنسيق الميداني للأطر العليا المعطلة 2011، بعد أن أنهينا شكلنا النضالي في ساحة البريد وقفنا في الساحة نتبادل النقاش والأفكار مع بعض الرفاق، وفي تمام الساعة السادسة وأثنين وعشرون دقيقة رنّ هاتفي، وكان على الخط رفيقي أحمد السكاكي من طنجة، بعد التحية قال لي كيف سأخبرك رفيقي بفاجعة رحيل رفيقنا “أيمن المرزوقي”، قلتُ له ماذا تقول أيمن التقيته قبل ثلاثة أيام كان كله حيوية ونشاط هل أنت متأكد من الخبر؟ قد يكون الأمر يتعلق بأيمن أخر؟ قال لي هذا ما وصلني للتو، وحاول أن تتأكد أنت أيضاً من خلال اتصالاتك. بعد ذلك اتصل رفيقي يونس عداب بالرفاق والأصدقاء في طنجة وأكدوا له الخبر وظللنا مشدوهين لا نعرف ما نفعل، وأنا بقيت أزيد من نصف ساعة مطأطأً رأسي أنظر إلى الأرض أستحضر شريط الذكريات…بعدها قصدنا المنزل وجملة من المشاعر تموج بداخلي، جلسنا في المطبخ رفقة رفاقي المعطلين نعدّ العشاء ونتحدث بين الفينة والأخرى عن أيمن، وأنا كنت طوال الوقت ساكتاً أسرح بخيالي بعيداً، بعدها تذكّرت أمرين: أغنية مارسيل خليفة “سأحدثكم عن أيمن” ورواية عبد الرحمان منيف “النهايات”، وفي هذه الرواية فصل بعنوان “حكايات الليلة العجيبة” حيث يختار أهالي قرية الطيبة تأبين “عساف” ابن القرية الطيب، الذي مات بطريقة غامضة ابتلعته الصحراء، وبعد بحث مضن وصل أهالي القرية إلى جثته مع غروب الشمس، حملوه إلى أحد منازل القرية وضعوا جسده المسجى أمامهم ووضعوا فانوسا أمام رأسه وجلسوا حوله يحكون حكايات القرية وأهاليها والجثة معهم طوال الليل ينتظرون أن يدركهم الصباح ليدفنوه، لأن عسافاً لم يكن إنسانا عادياً، كان يفيض صيبوبة وحيوية وغرابة أيضاً، كان يقسّم جسمه في جسوم كثيرة مثل صعلوك عروة بن الورد، يوزع كل ما يغنمه من صيده الوافر على فقراء القرية بالتناوب ولا يترك لنفسه عادة إلا ما يسدّ به رمقه ليوم واحد…

تذكرت أغنية مارسيل ورواية منيف وقلت لرفاقي: الليلة سأحدّثكم عن أيمن، وكذلك كان الأمر، انخرطنا في الحديث عن أيمن حتى الهزيع الأخير من الليل…

هذا هو أيمن الذي عرفته، هذا هو المناضل النبيل الذي يحترم الاختلاف، ويجيد التعبير عن مواقفه ببلاغة قلّ نظيرها، وداعاً رفيقي وهل نطيق وداعك يا فارس الشعب؟ لترقد بسلام، ولتستمر مسيرة البحث عن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

محمد المساوي في 17 فبراير2013

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.