شكراً فخامة الجلاد.. ورب شرارة أحرقت سهلاً

محمد المساوي

طوال الأشهر الماضية التي تلت انطلاق الحراك الشعبي بالريف، كان النشطاء والمناضلون والنخب والاعلاميون ينظرون الى حراك الريف نظرة ريب وشك، حتى الذين يمكن اعتبارهم أقرب إلى الفهم وإلى استيعاب ما يموج في الميدان، ظلت لوثة الشك تحاصرهم، وتكبّل الفعل التضامني الذي عادة ما يوزعونه بسخاء منقطع النظير، لكن أمام ارتفاع منسوب الشك، انحصر تضامنهم وظل في أحسن الحالات قابعا ضمن حدوده الدنيا…

كان الأصدقاء النشطاء والمناضلون والصحفيون المنحدرون من مناطق اخرى من المغرب، دائما ما يكررون نفس الأسئلة؛ لماذا الحراك في الحسيمة رغم هناك مناطق مغربية أكثر تهميشا؟ لماذا لا ترفع الأعلام الوطنية؟  ولماذا ترفعون علم جمهورية الريف؟ هل فعلا الاحتجاجات لا تحركها نزعة انفصالية؟ هل فعلا لا يوجد بارونات المخدرات وراء هذه الاحتجاجات؟ هل وهل…

كنا نضطر بعد كل هذه الأسئلة لنشرح بالبسيط السهل الواضح أن الحراك سببه احتقان اجتماعي كبير تراكم منذ سنوات، إن لم نقل تراكم منذ استقلال “اكس ليبان”، وأن استشهاد محسن فكري كانت النقطة التي أفاضت الكأس، وأن المحتجين لهم مطالب عادلة ومشروعة وواضحة، وأن عدم رفع العلم المغربي ليس موقفا خرج به الحراك، فلجن الحراك لا تفرض على أي أحد عدم رفع العلم المغربي، لكنها بالمقابل لا يمكن أن تفرض على المحتجيين رفعه، الامر متروك لاختيارات الناس، أضف الى ذلك أن العلم المغربي عادة ما يكون حضوره باهتا أو ينعدم بالمرة في جل الاحتجاجات التي عرفها مغرب ما بعد الاستقلال، والأمر ليس مقتصرا على احتجاجات حراك الريف، بل إن الحساسية المفرطة تجاه المنطقة هي من جعلت موضوع رفع العلم تحت مجهر المشككين، وإلا فاحتجاجات حركة 20 فبراير نفسها لم تكن تحمل العلم المغربي، وحتى حينما حملناه يوما فعلنا ذلك من باب رد التهمة بعد ان تناسلت تهم التخوين والعمالة للبوليزاريو والجزائر… وشرحنا بالتفصيل الممل أن رفع علم الجمهورية لا يحيل على نزعة انفصالية، بقدر ما يحيل على الاعتزاز بقيم المقاومة وإرث محمد بن عبد الكريم الخطابي، وأن الشعارات التي تؤطر المسيرات والكلمات التي تلقى، والملف المطلبي للحراك، يبينون بشكل جلي واضح ماهية الحراك وما هي أهدافه ومطالبه.

بعد أن نسرد كل هذا، يضطر الاصدقاء والصديقات إلى تقبل مبرراتنا على مضض، هم في الحقيقة لم تكن تقنعهم، بل كانت تدفعهم الى تأجيل اعادة طرح هذه الاسئلة لبضعة أيام أو أسابيع، ريثما تظهر تدوينة فايسبوكية اخرى لشخص محسوب على الريف، كتب او قال كلاما موتورا، او أن يظهر خلل ما في مسيرة أو شكل احتجاجي، ليعيد أصدقاؤنا اعادة طرح نفس الاسئلة…

ظل حراك الريف هكذا، متأرجحا بين لامبالاة مصطنعة من طرف النظام، وشك وريبة من طرف المناضلين والنشطاء والمثقفين والاعلاميين، كما ساهم بعض المنتمين الى الريف في تكريس هذا الشك، وخندقة الحراك في بوثقة ضيقة، إلى أن قرّر المخزن أن ينزل بترسانته القمعية إلى الحسيمة ويقيم معسكراته في انتظار الفرصة لينقض على المحتجين، فجاء حادث الاستفزاز الذي تعمدته وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية لجر نشطاء الحرك الى رد الفعل، ومن ثم شرعنة الاعتقال والقمع.. وكذلك كان.

بيد أن هذا التدخل الامني المبالغ فيه والمنفلت من أي رغبة في ايجاد الحل وتحقيق الملف المطلبي، وبسبب الطريقة الانتقامية التي اعتقل بها قادة الحراك ونشطاؤه، حقق الحراك شبة اجماع عليه، لم يعد الأصدقاء يطرحون تلك الأسئلة المعادة المكرورة، اختفت أسئلة التشكيك والريبة، وصار الأصدقاء والصديقات يسألون عن افاق الحراك وجديده، ويسألون عن أحوال المحتجين ومعنوياتهم، يسألون عن امكانات صمود الحراك واستمرار الاحتجاج الى غاية تحقيق الملف المطلبي واطلاق سراح المعتقلين..

بسبب التدخل القمعي والقبضة الامنية التي اراد المخزن أن يُسكت بها الحراك، وبسبب الطريقة السلطوية البليدة التي تعامل بها مع حراك استمر ازيد من 7 اشهر بنضال سلمي مبدع، تحرر الحراك من شرنقة العزل والانعزال وكسب تعاطف وتضامن كل من كان مترددا أو يعتريه الشك، وصار الزفزافي رمزا لمقاومة استبداد المخزن ورمزا من رموز الصمود في وجه الاعيبه.

شكراً أيها المخزن الغبي، وشكراً لفخامة الجلاد فيك، شكرا لأن بغبائك وسلطويتك منحت اشعاعا وطنيا للحراك، وبل منحت له اشعاعا دوليا، وكسب تعاطف الناس في كل مكان…نحن نعرف أن كل محاولاتك البئيسة لزرع الخوف والتردد في الناس باءت بالفشل، وجاءت الرياح بعكس ما تشتهيه سفنك الغدّارة، فعوض أن تقبر الحراك بقمعك الأهوج، ها أنت ترى كيف صار الحراك أقوى وأكثر تجذرا بين أبناء الشعب، وها أنت ترى النساء يتقدمن المسيرات اليومية في كل من الحسيمة وامزورن، وأنت تعلم، وفقهاؤك يعلمون، ومحللوك ومثقفوك ومؤرخوك يعلمون أنه عندما تتصدر النساء المسيرات الاحتجاجية فاعلم أن دورة النهاية قد زفت… نعم قد تستمر في الاعتقال والقمع، لكن انت تعرف أن ذلك مجرد تمظهر بئيس لضعفك ووهنك، وأنت تدري جيدا كما نحن ندري كم أنت متورط وغارق إلى حدّ التشظي الذي يشبّ بتلابيب أجهزتك وأدواتك.

ورب شرارة أحرقت سهلاً…

تعليق 1
  1. Taisir يقول

    لا اجد ما أقول. غير: يعلو ولا يعلى عليه. ليت بقية المحللين والمدعين وحتى المنتقدين لهم عشر قلم الكاتب من حيث الدقة والتعبير. إطمئن وصلت الفكرة لكل المعوجين في هذا البلد. ووصلت من زمااااااان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.