شذرات رفاقية

عبد الله أيت سي

أشعل سيجارته الاخيرة والساعة الخامسة إلا عشر دقائق، وهو متأكد أنها الأخيرة في جيبه وجيوبه خاوية على عروشها، وكأس القهوة السوداء المرة بدون سكر لم يبقى منه إلا دكة .

يتذكر كل تلك الوقفات والحلقيات التي كان يؤطرها في الجامعة مدافعا عن حق أبناء الشعب في تعليم عمومي مجاني ذو جودة عالية ،حتى يبح صوت حنجرته في المساء ليمر على با عبد الكريم لياخذ نص ومعقودة وبيضة مع كثير من الفلفلة السودانية حتى تداوي حنجرته، كان قائدا ماركسيا ثوريا لينينيا صارع من أجل اوطم بكل مبدأية وتفاني متواضع دون تكبر ظابطا للنظرية ومستشرفا للواقع الذي يحلله وفق منطق مادي ،كانت الجامعة المغربية تعيش وضعا خاصا إنه بداية تمرير المخطط التخريبي الذي قاوم رفقة ثلة من رفاقه ورفيقاته عدم تمريره ،رفيقنا قضى خمسة سنوات من أجل إجازة في القانون وبعد ذلك قضى سنة اخرى مابين الجامعات ينتقل ليؤطر نضالات الحركة الطلابية، اليوم انتهى به المطاف في قهوة رثة رفقة بروليتاريا رثة اجتاز كل الإمتحانات دون ان ينجح حتى وان اجتاز الكتابي بنجاح فالشفوي باك صاحبي والكرمومة ،قبل أن يكمل سيجارته رن هاتفه إنها مكالمة من رفيق قديم “سعيد” أيام الجامعة والذي كان يعجبه نضاله.

 الرفيق تخرج وأصبح أستاذ للتعليم الحركة دايرة ولكن الشكوى كثيرة، بعد سرده لكل مشاكله الشخصية والوظيفية، إنتقل إلى أحوال رفيقه.

– هل هناك شغل أم مازلت معطل ؟

– رد الرفيق هاد الساعة بريكولاج الوظيفة مازال

– كندوز دوك الإمتحانات الطبقية ديالهم .

– وشي نضال.

– أجاب ما استطاعنا اليه سبيلا.

رد الرفيق الأستاذ سعيد واغاه اصاحبي خاصك تنقص شوية غاك منومر عندهم.

رن هاتف رفيق المعطل وخا سي العربي جاي دروك ،تهلا فراسك الرفيق مرة أخرى نتشوف عندي واحد بريكول اوكي، في طريقه للقاء التاشرون ضحك ضحكة حتى التفت إليه الناس،ثم قال في نفسه واه لكل هذه الدريهمات تبدل الرفاق يمكن أن تجد بعضهم اليوم غارقا في الريع ،إلتقى رفيق المعطل بمشغله العربي والذي قال له عندك غدا تغدرني راه معول عليك خاصك تكون موجود مع السابعة صباحا عندنا الدالا ديال ديك العمارة ،بعد تناولهما لما تيسر من خبز واتاي ومد له سيجارة ،وقبل أن يفترقا مد له 20 درهما هاك العشاء ديالك غاني عارف الحالة غير صبر اولدي غاه دابا تفرج الحياة تعلمنا أكثر من المدرسة، أثناء رجوعه الى المنزل مر شريط الجامعة بسرعة من بين عينيه كأنه حلم فقط كل تلك النضالات لم تعطي أكلها في شيئ وكل المخططات مرت، قبل أن يقف مجددا أمام بائع الديطاي اغا واحد نص كازا السيمو ،هاك أودي المناضل العفو، الناس ينادونه بهذا الإسم أكثر من إسمه الحقيقي لم يتخلف ابدا عن هموم وقضايا الجماهير إنه يحضى باحترام الجميع ويشجع الشباب على العلم حتى أسوأ الأشخاص في الحي يحترمونه انهم يعرفون أنه كد واجتهد من أجل لقمة العيش لكن هاد البلاد فشي شكل ماكينش المنطق كتعطي غير لحاسين كابا و الزبونية و المحسوبية، الرفيق استمر في الاعتماد على نفسه إنه يشتغل مع المقاول العربي هذا الأخير يحترم قانون الشغل على علته ،مرت خمس سنوات على تخرجه من الجامعة لا يتذكر القانون إلا حينما يستشار من أحد المواطنين أو من طرف العمال أو المشغل ،لازال الرفيق مستمرا في النضال لاتفوته وقفات الجماهير حينما يكون متفرغا من العمل لازال ينشر الفكر التقدمي والتنويري بين ابناء الشعب لازال يؤطر الطبقة العاملة في النقابة رغم بيروقراطية قياداتها إنه أمان بالصراع الطبقي وأمان بالنضال وتقبل وضعه كعامل لقد أحب الطبقة العاملة بكل جوارحه ،ذات يوم طرح عليه أحد أصدقائه سؤالا بغيت نسولك أنت قاري مزيان وخدام فالبناء وخا العمل ماشي عيب دبر ليك على شي خدمة مرتاحة اصاحبي وباركا عليك من داك النضال ؟،إبتسم الرفيق ورد عليه عرفتي الفرق بيني وبين هادوك هو أنني ولفت تمارة وانسجمت مع الوضع،الصاحب غاه الواقع لا يعطيك كل ما تتمناه المهم في كل هذا هو أن لا توهم نفسك أو أن تتخلى عن ما تؤمن به من مبادئ، وفي الأخیر فسوف ترتاح جيدا ونهاية المطاف هو أنك كان لديك هدف كنت تناضل من أجله وقمت بجزء من دورك في الحياة ،لازال رفيقنا إلى اليوم مناضلا ولم يتبدل تبديلا ،مازال إنسانا وربما البعض من رفاقه ورفيقاته أو غالبيتهم وضعوا المبادئ في الثلاجة ويعيشون حياة البرجوازية الصغيرة المتدبدة في مواقفها،و التي كانوا يوما ما تصدح حناجرهم في رحاب الجامعة لمحاربتها واعتبارها عدو الطبقي الأول طبعا وفق منظور الماركسية للصراع الطبقي.

مرت سنوات ورفيقنا ظل عاملا بسيطا بروليتاريا ثوريا لم يستسلم للتهميش و الإقصاء و المنع و الفرز في سياسة الشغل الطبقية ، في قرارة نفسه يعتقد دائما أن الفرز في الخط السياسي و النضالي تحكمه الكثير من الخلفيات المشكلة للوضع الطبقي للمناضلين ،لم يحمل في نفسه أي ضغينة اتجاه كل الذين بدلوا فيستاتهم و اختاروا الاصطفاف مع الطابور ،و باعوا كل شيء كان جميلا بالنسبة لهم ورهنوا ذواتهم للبنوك و حولتهم آلة الرأسمال إلى مجرد سلعة مشيئة فاقدين لأي هدف و سبب يبعث فيهم الإهتمام بالشأن العام و معاناة الجماهير الشعبية.

قصة رفيقنا لم تتوقف عند هذا السرد فهي قصة عشق للتغيير و إيمان و تفاني في خدمة الطبقة العاملة و المساهمة في امتلاكها الوعي الطبقي الذي يؤهلها للدفاع عن مكتسباتها و انتزاع حقوقها ،يدرك أن ذلك ليس بالأمر السهل و أن الطلائع العمالية المالكة لفكر ثوري و تستعيب النظرية تحاصر و تمارس عليها ظغوطات كبيرة من طرد و تسريح و تضييق في العمل ،ومعا ذلك فهي تستمر في أخذ زمام المبادرة لنقلها للأجيال القادمة ،حينما ينظر من حوله و يحلل الواقع الملموس يجد أن الغالبية العظمى من العمال تم تديجنهم و ابعادهم عن الصراع الطبقي بسبب إنتشار الفكر الغيبي و القدري و التوكلي عوض الفكر الجدلي ،وساهم في ذلك بيروقراطية النقابة، في كبح جماح و نضالات العمال، و التي تم تحويلها إلى نضال خبزي عوض سياسي ،هو الواقع معقد و يبتعد كثيرا في ثناياه محتفظا بكامل أسراره،رفيقنا يؤمن بأن الحياة تستحق أن تعاش مازال يقرأ الآداب و يكتب مختاراته و قهوة الصباح على أنغام فيروز ،و طبعا العمل فهو يؤمن بأن الثوري عليه أن يعمل لكسب لقمة عيشه معتمدا على قوة عمله الجسدية أو الذهنية ،أما كل تلك الأشياء الأخرى فهي تأخذ مجراها الطبيعي وفق قانون التطور.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.