شباب المهجر وهواجس ‘الجهاد’

كاد عام 2011 أن يدخل التاريخ من بوابته الواسعة ويكون عاما لثورات الشعوب على الانظمة العربية الدكتاتورية، لكن على ما يبدو فإن مقبضة المنجل هي كل ما تغير في المشهد، حسب تعبير لحكيم ريفي (من الريف)، ليبقى نفس المنجل على عادته القديمة ويستمر في حصاد الارواح البشرية والكرامة الانسانية.
عام 2011 لن يدخل التاريخ إذن إلا من خلال بوابة ضيقة. نعم ستكرس له في المستقبل القريب حصصا في مقررات المدرسة، وربما في المستقبل البعيد، بعد عشرات السنين، سيدمج كجزء من التاريخ الاسلامي تحت عنوان: الثورات القرضاوية.
لكن لن يحظى هذا العام بالمكانة التي اكتسبها مثلا عام 1830، يوليوز الثورة الفرنسية. العام الذي كان بجانب الثورة الفرنسية مسرحا لانتفاضات أخرى عارمة قامت بها شعوب على الأنظمة الاستبدادية الاوروبية التي استمدت وقَوّتْ شرعية استبدادها من بنود مؤتمر فيينا ل 1815.
هكذا انتفض البولونيون ضد روسيا القيصرية والايطاليون ضد النمسا والارلنديون ضد انجلترا، تماما كما فعل البلجيكيون الذين انتفضوا على هولاندا وشكلوا في أكتوبر من نفس السنة دولتهم وأعلنوا استقلالها.
عام 1830 دخل التاريخ من بوابته الواسعة فجعله للبلجبكيين فخرا وعزا وبقي للهولنديين عقدة.
إنه ليس بإمكان أي شخص أن يفهم العلاقة الباطنية الشقية التي تربط هولاندا ببلجيكا دون استحضار هذه السنة، كما لا يمكن لأي محب لكرة القدم أن يفهم التنافس والعراك الشديدين بين هولاندا والمانيا مثلا، دون استحضار الحرب العالمية الثانية.

*****

عندما زرنا المستشفى المركزي بأنتويرب البلجيكية ودخلنا مصعده ليصعد بنا الى الاقسام الشديدة الحساسة من المستشفى، كجناح بيت الخطر والعناية بالقلب، ضغط إبن عمي على القفل الذي يحمل رقم ثمانية. أختي لاحظت هذا وأفصحت عن ما يختلجها من أفكار في صيغة استغراب أو استعجاب أو سميها إن شئت ملاحظة:
– غريب أمركم هنا في بلجيكا. مثل هذه الاقسام الحساسة تجدها في مستشفيات هولاندا دائما في السفلي أو على الاكثر في الطابق الاول، لكن في الطابق الثامن.؟ لا أفهم أي شيء من هذا.
أول من يرد على ملاحظتها هو أخي الصغير:
– ربما الحياة لا تساوي عندهم ما تساويه عند الهولنديين. لذا يختارون أبعد نقطة. فلدى البلجيكيون كل الوقت، وإن طال الطريق ومات المريض، فلا حرج. ربما يعتبرون ذلك من المزايا الإضافية في عقود عملهم ويجدون في طول الطريق راحتهم حيث يقيهم من الإجهاد والتوتر العصبي في غرف العنايات والعمليات.
– يا ترى ماذا يوجد في الطابق الاول من هذا المستشفى؟ أكيد أنه شيء أهم من الحياة، المطعم مثلا؟ يضيف أخ آخر.
تسبب الحديث المشبع بمواد دسمة لتكوين نكتة هولندية عن البلجيكيين في ضحكة عند كل راكبي المصعد الكهربائي الكبير. حتى البلجيكيون منهم شاركونا الضحك.
هولاندا تستعمل دائما سلاح النكتة ضد البلجيكيين كي تتخلص من العقدة التي سببوها لها بانفصالهم، حتى أنك ستجد في أدب النكت الهولندي جزءا كبيرا يدور حول هذه العلاقة. جزء قد يعادل في حجمه حجم نكتنا نحن المغاربة حول جوموانجي وجحا وتلك التي تدور على فقيه المسجد والاطفال الصغار، مجموعة. ربما سيعادل نكت المصريين حول الصعايدة وفلسطين حول الخليل، وسوريا حول حمص، والأردن حول الطفيلة، في مجموعها.
نكت تبرز “سذاجة” البلجيكيين و”بلادتهم” الفطرية. لكن البلجيكيون بدل أن ينتفضوا حالا ويحولوا العام الى شيء يشبه 1830، تراهم يفعلون كل شيء، حتى تلك الأشياء التي لا يقبلها العقل، ليبرهنوا صحة مغزى النكت الهولندية في الواقع.
سنة 2011 لن يكون لها حيزا كبيرا في التاريخ، لكن يجب أن لا نصغر من أمرها، ففي الامتداد الجغرافي، تصل حتى حدود بلجيكا بهولاندا وفي الزمان حتى حدود يوم كتابة هذه السطور، فتجد وكأن بلجيكا صارت مرتعا كبيرا، خلق خصيصا لتكوين الجهاديين والجهاديات في الثورة القرضاوية التي تنشر فصولها الدموية هنا وهناك.
لبلجيكا وهولاندا تاريخا مشتركا يتقاسمان فيه الكثير ويختلفان في الكثير منه، لكن الأهم هو أنهما يجمعهما حلم رسماه معا في الافق ويجدّان أن يصلا إليه. تارة جنبا الى جنب، لكن في أكثر المرات تجد بلجيكا هي التي تقتفي خطوات جارتها.
نحن المغاربة الذين يسكنون فيهما نتأثر جدا بهذه العلاقة، فمغاربة البلدين لهما أيضا جذورهما وتاريخهما المشترك، لكنهما يختلفان جدا. هكذا تجد شابا مغربيا هولنديا يلبس عبايته على كل ملابسه. والمعطف يلبسه كديكور خارجي، خارج العباية.
الشاب في بلجيكا بالمقابل يضع عبايته مباشرة على قميصه وسرواله الداخليين، دون سروال ، فيرتدي قميصه الخارجي ومعطفه فوقها، ويفضل النعال الصيفية المفتوحة التي يجرها جرا، على الاحذية الرياضية التي ينتعلها الشاب من هولندا تحت عبايته. حتى الشابة الهولندية تفضل حجابا يزين وجهها، ومعطفا طويلا يدثر مؤخرتها، لكنه يظهر ماركة السروال الفاتن الذي يضفي لونا إضافيا على مفاتن جسمها.
هذا على خلاف تام من الشابة في بلجيكا التي تكتفي بلباس تنورة أو جلباب وببعض أقمشة تلويها على جسدها حتى لا يظهر منه أي شيء.
حيثما تنتعل الشابات الهولنديات أحذية نسوية تحت سراويلهن، تجد البلجيكيات بدون سراويل وينتعلن تحت جلابيبهن أحذية رياضية. ربما في لباس السروال أو الاستغناء عنه، ولباس أحذية رياضية أو غير رياضية سنجد تفسيرا لظاهرة قدوم الذكور من الشباب الهولندي على الجهاد في سوريا ومن بلجيكا نجد الإناث من الشابات هن من يقبلن أكثر على الجهاد. إن التحليل بسيط جدا ومغزاه أن السروال ونوع الاحذية المنتعلة هما العاملين الاساسيين في هذه الظاهرة. خلاصة القول أننا شعب نتقاسم حب السهل من الاشياء فقط، فنترك القرارات الصعبة لغيرنا. نعتمر المساجد ولا نحدد ما نريد أن نسمعه ومن من نريده.
لا في هولاندا ولا في بلجيكا تجد أفواجا من الشباب ينتظرون دورهم أو شارة تأتيهم ليذهبوا الى الجهاد. لكن هناك فروقات وتشابهات كثيرة أخرى على مستويات شتى. فكلا الدولتين تنجزان أبحاثا علمية عدة ومهمة على شبابهما ذو الأصل المغربي وأنا أتمنى أن ينهض منا شباب يطلعون عليها ويقارنونها فيما بينها كي يتضح لنا المشهد الذي نعيش فيه أكثر.
*****
أخي الصغير شاب هولندي متدين. حين كان الجمع الذي كنا فيه يتحدث عن اختفاء البنات من بلجيكا والتحاقهن بالرجال طبقا لوصية إمام أو شبه إمام، قال أخي:
– آباؤنا كانوا يحرصون أن نبقى على الطريق الصحيح فيمنعوننا من دخول الحانات وتناول الكحول والمخدرات ولكن مع ما يقع الآن يجب عليهم أن يحرموا على بناتهم وبنيهم أيضا زيارة المساجد…حين رمق تلك النظرات المستنكرة لما قاله، استدرك:…. أقصد بعض المساجد وليس كلها.
في طريق العودة الى هولاندا اسمع أخي الصغير يقول:
– لقد تغيروا كثيرا ويظهرون غرباءا عني. ربما سأقاطع، سأقاطع بلجيكا وشبابها. لا أريد أي علاقة بهم.
قالها وكأن بشائر انفصال جديد بين شباب هولاندا وبلجيكا قادمة، وكأن الهوة تتسع شيئا فشيئا، وكأننا جنود في موقف ننتظر أول طالب يأتي، لنمنحه أنفسنا، لنقاتل لأجله. كلنا جنود في موقف: الرجال بسراويلهم وعلى هبة استعداد كامل. والنساء بأحذيتهن الرياضية، مستعدات أكثر….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.