شارلي إيبدو : حرية تعبير أم إهانة ؟

انطلاقا من الحماقات الإعلامية التي تتلاعب بمشاعر السذج، تم التعتيم عن حقيقة أساسية لفهم ما حدث بالواقعة الباريسية. شارلي إيبدو لم ترسم كاريكاتيرا للسخرية من داعش، تاريخها هو تاريخ كاريكاتير مسيء للأديان والسياسة الفرنسية، وحينما أقول مسيء فهو لا يتعلق بحرية التعبير كما يدعي البعض ممن يحسبون أنفسهم توماس بين أو هوبز أو ستيوارت ميل، تعجبني كثيراً الكاريكاتيرات التي تسخر من الأديان والإنسان والقضايا الاجتماعية أو العامة، لكن حينما يتعلق الأمر بانتقاد موضوعي يلمس عمق الموضوع. شارلي إيبدو الغبية تجاوزت الأمر حد إهانة الإنسان، وليس الأنبياء أو الإله ـ الذين يختلف الناس حول اعتبارهم عُصابيين وهلاوس أو حقائق سماوية، فهذا لا يهمنا ـ هناك فرق كبير أن أسخر من سوء اتقانك لأمر أو من أفكارك، أن أفضح فشلك وانتقد سخافاتك (من وجهة نظر خاصة)، وفرق بين أن أدعوك “ابن ال*** و**** و*****”، فذلك ليس حرية تعبير أو انتقاد، تلك إساءة نفسية تتساوى مع الإساءة الجسدية = والتي يعاقب عليها القانون.

لا أعني بهذا أن شارلي تستحق ما حدث، أو بتأييدي للأرهاب، أو الدفاع عن محمد أو عيسى النجار.. ما يعنيني هو الصورة الواضحة : شارلي كانت ترسم الناس ـ سواء أنبياء أو سياسيين ـ عراة ينكح بعضهم بعضه، أو حتى المسيح ينكح الله، وأشياء غريبة ملتصقة بمؤخرات الناس العاريين، وهذه تفاهة كاريكاتورية، حتى أن رسام كاريكاتير فسر الأمر على أنهم يقومون بتعرية الناس لتظهر الحقيقة، فاعتقدت بأنه سكران! طبعا لن تصل انتقادات الجريدة لانتقادات الكتاب والمسرحيين كنيتشه وبرنارد شو وديدرو ودولباخ وجيمس جويس الخ، لكن عند هؤلاء يظل النقد أنيقا وساحراً لأنه يلمس عمق الموضوع، دون اهتمام بسب وشتم الموضوع أو تسخيفه جنسياً (أي الإهانة للإهانة، والإساءة بغرض الإساءة)! ودون حتى أن يفقدوا محبة الناس لهم من كافة الأطياف (رغم نقدهم الرهيب!). أما شارلي إيبدو المستفزة والتي تعي أننا لا نعيش بيوتوبيا أفلاطون، حيث أن هناك من لا يستحملون الإهانة ليردوا بعنف ـ رغم أنه (العنف) أمر مشين، وضد دمقرطة الدولة ـ إلا أن الغباء المتعامي جلب عليها الويل.

المسألة تطرح العديد من الأسئلة : عن حرية التعبير وتجنبها للسامية ؟! عن حرية التعبير وإفادتها للإنسان أم إهانته ؟ وعن السخرية كسبيل لتحمّل الحياة أم لكره الذات ؟ فالأفضل أن نتركها.

أما بالنسبة للجانب الآخر، وهم الإرهابيون، فتلك النماذج التي تجلب الكره والبغض للمسلمين والملحدين الذي يشبهون المسلمين ظاهريا (بسبب الجينات)، فلا أدري لماذا يتم التركيز دائما على مرجعيتهم الدينية ؟ على الرغم من أن التصرف الإرهابي قد ينتج من كل متحمس لبطل خرافي ما، حيث أن هؤلاء الحمقى المضطربون عقليا يعتقدون نتيجة هلاوس ـ تصدر عن التدريس الإبتدائي الفاشل أو خطب الجمعة بشكلها الحقير ـ أنهم يتقمصون دور أبو بكر الصديق أو عمر أو الحجاج أو خالد ابن الوليد، فيُحضرون حروب قريش المنسية لأي مكان.. بالإسلام هناك أقلية عدوانية حمقاء، وإلا لكانت نهاية العالم لو أن كل المسلمين إرهابيين، فهم بكل مكان يتواجدون.

أنا شارلي، ضد سلب حرية وحق الإنسان بالحياة، لكنني إنسان يسعى كما الجميع للعيش باحترام وكرامة ـ لا أن تجد نفسك بعد طول سنين من تأسيس كرامة، مرسوما بشكل عاري وبمؤخرتك حذاء ! ـ إذا كان الإنسان العادي لن يقبل بالأمر، فهل سيقبل به بالنسبة لمن يراه كآيدل Idol – هذا إن لم نُشِر أن الأمر يتعلق بحرية تعبيرية فنية بالأساس كما عند سالفادور دالي أم مجرد تجليات اضطرابات هوس جنسية.

يجب على الناس كما يقول هايدغر ب”أن يفكروا بأنهم لا يفكرون”، يجب أن نكون أكثر ذكاء، أن نعرف كيف نسخر دون جلب البلاء، أو على الأقل حماية أنفسنا ضد المتوقع؛ وأن نكون أكثر ذكاء للرد على الإهانة بطرق ذكية : المسلمون أكثر ما كانوا سيفعلونه هو أن يقيموا تظاهرة، أو ينشروا مقاطع دينية أو صور بروفيل دينية، أو إذا بدلوا جهداً أن يعيدوا رسم الرسامين بشكل ساخر.. أما القتل فذلك من أمر السيكوباثيين، لا يجب خلط الأمور : فحينما قتل مسيحي طبيبا لأنه يقوم بالإجهاض (المحرم إنجيليا)، تم اعتباره مجرم، مضطرب نفسي، لم ينظر لكل المسيحيين على أنهم قاتل واحد !

أكثر ما يثير الانتباه بالمسألة، هو أن البعض فرحوا بالأمر! وآخرون اعتبروا أن ما حدث لجماعة الصحفيين أمر مستحق! لكنهم يحلمون ـ كما دوّنوا دائما بمواقعهم ـ بالعيش في دولة غربية ـ بظل الديموقراطية والقانون فوق الجميع ـ أو كأضعف إيمان أن يتزوجوا أوروبية، أو حتى قصة حب!! فيا لوضاعتكم! لو أنهم يحبون محمد لذهبوا للمسجد لحفظ القرآن أو تزوجوا ذات الدين تربت يداك، بدل أن يقوموا بجمع حسابات كل الأوروبيات : ترغب بإضافتها فتجد أحدهم (صديقا مشتركا) سبقك إليها ! ثم تجده كالخروف وراء الجماعة يؤيد لعن الكفار لكسب رضى أصدقائه أو بنات صفّه ! تحتكم الأمور لدينا في ظل حرماننا وعجزنا، للجنس والقومية البلهاء وليس للعقل.. فهذا الأخير لا يزال بعيدا عنا، خرافي بامتياز !

طبعاً لكل شخص أن يقول ما يريد، بطريقة أن ترقص بحرية كما تريد لكن دون أن تدوس على قدمي، بالمجتمع هناك مساحات فردية مهما بلغ هذا المجتمع من تطوره، بل لن يتطور إذا لم تكن هناك مساحات احترام بين الأفراد.

لكن بالأخير شارلي إيبدو تستحق الحياة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.