سيليا، شهرزاد، وأشياء اخرى

د.موسى أغربي

حراك الحسيمة

هي الأن بين القضبان، إنها الاختيار، اختيارها هي وهو اختياروجودي بالمعنى الهيجلي للكلمة، هذا هو الموقف الإنساني الأزلي منذ فجر التاريخ ومنذ أن دخل الإنسان في صراع لا ضد الطبيعة، بل ضد العبودية واغتصاب كرامة الإنسان، وقد يتمثل لنا هذا الصراع في صورة الصراع بين البطل الأسطوري والآلهة التي تهيمن على كل شيء، وبين المستبد شهريار وشهرزاد، أو كما تذهب إلى ذلك تحاليل المادية التاريخية والمادية الجدلية حول الصراع بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، أو الصراع بين المراكز الهامشية أو المراكز المركزية، بين السيد والعبد، تعددت الأسامي والصور ولكن العملة الواحدة هي أن الجدل التاريخي يفرض هذا الصراع، ومن هنا فإني سأوظف في هذا السياق مفهوم جدلية السيد والعبد كما صاغه هيجل في فينومولوجيا الروح.

فمن هو السيد ومن هو العبد؟ أو من هي السيدة ومن هي العبدة؟ هل هو السجين أم السجّان، أو هل هو الذي يكشر عن أنيابه وأضراسه مثل شهريار، ويحمل الهراوة والكليموجين وترويع الناس في الساعات المتأخرة من الليل في إمزورن وغيره، أو الذي يصرخ سلمية سلمية ولا يحمل لا حجرا ولا خنجرا، وبعبارة أخرى من الأقوى ومن الأضعف؟ التفكير السليم يقتضي الإيمان بأن المفاهيم أو الكلمات ليست ثابتة كالأصنام ولكنها متحولة ومتغيرة بفعل وجود التناقض الداخلي بصورة جدلية، بمعنى أن السيد هو في حقيقة أمره عبد، والعبد سيد.

ما معنى هذا كله؟ وكيف يمكن للسيد أن يتحول إلى عبد والعبد إلى سيد؟ الجواب البديهي بل البدائي هو أن السيد هو الذي له اليد العليا ويفرض “أناه” في الميدان، أي ميدان، أو بتعبير هيجل أن السيد هو الذي يثبت الذات وينتزع اعتراف الأخر، أي سما إلى مرتبة الوعي بذاته، الوعي الحر المستقل الذي يرى في “الوجود من أجل الذات” الحقيقة الأساسية الجوهرية، في حين ان الثاني (العبد أو العبدة) هو الذي يحيا عبدا ذليلا لأنه رضي بالحياة التي تفضل بها عليه الأخر، غير أن هذا المبدأ التراتبي (hiérarchique) سرعان ما ينهار في خضم الحركة الجدلية في التاريخ الإنساني.

فالسيد أو الامبراطور أو أي X في معناه لا يعدوا أن يكون قد كون صورة مزيفة عن وعيه بـ”استقلاله الذاتي”، أي أن الاعتراف الذي انتزعه من العبد دون أن يعترف لهذا الأخير بوجوده الذاتي، هو اعتراف مزيف سرعان ما يتلاشى وتنقلب الأضداد رأسا على عقب، لأن هذا السيد المزيف تتوقف حياته على عمل العبد، بل أن التاريخ من وجهة نظر هيجل هو في الجانب الاكبرمنه “ثمرة لجهود العبد الشاقة المضنية من أجل الحصول على الحرية الحقيقية” (انظر زكريا ابراهيم، هيجل، أو المثالية المطلقة، ص ص: 204- 211).

هذا النضال الشاق والمضني من أجل الحصول على الحرية الحقيقية هو الذي جعلني أعود إلى البدايات الأولى إلى الأسماء “الأنثوية” الأسطورية التي سطرت بداية الملاحم من أجل تحرر الكائن البشري سواء كان ذكرا أم أنثى، شهرزاد الأنثى تحررت من همجية شهريار على أساس انتزاع اعتراف هذا الأخير بوجودها، والوعي بهذا الوجود، ولم تتحرر وحدها بل حررت الأخريات، والتحرر لا يعني مطلقا الحفاظ على الحياة فحسب بل الحفاظ على معناها الذي لولاه لكانت عبثا، ألا وهو الإحساس بالكرامة خارج أسوار الذل والعبودية، هذا الأساس هو الذي يخيف النظام الكومبرادوري لأنه يريد للعبد (أو المستعبدين) أن يظلوا على عبوديتهم بل أن يدافعوا عنها ويقدسوا من يحرمهم من حريتهم، فالطغاة لم يتنزلوا من السماء ولكنهم ثمرات استبداد واستغفال الشعوب تماما كما كانت تفعل الشعوب الغابرة حينما كانت تصنع أصنامها الألهية ثم تعبدها وتقدم لها القرابين، الفرق بين هذه الأصنام وطغاة هذا الزمان هو أن هذه الأصنام لم تكن تملك قوات التدخل السريع والهراوات التي تنهال على رؤوس الأبرياء، فرق آخر هو أن هذه الاصنام لم تكن لتفرض الهيمنة على شعوبها أو معبوديها، ولذلك فإن هذه الشعوب كانت مطمئنة لأنها لم تحس في يوم من الأيام أنها آثمة، وهذا حدث قبل نشوء ايديولوجيا الخراب. وفرق ثالث هو ان “معبود” الشعوب الغابرة لم يكن يعاني من أمراض نفسية كالسكيزوفرينيا مثلا، انظر أيها القارئ الكريم إلى هذه الصور- المأساة: الفرق العسكرية المدججة بالهراوات وقنابل الغازات السامة أمام جماهير من الشباب والأطفال لا تملك غير الأيادي المعلاة كرمز للاعتزاز بالذات، وبمعنى آخر فإن شهريار وضع الحديد الفتاك مقابل أيادي بريئة، ألا يعتبر هذا جبنا أملاه الفزع، والمفارقة أن الذي يملك قوة السلاح هو في حقيقة أمره جبان، بل إن كل من يلجأ إلى العنف هو فاشل بالمعنى الواسع للكلمة مثله مثل أي مخلوق حيواني إذا حاصرته في الزاوية يكشر عن انيابه. وهنا أستحضر الصورة الرائعة التي صاغها سارتر في معرض الحديث عن العلاقة بين ممارسة العنف والقوة التي هي في الحقيقة علاقة عكسية وليست إطرادية مثلا: إذا أراد شخص ان يفتح زجاجة الشمبانيا (أو أي زجاجة أخرى حتى لا يغضب خفافيش الظلام!) فاستعصت عليه، أي أنه لم يقوى على حلها فماذا سيفعل في هذه الحال؟ إنه حينئذ أمام ضعفه وعجزه عن حل الزجاجة بالتؤددة يلجأ إلى كسرها، والكسر هنا لا يدل على أنه نتيجة الإحساس بالقوة بقدر ما ينم عن الشعور بالضعف و العجز، في هذا السياق نطرح هذا التساؤل: لماذا تعتقل فتاة مثل سيليا ذات الأربعة والعشرين ربيعا! نعم يحق لكم اعتقالها أنتم الذين تملكون قوات التدخل السريع، وأنتم الأخرون ايضا الذين تملكون ايديولوجيا الخراب! لأن سيليا اسمى وأعظم من شهرزاد، سيليا لم ترض شهريار زوجا بل إنها لفظت لأنه لا يطاق، بخلاف شهرزاد فعلى الرغم من نبلها الإنساني فإنها رضيت به زوجا بعد أن أنسنت حيوانيته، ولكن ذلك لم يمنع من ظهور شهريارات على مر التاريخ، وأما خفافيش الظلام فإنهم لا يرون في خروج الأنثى، بل وهذا هو الأفظع في نظرهم، أن تكون في وسط المعركة، فكيف في نظرهم تقود النساء الرجال والشباب إمرأة قالت عنها إيديولوجيا الخراب بأنها خلقت من ضلع أعوج، أو أنها مثل ذيل كلب (الكلب البلدي) إذا وضعته في قصبة أربعين يوما فإنه لا يستقيم، أو أن صلاحها هو طلاقها، ولذلك فإن مكانها الطبيعي هو المؤخرة حتى في معرض المسيرات الوطنية!! لكن سيليا المناضلة ومثيلاتها وأمثالها من المناضلات والمناضلين ذكّروني بشخصيات أنثوية أسطورية وتاريخية، وهي لا يمكن إلا أن تبعث عن الإعجاب المقرون بالفخر في زمن رديء حيث المرأة – الأنثى لم تتخلص بعد من الجراثيم الثقافية التي يبشر بها خفافيش الظلام سمحت لهم عناقيد التفاهة المنتشرة في كل أصقاع الدنيا وقام بفضحها الفيلسوف اليوناني المعاصر كورنيليوس كاستورياديس الذي رأى أن “ارتقاء التفاهة سمة العالم الحديث”، من البديهي جدا أن يعتقلوا سيليا لأنها ومثيلاتها تجسد الدرب المضيء للإنسانية، إن الشعوب المتحضرة وحدها هي التي تحترم إنسانية المرأة، والشعوب الحنبلية وحدها أيضا هي التي تئد المرأة أو تلبسها كفنا أسود من قمة رأسها إلى أخمص قدميها، إن الرمز الاسطوري الأنثوي لشمال إفريقيا مثل تيهيا وتانيت لازال يطل علينا لإختراق الأفاق المظلمة ليصفع ترهات الأغبياء وتعرية تفاهتهم الممقوتة، فأمام هذه الآفاق المظلمة لا يمكن للمرء إلا أن يعجب بحرائر المغرب اللأئي خرجن لا في إطار المطالب الفئوية وهي مشروعة على كل حال وبقوة، بل في إطار الوقوف ضد انتهاك كرامة الإنسان انّى وجد، هل يمكن للذاكرة الإنسانية أن لا تستحضر في زمن التفاهة والتافهين “أثينا” الرمز لدى الإغريق، إنها الإلاهة المقدسة التي هي رمز العلم (انظر YVON knibiehler : la verginité feminine. Edition ODILE jacob 2012 p 18)

لقد نظر الإغريق إلى أثينا باعتبارها خرجت من رأس زيوس كبير الألهة، لا من ضلع اعوج وكذلك كانت المناضلة جان دارك تناضل في سبيل دحر النظرة الدونية للمرأة ولذلك فإنها كانت تحاكي ملابس الرجال وكأني بها ترفض وصاية الرجل بالمعنى السياسي لا بالمعنى الجنسي، فلماذا يمكن للمرء ان يتعجب إذا راى حرائر المغرب في قلب المعركة السلمية بل وفي مقدمتها. فعلا إنها الصخرة وقد حرّكت البحيرة الأسنة! إن مقطعا من أغنيتك “أياون محند” يكفينا وزيادة! لماذا! لأنها صرخة في وجه من قال ذات يوم ومن على شاكلته إنه لا يعرف موقع الحسيمة، فليعرفها الآن بعد أن يتجرد من ثرثرته التي بوأته عن جدارة الدرجة السفلى من التفاهة السياسية.

التفاهة المقصودة هنا ليست بالمعنى العادي والمبتذل، بل بالمعنى الفلسفي كما صاغها الفيلسوف اليوناني المشار إليه آنفا. ما مناسبة هذا القول: مناسبته أيها القارئ الكريم هو ان تروع اسر بفعل اعتقال ابنائها او بالأحرى اختطافهم، فتشد الرحال إلى مكان يبعد ب 600 كلم عن الحسيمة إمعانا من لدن المخزن في الإذلال والتعذيب النفسي، ولا يسمح لها برؤية أبنائها إلا دقائق معدودة، فهذه تفاهة، ولا يسمح لها أيضا بالحديث بالأمازيغية فهذا ضرب من التفاهة التي لا يمكن أن يزنها أو يقدر حجم تفاهتها حتى ميزان الخيال الفونتاستيكي. إنها حقا من الاستثناءات التي يتمتع بها هذا البلد الجميل حقا ولكنه غريب وعجيب في الشق الآخر منه الذي تجسده أعتى التفاهات: هل أبالغ أنا؟ لا أبدا لأن منع الأمازيغية وفي مؤسسة رسمية بعد ست سنوات من الترسيم الذي لا وجود له إلا في الوثيقة الدستورية لا يمكن أن يكون شيئا آخر غير الاستهتار والإمعان في الإنكار، ولكن دعونا نعطي ما لله لله وما لقيصر لقيصر. أقصد أن من خبر أدبيات الحركة الأمازيغية ومطالبها سيدرك أن من تعصب ضد الأمازيغية على حق والحق كاملا لانه لا يعدو ان يكون ضمن الحالات الآتية: فهو إما أن يكون سليل البدو الرحل من الزناتيين الذين انهزموا أمام بداوة بني هلال وبحكم أن الرحل كما يقول (غوتييه) لا يملكون إلا قطيعا من الأغنام، فإنهم حينما ينهزمون يتماهون مع من هزمهم، ولذلك لا نستغرب إذا ادعى هؤلاء النسب العروبي بل وقد يضع شجرة ضخمة من الأنساب تنتهي بفصيلته إلى أرض الربع الخالي، أو قد يكون من الشرفاء الذين انحدروا من درية عقبة بن نافع أو نظيره الغازي عبد الله بن أبي سرح تمما كما يفعل بعض الأقوام في زمننا هذا، وأما الحالة الثانية فإنها ناجمة عن مرض متأصل لدى بعض النخب سواء اكانت سياسية أو ثقافية تنفر من أي لغة غير لغة قريش المقدسة، وهكذا نلمس أحيانا في بعض المرافق الإدارية ان أي مواطن لا يسعفه لسانه الأمازيغي على النطق بغير هذا اللسان، يتم نهره وقمعه ويطلب منه التكلم ب “العربية”، فبالأمس القريب كانت بعض العناصر التي لغمت بها الإدارة في منطقة الشمال تستفز المواطن الريفي وترغمه على أن يستبدل لسانه بلسان أعجمي وهذا ما اسهم في تأجيج حركة الاحتجاجات في مرحلة 1958-1959، ولا زال هذا المنطق الكسيح والبله متجذرا إلى حد الساعة لأن شروط انتاجه في أواخر الخمسينات لازالت قائمة. وأما الحالة الثالثة فإن القوم يدركون بدون شك أن الأمازيغية تسهم إلى حد كبير بل هي الطرف الأقوى الذي يحطم بمعول التحليل التاريخي والعلمي ترهات وخزعبلات “الحركة الوطنية” حول التاريخ المغربي وثقافته وحضارته. ولذلك انخرط الجميع في معاداتها ومحاربتها يمينا ويسارا.

إلا أن السؤال المطروح هو: أين يحدث في أي بلد من الدنيا ان يمنع شخص من الحديث بلغته الم حتى ولو كان هذا الحديث محصورا بين شخصين ومن وراء حجاب وفي مؤسسة رسمية وفي بلد يقر دستوره بأن هذه اللغة رسمية، إذا صح هذا كما تدوول في مواقع التواصل الاجتماعي فهذه مصيبة، والأدهى من ذلك أن لا تتحرك النيابة العامة للتصدي لهذا الإرث العنصري الذي ولد منذ 1930 وفي إهاب من الوطنية المزيفة والراسخة في نسج الأوهام والهرطقات حول تاريخنا المشوه من طرف أولائك الذين كانوا وما زالوا يعرفون كيف يصلون إلى مواقع السلطة ولكنهم لا يعرفون كيف يحكمون (إذا أردنا أن نستعير كلمات الفيلسوف كورنيليوس قالها في حق النخب السياسية في الغرب وفي فرنسا تحديدا سواء أكان الأمر متعلقا باللبيراليين أو الاشتراكيين، فهؤلاء كما يقول كلهم يتواطؤون في الاتجاه نفسه وللنتائج نفسها، أي للتفاهة) أنظر نص الحوار في مجلة الاستغراب العدد 6 شتاء 2017.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.