“سيلفي” جون كيري مع الفيل اليتيم وغرقى المتوسط

مشهد أول

قبل أيام قليلة تناقلت وسائل الاعلام العالمية صورة “سيلفي” لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري مع فيل صغير، قِيل أن الفيل الصغير يتيما، يعيش في حديقة “شيلدرك” في نيروبي عاصمة كينيا، المخصصة لرعاية يتامى الفيلة، وبعد زيارة الوزير للحديقة أصرّ أن يأخذ صورة “سيلفي” مع الفيل اليتيم، كما أصرّ على أن يطبطب ويمسّد على ظهره لِيُخفّف آلام اليتم عليه.

وزير الخارجية الأمريكية تنقّل إلى أفريقيا مصحوباً بأزيد من 200 رجل أعمال، كما أن وسائل الاعلام كشفت أن جدول أعمال الوزير في القارة السمراء هو مضاعفة الجهود في التنسيق مع هذه الدول لمواجهة الارهاب، وخاصة حركة “الشباب الصومالي”.

مشهد ثاني

قبل أيام أيضا ليست بالكثيرة عرف المتوسط كارثة انسانية بكل المقاييس، في ظرف ثلاثة أيام غرق في البحر ما يزيد عن 1000 مواطن هاربين من الحرب والجوع والبؤس الاجتماعي، مواطنون ينحدرون من سوريا والصومال وايريتريا، والعديد من الجنسيات الافريقية خصوصا، نعم في سنة 2015 غرق ما يزيد عن 800 مواطن في رحلة واحدة، خرجت من ليبيا في اتجاه السواحل الايطالية، فامتلأ المتوسط بجثث الهاربين من أتون الحرب وطاحونة الجوع والبؤس، وتم رميهم في البحر دون أن يرف جفن للضمير الانسان العالمي ولا أن يرمش حتى.

المنظمة الدولية للهجرة قالت في بيان لها أن عدد الذي قضوا في المتوسط ينتظر أن يتجاوز 30 ألف مواطن هذه السنة، بزيادة عشر مرات على حصيلة السنة الماضية… نعم نحو 30 ألف قضوا وسيقضون هذه السنة محاولة منهم الالتحاق بالضفة الشمالية بحثا عن الخبز والكرامة المهدورين في بلدانهم الأصلية.

تركيب

كان حظ صورة “سيلفي” جون كيري مع الفيل اليتيم أفضل من صورة جثث المتوسط، صورة كيري والفيل اليتيم جالت العالم واستأثرت باهتمامه، بينما كان حظ غرقى المتوسط الندب واللطم والتنديد اللطيف، ثم خلصت الحدوثة بوجود ميل نحو اتهام قائد السفية ومساعده في مسؤوليتهم على الحادث، تماما كما حدث مع التحقيق في فاجعة طانطان بتحميل المسؤولية لسائقي الحافلة والشاحنة الذين قضيا نحبهما في الفاجعة؟؟؟

فاجعة غرقى المتوسط ليست بهذه البساطة والسذاجة حدّ الاستهتار بحيوات أناس كان قدرهما أن يولدوا في بلدان عانت الأمرّين: من استغلال ثرواتها من طرف القوى الاستعمارية، ومن بعد خروج هذه القوى عمدت الى تثبيت ركائزها في التحكم في هذه البلدان حتى يتم استمرار حلبها كما كان يحدث في عهد الاستعمار المباشر.

وعندما أستحضر أمريكا في هذا الموضوع، ليس للبحث عن مشجب لا ناقة ولا جمل له في القضية، بل لقناعة راسخة لديّ أن أمريكا هي بمثابة حكومة العالم، ألا يقال أنها دركي العالم؟ أو لنستعين بمثال أقرب إلى واقعنا، أمريكا بالنسبة الى العالم مثل الملكية بالنسبة الى المغرب، صحيح ثمة حكومة وثمة برلمان ومؤسسات جهوية ذات علاقة بتدبير الشأن المحلي، لكن الملكية هي الحاسم في كل القضايا الكبرى، الحكومة وباقي المؤسسات يظل لعبها محدوداً، لا يمكن أن يطال الموضوعات الاستراتيجية، وذلك ما عبّر عنه بنكيران بوضوح حين قال ما مفاده: لو أقدم الملك على قرار أراه غير شرعي ويتنافى مع الشرع فإنني سأعمل بقرار الملك رغم قناعتي انه غير شرعي. كذلك شأن أمريكا مع العالم، هي المتحكمة وهي المسؤولة عن كل القضايا الاستراتيجية، بينما يبقى لباقي الدول حظ حكومة بنكيران والمؤسسات المحلية المنتخبة، وكلّ الكليشيهات التي قد تُظهر هذه الدولة أو تلك بأنها خارج الصف فهو مجرد ادعاء أجوف يطفو بصدد القضايا غير المصيرة أما عند ساعة الحقيقة/ ساعةوماما أمريكا، انذاك الكل يسبح بحمد البيت الأبيض، لا الدب الروسي ولا التنين الصيني ولا الملا الايراني بمكنته أن يهدهد مصالح أمريكا الاستراتيجية.

الهجرة هي قضية انسانية عالمية، ليست هي مشكلة دولة بعينها ولا حكومة فقط، بل هي نتيجة لهذا النظام الواضع قبضته على رقاب البشرية، أي النظام الرأسمالي في مرحلة انحلاله وتحلله…

أبناء القارة السمراء الذي يتوجهون مغمضي العينين لمراودة حلم الالتحاق بجنة الشمال، لا يفعلون ذلك لأن اللون الأبيض يجذبهم، ولا لأنهم تستبدّ بهم رغبة البحث عن شقروات أوربا، بل هم كذلك لأن بلدانهم وخيراتهم تعرضت لأبشع استغلال من طرف الاستعمار، ومازالت كذلك بفضل حكومات بيروقراطية فاسدة ومستبدة لكنها تحظى بعطف وحماية الغرب الامبريالي..

أبناء افريقيا الغرقى في المتوسط ليسوا أبدا ضحايا قائد السفينة، ولا ضحايا العصابات المتاجرة بمآسيهم فقط، بل هم أساساً ضحايا نظام عالمي استغلّ ومازال يستغل خيراتهم وينهب مستقبلهم، ثم بعد ذلك يكشف السيد كيري عن عاطفته الجياشة تجاه فيل إفريقي يتيم، وهو الذي اصطحب معه أزيد من 200 من مصاصي الدماء، جاؤوا إلى افريقيا للبحث عن امكانات استغلال أكثر، أي البحث عن الايقاع بضحايا أكثر، سيكونون أخيراً مجبرين على دغدغة حلم الالتحاق بالضفة الاخرى ولو عبر المقامرة بحياتهم عبر ركوب أمواج المتوسط.

تعليق 1
  1. ماقال الله والرسول والمؤمنون فيكم يقول

    فرنسا من نهبت وقتلت وخربيت عليه باعادة ما سرقته وفتلته وخربتة وتعويضات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.