fbpx

سيكولوجية بروكست..ملاحظات أولية حول تقرير شوقي بنيوب بصدد حراك الريف

محمد المساوي

قدم المندوب الوزاري المكلف بحقوق الانسان شوقي بنيبوب تقريره حول حراك الريف في ندوة صحافية صباح اليوم الخميس 04 يوليوز بمدينة الرباط.

وقسم شوقي بنيوب تقريره الى ثلاثة محاور: معطيات نوعية، استنتاجات، وتوصيات. ويهمني في هذه القراءة الأولية، تسليط الضوء على محور “المعطيات النوعية”، الذي بدا لي بعد قراءته، (التقرير متوفر على الموقع الالكتروني للمندوبية) أنه كان أحرى بالسيد المندوب أن يسمه بمحور “المعطيات الناقصة” وليس المعطيات النوعية، لأن تقرير السيد المندوب تعامل مع معطيات الواقع الميداني بسيكولوجية “بروكست”؛ قاطع الطريق في الميثيولوجيا الاغريقية، الذي كان ينصب سريره على قارعة الطريق، ويوقف المارة، ويقوم بالقائهم على السرير، فإن كان جسد الضحية اقصر من السرير يقوم بتمطيطه، وان كان جسد الضحية أطول منه، يقوم بقطع ما طال. كان بروكست يحرص على أن يكون جسد الضحية على مقاس سريره.

كذلك كان تقرير السيد بنيوب، كان هاجسه أن يكون التقرير على مقاس الرواية المخزنية، فقام بالقفز على كل المعطيات التي تفند وتفضح الرواية المخزنية، لقد اقدم السيد بنيوب على اسقاط كل المعطيات التي من شأنها أن تدحض الرواية المخزنية، ويمكن أن نشير بعجالة في هذا الصدد إلى هذه النقط الاساسية:

1- تحدث تقرير السيد بنيوب أن مظاهر العنف برزت لأول مرة يوم 6 فبراير 2017، والحقيقة غير ذلك، إن أن اول تدخل امني حدث قبل شهر من ذلك، ولكن لأن التدخل كان امنيا بحتا ولم تبدي الجماهير أي رغبة في مواجتها، اسقطه تقرير بنيوب. والحقيقة أن ليلة 5 يناير 2017 كان هناك اعتصام جزئي بساحة الشهداء وسط المدينة، فتدخل الامن لفض الاعتصام بالقوة، وهذا لم يورده بنيوب في تقريره، حتى لا يُفهم أن السلطات هي من بدأت بالعنف بعد 4 أشهر من التظاهر السلمي، لذلك قفز تقرير بنيوب عن هذه المحطة وذهب مباشرة إلى حيثيات فض مسيرة 6 فبراير 2017.

2- لم يرد في تقرير بنيوب ولو من باب الاشارة الحديث عن بعض السلوكيات المشينة لرجال الامن التي وثقتها الصور والفيديوهات، مازال اليوتوب وصفحات الفايسبوك تحتفظ بصور وفيديوهات تبين رجال امن يقومون بتكسير المحلات التجارية، وتكسير مصابيح الانارة في الشوارع، كما هناك فيديوهات تبين حالات عنف مورس على مواطنين عزل، في المقابل تحدث التقرير بوثوقية عن أحداث 26 مارس بامزورن، وتحدث أن ملثمين قاموا باشعال النيران في مبنى يضم رجال أمن، تحدث التقرير بناء على ما تبيّن لمدبجي التقرير من خلال متابعتهم للفيديوهات التي وثقت الحدث، وبل قام التقرير بتبني الرواية البوليسية ورد على كل الاسئلة والملاحظات التي طالت هذا الحدث من طرف حقوقيين واعضاء هيئة الدفاع، في المقابل لم يلتفت إلى التظلمات التي أوردتها تقارير حقوقية حول ما تعرض له المواطنون وممتلاكتهم من تخريب على يد بعض قوات الامن.

3- في سياق سيكولوجية “بروكست” اشار التقرير الى مسيرة 20 يوليوز بطريقة مقتضبة، وتحدث اساسا عن مبررات السلطات في منع المسيرة وحاول تزكيتها، واكد أن السلطات المختصة طبقت القانون في منع المسيرات ذاك اليوم، وأكد أن تدخل قوات الامن كانت قانونية، ثم سكت التقرير عن الاحداث الخطيرة التي عرفها ذاك اليوم. لم يتحدث التقرير عن أن قوات الامن تدخلت بشكل مباشر للاعتداء على المواطنين بمجرد تجمع اكثر من شخصين في الشارع، لم يذكر التقرير أن افراد قوات الامن استعملوا القوة بافراط، ومن مظاهر هذا الافراط في استعمال القوة، توجيه القنابل المسيلة للدموع الى صدور واجسام المواطنين عوض توجيهها الى الارض أو السماء كما هو معمول به في برتكول فض الاحتجاجات باستعمال القنابل المسيلة للدموع، وهو ما يشتبه فيه أنه كان سبب استشهاد عماد العتابي كما أوردت العديد من التقارير الحقوقية في الموضوع، وهذا الامر موثق بالفيديوهات، ومستعدين أن نمكّن السيد بنيوب بالعديد منها تؤكد هذا الافراط في استعمال القوة، كما يمكن أن نمدّ السيد بنيوب بفيديوهات توثق لعنف مبالغ فيه ضدّ الاطفال والنساء ومواطنين عزل.

4- لم يتحدث التقرير، ولم ينبس ببنة شفة حول استشهاد عماد العتابي الذي سقط يوم مسيرة 20 يوليوز، بسبب الافراط في استعمال القوة من طرف العناصر الامنية، كما أن حالة عماد العتابي لوحدها تحتاج الى تقرير مفصل، اذ ما زال لحد الان لم يتم الكشف عن التقرير الطبي لوفاته. اضافة إلى حالة عبد الحفيظ الحداد، الذي توفي بسبب مضاعفات استنشاق الغاز المسيل للدموع كما أكدت العديد من التقارير الحقوقية، اضافة الى حالات الوفاة غير المباشرة، ولكن كان لها ارتباط وثيق بالتدخل الامني العنيف والحصار الذي شهدت الحسيمة بعد انطلاق عمليات الاعتقال يوم 26 ماي 2017، مثل حالة والد المعتقل المرتضى اعمراشن.

5- شخصيا لم أفهم لماذا حاول التقرير أن يستنجد باليوسفي الذي قدم كتابه “احاديث فيما جرى” بالرباط في مارس 2018؟ ما علاقة الكتاب بأحداث حراك الريف؟ ألا نصبح هنا أمام ذاتية مفرطة سقط فيها السي شوقي بنيوب، فعمل على ربط هذا بذاك فقط لانه ربما مغرم بالسيد عبد الرحمان اليوسفي؟؟ وإلا فكان الاجدر بالسيد بنيوب، أن يشير ايضا بالمقابل إلى كتابات عبد الله حمودي في الموضوع، والى العريضة الدولية من أجل اطلاق سراح المعتقلين والتي وقعها مثقفون من طينة نعوم تشومسكي وجلبير الاشقر والمخرج الانجليزي كين لوتش واخرون…

سخلاصة:
من خلال هذه القراءة الأولية، يتبين أن السيد شوقي بنيوب في تقريره لم يسع إلى البحث عن الحقيقة في الموضوع، بل كان يحرّكه همّ أساس هو تبرير تدخل الدولة، وكذا تعضيد الرواية المخزنية حول أحداث حراك الريف، وهذا يشي بأن الدولة غير مستعدة لقول الحقيقة، وغير مستعدة للمصالحة، بل مستعدة كل الاستعداد لشيء واحد هو تكريس الرواية المخزنية للاحداث، وضرورة أن يصبح الكلّ مؤمنا ومقتنعا بما جاء في هذه الرواية، وهذا مدخل غير سليم للبحث عن الحلول، بل هو بمثابة بحث مشروط عن الحلول المفترضة، واشارة غير مطمئنة لمستقبل الملف.
لنا عودة إلى الموضوع بتفصيل أكثر.


اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.