سن التقاعد وانطلاق بداية المعاناة عند المهاجر المغربي

فاتح يوليوز 2014 :

قريبا سيحل علينا فاتح يوليوز. هذا التاريخ الذي يشكل بالنسبة للجيل الأول من المغاربة القاطنين بهولاندا والذين لم يذكر لا اليوم ولا الشهر من السنة في تواريخ ازديادهم، سيشكل جنب فاتح يناير فاصلا كبيرا هنا حيث تستعمل هولاندا هذه التواريخ الافتراضية لتسجيل المواطنين في سجلاتها.سيدرك مئات من المغاربة في فاتح يوليوز سن الخامسة والستين من عمرهم، سن دخول المسنين المغاربة في التقاعد، سن الراحة من متاعب العمل ومتاعب حياة مليئة بالتضحية والمعاناة لأجل خدمة عائلاتهم ووطنهم الاصلي جنب الموطن الذي استقبلهم والذي منح لهم امكانية عيش كريم. أغلبية المغاربة لم يستطيعوا طول حياتهم أن يفعلوا أكثر من بناء أو شراء شقة أو منزل لهم ولأولادهم. لكن في أي حلة سيحل فاتح يوليوز ومصائر المغاربة موضوعة بين مطرقة وسندان؟ كي نفهم سياق هذا التاريخ ، فما علينا الا الرجوع الى الوراء لمعرفة الظروف العامة وسياقها الذي سيلون الحياة ما بعد التقاعد.

الظرفية العامة:

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية قام المفكر الهولندي أبراهام دو سوان بالتنظير لمفهوم دولة الرعاية والرفاه التي ستمنح وجها إنسانيا للبرالية والرأسمالية المتوحشة وبالتالي ستحفظ هولاندا بالخصوص من السقوط في ‘مخالب’ الزحف الشيوعي لما كان يعرف سابقا بالاتحاد السوفياتي . هكذا تم التأسيس لمنظومة عريضة من القوانين التي تأسست على مبدأ: الرفع من الضرائب التي يدفعها المواطن مقابل تحمل الدولة لمسؤولية ضمان الحد الادنى للأجور و(شبه) مجانية التعليم والصحة والعناية، وحماية الشغيلة من إجحافات أرباب العمل عبر تقديم مجموعة من الضمانات واشكال الحماية لهم اثناء العمل اوالتسريح او التقاعد بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتراجع الخوف من ثورات اجتماعية، تم بشكل ملحوظ اضعاف دور النقابات في المجتمع و’خلق’ أزمات أو استغلالها للتراجع تدريجيا على مكتسبات تاريخية مهمة مقابل الحفاظ على الضرائب المرتفعة التي يدفعها المواطن للدولة في هذا الاطار غيرت الحكومات المتعاقبة بعض القوانين ونقصت من بعض التعويضات وشددت مراقبتها في تطبيق هذه القوانين الصارمة.

التقاعد والحد الأدنى للأجور :

تضمن الدولة الهولندية لمواطنيها الحد الأدنى للدخل والاجور الذي يبلغ حاليا 1360,13 أورو بالنسبة للعائلات. في حالة انعدام الدخل أو في حالة ان يكون دخل المواطن أقل، فتكون الدولة مجبرة لتقديم تعويضات اضافية حماية للحد الأدنى المتفق عليه. في هذا الاطار تتكلف ” مصلحة العمل والدخل” بهذه المهمة بالنسبة للغير المتقاعدين ومؤسسة بنك التأمين الاجتماعي، (sociale verzekeringsbank ‘) ” تتكلف بها للمتقاعدين. التقاعد نفسه يتم بناؤه تدريجيا ويتأسس عاى عمادين. عماد متعلق بالاقامة في هولاندا وعماد له علاقة بعدد السنوات التي قضاها المواطن في العمل على طول مسار حياته. كي يحصل مواطن على تقاعد كامل فيجب علىيه أن يكون عاملا له دخل ويكون في نفس الوقت مقيما رسميا في الاراضي الهولندية بداية من سن الخامسة عشرة وهذا ما لا يتوفر في مغاربة الجيل الاول الذين التحقوا بهولاندا أوائل ستينات القرن الماضي، حيث أتووا الى هنا وهم في سن أكبر بكثير عن سن الخامسة عشرة. لهذه الفئة العريضة من المتقاعدين تضيف الدولة الى دخلهم الصغير معونات اجتماعية حتى نقطة الحد الادنى من الاجور. المعونات تقدم فقط في حالة ما إن كان المعني بالامر لا يمتلك ثروة تتجاوز 11.700 أورو بالنسبة للعائلات أو نصف هذا المبلغ بالنسبة للأفراد. الثروة تضم كل الأملاك الشخصية من حلي ومجوهرات وسيارات وأرصدة بنكية وعقارات..

فاتح يوليوز موضع الألم:

في نص سابق تحت عنوان: الجالية المغربية بين مطرقة هولاندا وسندان المغرب‘ تم التطرق الى ‘سابقة لم نشهدها من قبل وأحدثت ضجة كبيرة بين المغاربة، حيث بعثت هذه المؤسسة ثمانية آلاف رسالة دفعة واحدة الى المغاربة المسنين وتطلب منهم فيها بأن يمدوها بنسخة من بطاقة التعريف الوطنية المغربية وتحذر الذين يحجمون عن هذا، بتوقيف مساعداتها لهم’ هذا في حين أن غيرهم من المواطنين ذوو أصول أخرى قد تم فقط تقديم معلومات لهم عبر القنوات العامة وتشمل التغييرات التي أحدثت في القوانين ودعوة المسنين للتصريح بممتلكاتهم لدى الجهة المعنية في إطار ما يسمى ب: Inkeerbeleid أي سياسة الإفصاح الطوعي. لقد حاججنا في النص المذكور مشاركة الدولة المغربية في فتح سجلاتها التي تضم معلومات حساسة حول مواطنيها لدولة أجنبية مما قد يعد تنازلا سافرا عن السيادة المغربية فيما يتعلق بحماية مواطنيها. كل الوقائع تشير الى أن هناك بين هولاندا والمغرب اتفاقية سرية أبرمت وسيشرع في العمل بها بداية من فاتح يوليوز القادم.

العواقب المنتظرة مقابل سياسة الإفصاح الطوعي:

بعد فاتح يوليوز سيجد المسن المغربي نفسه وجها لوجه أمام وضعية قانونية جديدة وجد صارمة، حيث في حالة عدم الافصاح قبل التاريخ المحدد والذي سيعفى ‘التائبون’ من العقوبات والمتابعات القضائية وسيخفض الرسوم الضرائبية، ستقوم السلطات الهولندية بعملية تجريد للأملاك وستعاقب الحالات غير المفصح عنها بغرامات تصل الى 300% حيث العقوبات الحبسية لم تستثن من الاجراءات. كما سيتم بالنسبة للمسنين المغاربة توقيف معوناتهم. المركز الأورو- متوسطي للهجرة والتنمية الذي سبق أن ندد بالرسائل غير البريئة التى وجهت للمسنين المغاربة، يعتقد أنه لا يحق لمؤسسة بنك التأمين الاجتماعي أن تلزم المعنيين بالأمر وأزواجهم بتقديم نسخة من بطاقة التعريف الوطنية، ليتسنى للموظفين بالمؤسسة بالحصول على معلومات حول ممتلكات المتقاعدين لدى السلطات المغربية وينصح المسنين على الامتناع. لكن حسب وجهة نظري فالمسألة متشعبة ومعقدة أكثر لأن اجراءات مؤسسة بنك التأمين الاجتماعي ليست منفردة في حد ذاتها بل هي جزء فقط من إجراءات كثيرة وتعرف شركاء كثيرون وأهمها مصلحة الضرائب للدولة الهولندية التي تفعل المستحيل كي تتعقب ممتلكات مواطنيها خارج البلاد. تضغط السلطات الهولندية على الدول أو تبرم معها اتفاقيات بإيعاز من الاتحاد الاوروبي كي يتسنى لها التفتيش. في هذا الاطار رضخت للضغط حتى دولة النمسا ولوكسمبورج المعروفتين بأبناكها التي لا تدلي بأي معلومة لمصلحة أخرى ، وستفتح سجلات أبناكها متخلية عن مكانتها المتميزة لأجل هذه العمليات التفتيشية.

لا توجد لدينا أية معلومات حول حركية البيع والشراء وتحويل العقارات على أسماء أخرى لدى الجالية المغربية، ولا نعرف كمية الإستفادة عند الدولة المغربية في هذه الظرفية الزمنية من الرسوم والاقتطاعات والضرائب بسبب هذه العمليات، لكن المسن المغربي الذي ادخر منزلا في حياته، يجد نفسه مجبر الان بأن يبيعه ويقتات بقية عمره منه. لا نعرف تبعيات هذه العمليات على سوق العقار بالمغرب ولا إن كانت ستسبب هذه الاجراءات في تغيير معادلة تحويل العملة الصعبة ليكون مصبها هولاندا بدل الموطن الأصلي للمسن المغربي. كل ما نعرفه هي الظروف الصعبة والخريف القاسي الذي ينتظرهم، أمام اجراءات هولندية لا تعرف الرحمة مقابل تعاون مفتوح من طرف الادارات المغربية.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.