سنة من الحملة القمعية على الريف.. ماذا بعد؟

في غضون نهاية هذا الأسبوع ستكون قد مرة سنة كاملة من الحصار والإختطافات والمحاكمات الصورية في حق أبناء وبنات الريف. وقد كشفت الدولة خلالها عن الطابع المخزني المستبد المتأصل في دواليب مؤسساتها وأحهزتها وفي أعماق وعيها الشقي. وهي سنة تنكرت فيها الدولة لخطابها الذي كان يتشدق بالحكامة الجيدة والمفهوم الجديد للسلطة والإنتقال الديموقراطي وغيرها من الشعرات التي ما عادت تعني شيئا، وتخلت عن إلتزاماتها الدستورية والدولية في مجال حقوق الإنسان، وأبانت عن ضيق صدرها وأفقها في التعامل مع الحراك الشعبي بالريف وامتداده في مناطق أخرى من المغرب والشتات، رغم رفعه لمطالب عادلة ومشروعة وتبنيه للسلمية كخيار إستراتيجي في إحتجاجاته.
فقد أرجعت الدولة، خلال هذه السنة، عقارب ساعتها المهترئة إلى الماضي الأسود: ماضي الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، فكأن البلاد لم تعرف تجربة الإنصاف والمصالحة، ولا كل تلك “الأوراش الكبرى” التي قيل عنها أنها تؤسس للإستثناء المغربي في محيط جيوسياسي يطبع دوله الإنهيار والفوضى. كأن قدر المغرب أن يظل أسير ماضيه الأليم وإن إقتضى ذلك إنتحاره في متاهاته المسدودة.
وقد كانت تلك الحملة القمعية عقابا وانتقاما من الريف الذي عرف حراكا شعبيا سلميا كان يريد القطع مع ماضي وواقع الحگرة والطحن والإذلال وبناء وطن الكرامة والحرية والعدالة. وعبر الأشهر السبعة التي أعقبت طحن الشهيد محسن فكري تواجهت بالريف إرادتان: إرادة المخزن النكوصية والإستبدادية وإرادة الحراك الحرة والمستقبلية.
وحين عجز المخزن عن طحن الحراك ميدانيا بالمناورات والرهان على عامل الزمن، حين لم تنل حملة التشويش والشيطنة والتخوين التي شنها على نشطاء الحراك من مصداقيتهم ومن إلتفاف الجماهير حولهم، حين بدأ الحراك يتمدد في كل الإتجاهات مغربيا وأوروبيا، لم تجد الدولة ما تواجهه به غير إستعدة طابعها المخزني والتماهي معه بشكل فضيع وصادم. فاستعادت أسلوب الحَرْكَة التي كان يتم بها قمع تمرد القبائل في الماضي. ليجد الحراك الشعبي بالريف نفسه أمام حَرْكَة مخزنية مسعورة إنطلقت مع بداية شهر رمضان من السنة الماضية وفِي تزامن مع الذكرى الواحد والتسعين لاستسلام عبد الكريم الخطابي والقضاء على الجمهورية الريفية من طرف التحالف الإستعماري الإمبريالي والمخزني وبعد إحراق الريف أرضا وشعبا بالأسلحة الكميائية المحرمة دوليا، وللمخزن ذاكرة تاريخية ماكرة يتقن تكييفها مع الوقائع فعلا وتأويلا.
ولم يجد المخزن أي منفذ لشن حملته الأخيرة على الريف غير تسخير المؤسسات الدينية وتوظيفها لتصفية حساباته مع الحراك ونشطائه. وبذلك أقحم المخزن نفسه وأقحم البلاد بأسرها في دوامة لن يقوى على الخروج منها إلا بخروجه هو ذاته من جسد الدولة والإنسحاب منها إلى مقبرة التاريخ، رغم ممانعته المستميتة، ولربما بسببها.
إن إضطرار المخزن لضرب حراك الريف إنطلاقا من واقعة خطبة صلاة الجمعة المشؤومة ليوم 26 ماي 2017 يعني أنه لم يجد قبلها وطوال مسار الحراك ما يبرر به حملته القمعية، وإن كل ما تتضمنه محاضر المعتقلين من تهم جنائية خطيرة (العنف، التآمر على الدولة، الإنفصال، التمويل الأجنبي…)، وكل ما صرح وسيصرح به شهود الزور من إفادات تهدف لتثبيت تلك التهم على المعتقلين الحراكيين السياسيين السلميين، إن كل ذلك ليس إلا ترهات فبركتها مخيلة الذين أشرفوا على طبخ تلك المحاضر: مهندسو الحملة القمعية على الريف.
فمن المؤكد أنه لو ثبت أن نشطاء الحراك إقترفوا أي شكل من أشكال العنف أثناء خرجاتهم الإحتجاجية لكانت الدولة باشرت الإعتقالات في صفوفهم من حينها، ولما ظلت لسبعة أشهر وهي تتصيد أخطاءهم بدون جدوى، لتضطر في الأخير لاختلاق واقعة خطبة الجمعة كي تنزل بقمعها الأهوج على الريف. وهي التي كانت تتابع عبر أجهزتها المخابراتية المتعددة تفاصيل تحركات نشطاء الحراك وتصريحاتهم وإحتجاجاتهم، مع أن الحراك منذ بدايته دأب على بث أنشطته واجتماعاته وخطاباته على مواقع التواصل الإجتماعي وبالمباشر.
وبعد سنة من الحملة القمعية على الريف إنضافت مآسي وكوارث إنسانية جديدة ومهولة إلى سجل تاريخ الريف في علاقته بالمخزن. فقد حصدت تلك الحملة المئات من المعتقلين الأبرياء شملت القاصرين وذوي العاهات ولم تستثني النساء، وهم مشتتون على سجون مختلفة، كما حصدت شهداء جدد والعديد من الجرحى والمعنفين، بجانب المئات من المهاجرين خوفا من الإعتقال وهروبا من الحصار المضروب على الريف.
وإذا ما كانت الدولة قد راهنت على ترهيب الشعب وإسكاته من خلال قمع حراك الريف فإن سنة من القمع لم تخرس الشعب بل أججت غضبه ودفعته للإحتجاج على سياستها القمعية بطرق لم تعهدها منه سابقا. فقد فجر حراك الريف طاقة الشعب النضالية وأطلق إرادته الحرة لانتزاع حقه الطبيعي في الحرية والكرامة والعدالة.
وحين انتبهت الدولة إلى إمتداد الحراك الشعبي بمختلف مناطق المغرب عمدت إلى تعميم الحملة القمعية مغربيا، فقمعت حراك زاكورة وجرادة وكل الحراكات الإحتجاجات السلمية الأخرى.
ليكون جواب الشعب المغربي على لغة القمع التي لا تتقن الدولة سواها هو إبداع شكلا جديدا من أشكال المقاومة المدنية: حراك المقاطعة.
وحراك المقاطعة هذا هو أحد أبرز ما أفرزته سنة من الحملة القمعية على الريف وعلى مختلف مواقع الإحتجاجات الإجتماعية بالمغرب. وبقدرما ما هو إحتجاج فتاك بالجهات التي يستهدفها بقدرما هو عصي عن أن تطاله الحملة القمعية.
وهذا الحراك يبين أن القمع وبكل أشكاله هو في حد ذاته
مشكل وليس حلا لمشكل، إن القمع لا يحل الأزمات ولا يوقف الإحتجاجات وإنما هو يذكي هذه ويعمق تلك.
واستمرار الدولة في تبني خيار المقاربة القمعية للإحتجاجات السلمية سيغرقها في مستنقع إنتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان. وليس أمامها من مخرج غير القيام بمراجعة جذرية لسياستها وخياراتها والإستجابة الفورية لمطالب حراك الريف ومطالب باقي الحراكات الإجتماعية بالمغرب وأول تلك المطالب هو إطلاق سراح كافة المعتقلين الحراكيين والسياسيين ووقف المتابعات. ولعل المدخل إلى ذلك هو إحياء مختلف المبادرات التي أطلقتها مجموعة من الإطارات والفعاليات المدنية والحقوقية لحل أزمة الريف التي هي مجرد تجل من تجليات أزمة الدولة وفشلها المتعدد الأوجه، ذلك الفشل الذي تم الإعتراف به رسميا في أكثر من مناسبة.
وقد كان حري بالدولة أن تعتقل وتحاسب من تسببوا في فشل مشاريعها الإقتصادية والتنموية والتعليمية والإجتماعية لا أن تعتقل وتحاكم بتهم واهية من عروا ذلك الفشل وفضحوا نفاق المسؤولين وفسادهم.

جمال المحدالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.