سلطات الملك (الدينية و السياسية) بين التغييــــــر و التغريــــــر

  • سلطات الملك :

من خلال قراءتنا للتاريخ نجد أن السلطة السياسية غالبا ما تظهر مساوئها من خلال قهر و قمع المجتمع و نهب الثروة و اهدار الحقوق و الحريات ، وكحتمية تاريخية برز من يناهضها باعتبارها شر في حد ذاته يجب القضاء عليها و اقامة مجتمعات لا مكان للسلطة السياسية فيها (نموذج الماركسية في نظريتها عن الدولة و اضمحلالها) كما ظهر في الوقت نفسه من يرى أنها ضرورة حتمية للمجتمع و لا يمكن الاستغناء عنها لتنظيمه و انسجامه ، فهي أي السلطة السياسية و حسب هذين الموقفين يجب أن ترمي الى تحقيق النفع العام و كلما تجاوزت مسؤوليتها يكون من الضروري تقييدها و خضوعها لإرادة الشعب و سيادته وعليه تصبح بين السلطة السياسية و المسؤولية توازن في العمق و لا يجب ان تشوبها اختلالات و إلا سينتج عنه شيوع للدكتاتورية و قتل للديمقراطية (نموذج العالم الثالث).

فالمغرب من طبيعة الحال لم يكن خارج هته المعادلة فلقد انخرط بدوره في هذا المسلسل و منذ عقود طويلة بحيث عرف خلال حقبة القرن 19 نخبة مخزنية لكنها لم تظهر بمظهر السلطة السياسية – الطبقة الحاكمة – و السبب كان يرجع الى الدور الذي كان يقوم به السلطان أنداك في صنعها و اختيارها         و مراقبتها كما ينزع منها نفوذها و ثروتها ، و منذ مطلع القرن 20 دأبت السلطة السياسية بالمغرب على اقامة نظام دستوري تيمنا لما و صلت اليه الديمقراطيات الغربية فكانت البداية سنة 1908 تاريخ تبني أول مشروع دستوري الذي كان يتوخى منه تحديد السلطات المخولة للسلطان و المجلس الدستوري   و مجلس الوزراء إلا أن هذا المشروع لم يكتب له الولادة بسبب الظروف المتلاحقة خاصة انتقال الملك من السلطان عبد العزيز الى عبد الحفيظ و كذا ابرام اتفاقية الحماية سنة 1912 فمنذ ذلك التاريخ لم يعد التفكير لدى السلطة السياسية هو المسألة الدستورية كأولية الأولويات بل هو العرش و تركيز أعمدته ، وفي عهد الملك محمد الخامس سيتم التأكيد على ضرورة منح دستور للبلاد و ارساء قواعد الملكية الدستورية بالمغرب ففي 1956 تم افتتاح أول دورة للمجلس الوطني الاستشاري ثم تلاه تأسيس المجلس الدستوري إلا أن تلك التجربة باءت بالفشل بسبب تشبث الاحزاب السياسية الوطنية أنداك خاصة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بانتخاب جمعية تأسيسية تسهر على و ضع الدستور مما حدا بالملك للتدخل لإيجاد حل توافقي غير أنه حدث أن وافته المنية و في ظروف حرجة 1962 والتي قيل عنها سنة الدستور و المؤسسات التمثيلية ، ففي 07/12/1962 عرف المغرب أول دستور عرض على الاستفتاء الشعبي ثم تلاه مسلسلات تحديثية 1970/1972/1992/1996 الى 2011 الدستور الحالي للبلاد مع فترة تعليق أو حالة الاستثناء 1965 الى 1970 .

و في نفس السياق التاريخي فان اشتغال المؤسسات الدستورية ظل يثير العديد من الاشكالات المتعلقة بسلطات الملك اتجاهها سواء على مستوى التقاطع أو الهيمنة ومن هنا تلوح بوادر الاشكال المتعلق بمحدودية تلك السلطات أين تبتدئ و أين تنتهي ؟

فسلطات الملك تعتمد على مشروعية رباعية :

  • مشروعية تعاقدية ( البيعة )
  • مشروعية دينية ( امارة المؤمنين )
  • مشروعية تاريخية ( تجربة قرون )
  • مشروعية دستورية ( القانون الوضعي )

والتي يمكن اختزالها في مشروعان أو سلطتين دينية و سياسية:

  • السلطة الدينية ( أمير المؤمنين ):

انها الرئاسة العظمى و الولاية العامة الجامعة القائمة بحراسة الدين و سياسة الدنيا و القائم بها يسمى خليفة و اماما و هو الوالي الأعظم الذي لا والي فوقه و لا يشارك في مقامه غيره و هو ما يقصد به بإمارة المؤمنين في شريعة الاسلام ،وما يمكن استنتاجه من هذا التعريف هو أن نظام الحكم في الاسلام بدأ خلافة ثم انقلب ملكا ، فكيف انتقلت هته الشرعية الى المغرب ؟

يقول الملك الراحل الحسن الثاني في كتابه ( ذاكرة ملك ) :* اننا لم نأتي الى هذا البلد لنستولي على الحكم و انما أتينا لأنه طلب منا ذلك… فقد ظن الناس أن وجود واحد من آل الرسول سيقيهم سوء هذا البلد ، و شاءت معجزة التاريخ أن يصادف وصول جدي الحسن الى المغرب السنة التي نجت فيها تلك الواحات من الهلاك فمكثنا هنا * فالسلطان حسب هذا الطرح يستقي مشروعيته من ذاته باعتباره غير ذي عصبية تم استدعائه للحكم في ظروف تاريخية محددة (دينيا،اقتصاد يا،ثقافيا…) و التي ترسخت عبر قرون وتخللتها فترات استقرار و قوة وكذا ضعف و انهيار لكنها أي الملكية ظلت مستمرة في الزمان.

من خلال ما تقدم يبدو أن هنالك ترابط بين الشرعية و المرجعية التاريخية أو ما يسمى بالموروث السياسي كأساس للملكية المغربية التي انتقلت خلال مرحلة الاستقلال الى اعادة هيكلة ذاتها بحيث     لا يمكن تصور وحدة وطنية بدون مؤسسة امارة المؤمنين و هنا لا بد من الاشارة بأن الدولة المغربية هي ملكية بالأساس أكثر منها دولة أو شعب بحيث الوحدة تتمحور حول شخص الملك و ليس حول المؤسسات وهذه المقاربة أنتجت ازدواجية في منزلة الملك فهو أمير المؤمنين و رئيس دولة و به تصبح المشروعية الدستورية مضافة ، فالدستور وما يتضمنه من نصوص لا تقيد الملك بل هي كاشفة لأمر قائم في الواقع المكرس عرفيا و تاريخيا و عليه صارت الملكية بالمغرب موروث ينطلق من الماضي و يستمر في الحاضر كضرورة.

  • السلطة السياسية ( الدستور ):

سنحاول في هته النقطة الوقوف على مجمل الصلاحيات الممنوحة للملك انطلاقا من الدستور بدءا     من الفصل 4 الذي ينص على ان شعار المملكة هو ( الله،الوطن،الملك) الى الفصل 180، فمن خلال قراءتنا لهته الفصول يتضح جليا بان الحكومة المغربية تبقى مسؤولة أمام الملك الذي يحظى بمكانة استثنائية في المنظومة الدستورية خاصة و أن هذه المكانة تجد سندها في المرجعية التاريخية للملك بوصفه أمير للمؤمنين ،فالدستور المغربي المعمول به حاليا يقر بسلطات واسعة للملك خاصة في مراقبة العمل الحكومي ، فدور الحكومات و نظرا للمسؤوليات التي تتحملها في ظل الأنظمة البرلمانية فما يطبع عملها هو الطابع المؤسساتي بحيث لا يمكن تصور مجهودات الحكومة إلا ضمن مشروع ينضبط لقواعد العمل المؤسساتي والذي يصب في تحقيق النفع العام و به تكون الحكومة خاضعة للمراقبة السياسية ،

أما في المغرب فالنظام المغربي قنن مسؤوليتها أمام سلطات الملك و ذلك عبر نمطين من المراقبة التعيين و الاعفاء بل تمتد هذه الوصاية – المراقبة – حتى أثناء مزاولتها لمهامها عبر المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك و الذي يدرج فيه جميع القضايا المسموح بها للحكومة لتمارس فبها صلاحيتها  الأمر الذي أدى الى اعتبارها في نهاية المطاف سوى أداة لتنفيذ برنامجه هذا في الفترات العادية أما في حالة الاستثناء فان جميع السلطات تعود للملك،و حده فجل التعديلات التي أدخلت على المسؤولية السياسية للحكومة حافظت على نفس المبتغى هو سيادة الملك على الشأن العام بل صار من الثوابت التي لا جدال فيها فللمجلس الوزاري الذي يترأسه الملك كل الصلاحية للبث في اي مشروع قانون  الذي يقر فيه بشكل نهائي قبل ايداعه على انظار البرلمان الذي يقتصر دوره على التزكية كيفما كانت توجهاته و لو ان كان لا يخدم المصلحة العامة أو يتعرض مع برنامج الحزب (الحاكم) و الذي يعتبر بمثابة ميثاق تعاقدي مع الشعب بصفة عامة .

 

الخلاصة التي يمكن أن نخرج بها من هذا العرض الوجيز هي عبارة عن توصية تتمثل في كون سلطات الملك يجب أن تكون موضوع تداول و مساءلة تطرح على مائدة نقاش مفتوحة وبمشاركة كل الأطياف حتى تمارس كل مؤسسة سلطتها و تحاسب انطلاقا من برامجها لا من خلال التعليمات و هو ما أشار اليه الملك في أول خطاب العرش بحيث تطرق لضرورة الوصول الى التداول الديمقراطي حول السلطة،إلا مفهوم التداول صيغة بطريقة فضفاضة يحتمل أكثر من تفسير فغياب الدقة والتفصيل في أمور عدة (مشروع مخطط،سياسة عامة،حالة الاستثناء…) يجعل الباب مشرعا لكل الاحتمالات و التأويلات حسب مصلحة المشرع في الزمان و المكان ، و في الأخير يبقى السؤال المحوري حول الدستور المغربي في شقيه (مسطرة تشكله ، صياغة بنوده ، مطلب اصلاحاته) مطروحا حتى تحصل القناعة لدى السلطة السياسية بذلك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.