سكيزو الحولي …

“………يا بني إني أرى في المنام إني أذبحك ، فانظر ماذا ترى ، يا أبت افعل ما تأمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ” الصادقات 102 .

ربما لا يدري في خلد الكثير من المسلمين وهم يتفننون في اختيار أضحياتهم أن المغزى الرباني من ذلك ليس هو نوع الأضحية و ثمنها أو حتى سلالتها … بل المغزى من ذلك أعمق بكثير. و يكفي أن نتأمل الحوار الراقي الذي جرى بين الابن إسماعيل والأب إبراهيم عليهما السلام بعد الرؤية التي رآها هذا الأخير في المنام و هو يذبح ابنه، علما أن رؤية الأنبياء حق ، و رغم ذلك سيستشير الأب ابنه ، الذي وجده متفهما ممتثلا لأمر ربه .

هذا الامتثال توج بأضحية قدمتها الملائكة لإبراهيم مكان ابنه إسماعيل و التي ستتحول مع مرور القرون إلى مهرجان سنوي لاستنزاف الثروة الحيوانية و المالية. كلما اقترب العيد إلا وحمل معه همه من مصاريف تثقل كاهل الأسرة المتوسطة قبل الفقيرة، ومن عادات خرجت كثيرا عن النطاق الروحاني للمناسبة فتجد الأسواق المغربية الأسبوعية منها والممتازة تجدها تعج بكل أشكال الأغنام و حتى الأبقار و الإبل في بعض المناطق، و في ذلك مراعاة لذوق الأسرة التي لا تكتفي فقط بالشروط البسيطة التي يجب أن تتوافر في الأضحية، بل إضافة إلى ذلك تحرص كل الحرص على النوع و السلالة و الوزن و كذلك الثمن الذي كلما ارتفع ” إلا ؤ رضو مالين الدار ” كيف لا و الجيران و العائلة ينتظرون تقييم الأضحية و المؤسف في الأمر أن هذا النفاق انتقلت عدواه إلى الأطفال في المدارس حيث تجدهم يتحدون بعضهم البعض ” الحولي ديالنا اكبر من ديالكم “.

في خضم هذا النفاق و كل الضغوطات تزيد الأسرة من تعميق جراحها المالية و تلجأ إلى ديون أخرى تضيفها إلى لائحة القروض التي لم تسدد بعد بسبب تزامن العطلة الصيفية و رمضان ، و بعدها الدخول المدرسي و عيد الفطر ، ولا تجد أمامها سوى أن تطرق أبواب الأبناك هذه الأخير التي لا تتوانى في تقديم تسهيلات و إغراءات تبدو للوهلة الأولى محفزة و مؤمنة ، و الغريب في الأمر أننا نمتثل لأمر الله في شي ” الأضحية” و نعصى نهيه في شئ آخر ” الربا” .

إن الدول المغاربية و إن كانت تمجد قيم الاستهلاك إلا أنها تبقى واعية بمسألة تغيير هذه العادات السلبية مقارنة مع دول الخليج التي تستنزف ثروة حيوانية مهمة ربما قد تهدد بانقراض بعض الأصناف، والأدهى من ذلك أن الإعلام العمومي لهذه الدول يفتخر كثيرا بنحر الجمال و الأبقار… و تجد أسرة مكونة من زوجين و جنين لم يرى النور بعد قد نحرا جملا و كلهم فخرا و اعتزازا على هذا الانجاز الخارق.

إن الفهم الخاطئ لمناسبة عيد الأضحى لا يمس الجانب الاقتصادي و الاجتماعي فقط بل يتعداه ليشمل جوانب أخرى فترى الازبال منتشرة هنا و هناك و في شوارع كبريات المدن، و كالعادة رجل النظافة الذي من المفروض أن يُكَرَّمَ في مثل ذلك اليوم ” عيد الأضحى ” تجده يظل منحنيا لعدة أيام ينظف ما أسفره نحر أضحية في لحظات، كما أن مرضى السكري و الكولسترول يرخصون لأنفسهم مشاركة الأهل و الأحباب في ابتلاع الشحوم و الدهون رغم درايتهم بمدى خطورتها على صحتهم.

إننا كمجتمع يعيش و يهدف إلى التغيير بعد بوادر الربيع الديمقراطي قبل أن نسعى جاهدين لإسقاط الفساد و الاستبداد الممارسان علينا من طرف صناع القرار علينا أولا أن نسقط الاستبداد الذي نمارسه على أنفسنا و أن نتحرر من جملة من العادات السلبية التي لا تجلب ورائها إلا مشاكل نحن في غنى عنها، وإذا كان إبراهيم وإسماعيل “عليهما السلام” قد امتثلا لأمر ربهما عن طواعية فنحن نمتثل رغم أنفنا لأمر مجتمع ساهمنا كثيرا في تكوين بعض من قيمه والتي آن لها الأوان أن تتغير.

 

موظفة/ طالبة بكلية الآداب بالرباط

A. Electronique :

z.aityassin@gmail.com

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.