سكوب.. الجنرال في نقاهة وليس من حق العصافير الغناء على سريره.

في جلسة مع أصدقاء لي قبل أيام قليلة، تجاذبنا أطراف الحديث حول خبر ظلّ يتصدّر الصحف الورقية وعناوين المواقع الالكترونية، الخبر يقول :”اعتداء على الجنرال عبد العزيز بناني في المستشفى العسكري بباريس يؤزم العلاقات بين المغرب وفرنسا”، صحيح ثمة تنويع في انتاج العناوين التي تناولت الخبر، لكن جلّها كان يجمع على أنه كان ثمة اعتداء أو في أحسن الأحوال استفزاز غير مقبول على الجنرال بناني، سألني صديقي:

– ما قصة ذلك الاعتداء الذي تعرض له الجنرال بناني في باريس؟ ومن اعتدى عليه؟

هممت للحظة، ثم طفقت أشرح لصديقي الخبر وما الذي حدث، ومن “اعتدى” على الجنرال، حكيت له قصة الخبر وأطلعته على الرسالة التي ضمّنها الضابط مصطفى أديب باقة الورد التي اهداها للجنرال والتي تسلمتها ابنته منه…

بعد ذلك نظر إليّ صديقي باستغراب وقال لي: وهل هذا اعتداء ؟ قلت له هو ذا المخزن يا صديقي وهي ذي صحافتنا أيضاً… فهم المعنى، ضحكنا كثيراً ورحنا نُنكّتُ حول المخزن، والعياشة، وطبيعة هذا النظام، وصحافتنا المصونة، تلك السائرة في ركاب العزف الجماعي مع المخزن، تشاء حيثُ يشاءُ هو، وترفض حين يرفضُ هو…

عود على بدء، لفت انتباهي كثيرا ذاك العزف الجماعي لجلّ المنابر الاعلامية في ترديد موال واحد حول موضوع توصل الجنرال عبد العزيز بناني بباقة ورد وبطاقة من الضابط السابق مصطفى أديب فيها موقفه من الجنرال ومن النظام الملكي، لكن الغريب في هذا الموّال أنه استقى نوتاته من القصاصة التي أوردتها “وكالة المغرب العربي للأنباء” والتي تقول مقدمتها :”استقبل  محمد ياسين المنصوري، المدير العام للدراسات والمستندات، يوم الخميس بالرباط، سفير فرنسا بالمملكة  شارل فري لإبلاغه استياء المملكة الشديد على إثر الاعتداء المعنوي الجبان الذي كان ضحيته الجنرال دوكور دارمي عبد العزيز بناني أمس في غرفته بالمستشفى الباريسي فال دو غراس من قبل المدعو مصطفى أديب.”

هذه هي الفقرة التي ألهمت “الصحافة الوطنية” بشقيها الورقي والالكتروني وراحت تتحدث عن الاعتداء والاستفزاز و…، لم تكلف نفسها عناء البحث ولا التقصي في ايراد الخبر، كان الكل يردّد “القول ما قالت لاماب” وعذرا يا حذام.

بعد ذلك سيتبين أنه لم يكن هناك اعتداء ولا استفزاز، بل زيارة من نوع خاص كما عنونت جل المنابر العالمية ، فالقصة وما فيها أن الضابط السابق مصطفى أديب الذي سبق له أن حوكم امام المحكمة العسكرية بالسجن لخمس سنوات، ثم تم تخفيضها إلى سنتين ونصف من المجلس الأعلى، والتهمة التي حوكم بها الرجل هي افشاء اسرار المؤسسة العسكرية، وماذا كانت هذه الأسرار؟ الأسرار التي اتهم أديب بكشفها تتعلق بحديثه لصحيفة لوموند الفرنسية عن الفساد المستشري في المؤسسة العسكرية، كما أنه صرّح أنه لم يلجأ الى الصحافة الدولية حتى استنفذ كل محاولاته من أجل ايصال صوته إلى الملك وإلى الصحافة الوطنية، لكن مراسلاته ظلت بدون جواب، حينها اتخذ قرارا حاسما وهو أن يتواصل مع الصحافة الدولية لا يقاف هذا النزيف وهذا الفساد الذي فاق كل الحدود،لكن اخيرا وجد نفسه هو الموقوف، وهو المتهم والمهدد بالسجن، وفعلا تمت محاكمته محاكمة جائرة بشهادة كل المنظمات الحقوقية الدولية، كما تم منحه جائزة “ترانسبارانسي” لمكافحة الرشوة..

ومن الرؤوس التي فرخت الفساد في هذه المؤسسة الذي تحدّث عنه أديب يوجد الجنرالان عبد العزيز بناني و حسني بنسليمان وغيرهما من رموز الفساد الذين يعرفهم العادي والبادي، بل أكثر من ذلك، بعد سنوات قليلة من محاكمة أديب سينشر موقع ويكيليكس برقيات رفعها سفير واشنطن في المغرب يتحدث فيه عن الفساد المستشري في المؤسسة العسكرية، ويذكر بالاسم الجنرال عبد العزيز بناني الذي يلقبه سكان المناطق الجنوبية ب “ملك البحر” لنفوذه الكبير وسيطرته على رخص الصيد ومقالع الرمال في المناطق الجنوبية، وذكرت احدى برقيات ويكيلكس أنه “بارون الحليب المجفف” وأشارت إلى سطوه على كميات الحليب المجفف المخصص للثكنات العسكرية وإعادة بيعه، كما أن رئاسته للمنطقة الجنوبية مكنه من أن يسيطر على 70% من الجيش المغربي بسبب مرابطة الجزء الأكبر من الجيش المغربي في المناطق الجنوبية، وزادت سطوته بعد اقالة غريمه عبد الحق القادري، كما أن فساد وتورط كبار الجنرالات في نهب خيرات هذا الوطن لم يكن وليد اليوم بل جاء متناسلا من توصية للملك الراحل وهو يوصي جنرالاته بعد المحاولتين الانقلابيتين لسنتي 1971 و1972، حينها ألغى وزارة الدفاع وصار الجيش تابعا للملك لا للحكومة وأوصاهم قائلا:”أنصحكم أن لا تهتموا بالسياسة وإنما اهتموا بجمع الأموال ومراكمة الثروة” هكذا ساح جنرالات ما بعد الانقلابين في الارض يبتغون فساداً ونهبا ومراكمة للثروات بطريقة غير مشروعة، وهكذا تم ابعاد قادة الجيس عن الرهانات السياسية والتفكير في الانقلابات، وتفرغوا كما أوصاهم الحسن الثاني لمراكمة الثروة.

ولنعود الى القصة بعد أن تعرفنا ولو بشكل موجز على طرفيها، الذي حدث هو أن الضابط السابق مصطفى أديب المتواجد بفرنسا استغل تواجد رئيسه السابق في الجيش نزيلا في احدى المستشفيات الفرنسية، وقام بشراء باقة ورد (صرح أديب أنه ارخص ورد في السوق) وبطاقة صغيرة عليها كلمة موجه من مصطفى أديب الى الجنرال بناني والتي أعاد نشرها على حائطه الفايسبوكي، خاطب فيها الجنرال ب”المجرم الذي قتل الاف الابرياء وشرد اليتامى” كما وصفه ب “ناهب خيرات المغرب” ثم ختم كلمته ب “يسقط نظام الديكتاتور محمد السادس، يحيا الشعب المغربي أبياً”، باقة الورد هذه التي حملها أديب الى حيث يرقد الجنرال، تسلمتها منه زوجة ابن الجنرال، ولم يتمكن من إيصالها إلى الجنرال بنفسه ولا استطاع رؤيته، بل اسرت إليه أن الجنرال  في حالة صحية لا يمكن فيها استقبال زائريه، كما وعدته بإمكانية زيارته بعد أسبوع، هذا ما بدا من خلال فيديو نشره الضابط السابق يوثق فيه زيارته للجنرال في المستشفى.

في الحقيقة الخبر عادي، وقصته منتظرة وليست بغريبة، فماذا كان ينتظر النظام المغربي من ضابط شجاع ارتأى أن يفضح الفساد دفاعاً عن وطنه فتعرض للسجن والحرمان؟ هل كانوا ينتظرون من أديب أن يذهب الى الجنرال ويقبّل يده، ثم يطلب منه العفو والمغفرة؟

كما أن مسألة تقديم هدايا “ملغومة” أو لنقل من نوع خاص إلى بعض الشخصيات هو أمر مألوف وعادي جداً، فكلنا نتذكر الفنان الساخر أحمد السنوسي الذي تلقى خلال اواخر التسعينيات وهو نزيل المستشفى ل “زرواطة” بوليسية ملفوفة في ورق الهدايا، قدمها له المعطلون الذين كان يتضامن معهم عندما تعرض لتدخل عنيف من طرف العناصر الأمنية أصيب فيها هو وعدد كبير منهم، قدموا له هذه الهدية الخاصة تعبيراً عن سخريتهم من القمع الذي يطالهم .

حتى الكلمات التي وجهها أديب إلى الجنرال كانت متوقعة ومنتظرة، ومن تحصيل الحاصل أن يخاطبه بالمجرم، وناهب خيرات المغرب، بالنظر إلى قصة الرجلين وبالنظر أيضا إلى معلومات تفيد تورط الجنرال في النهب والفساد، كما أن تعبير الرجل عن موقفه من النظام المغربي هو أمر عادي ومنتظر من رجل عانى الأمرين، فأين المشكل إذن، وكيف تداعت جلّ صحفنا وأحزابنا وشخصياتنا وعياشتنا… ومن تبعهم بغير احسان إلى ترديد نفس الاسطوانة؛ الاعتداء على الجنرال عبد العزيز بناني “حفظه الله” كما قال بنكيران في مهرجان خطابي بمدينة سلا؟

الأمر يتعلق باستنفار مخزني، لأنه اعتبر الأمر تطاولاً على جنابه “الشريفة” من خلال الزيارة غير المرغوب فيها من أديب للجنرال عبد العزيز بناني، فهذا الجنرال يعتبر ركنا ثابتا من أركان المخزن، أي مساس به هو مساس بالنظام ككل، وهذا ما استدعى كل هذا النفير والاستنفار والحشد، واستدعى تظافر جهود الاحزاب والقصر الملكي والصحافة و.. ومن أجل خلق إجماع وطني على عدم القبول بالمساس بأركان المخزن ولو كان هذا الركن غارق في الفساد حتى أذنيه، ولو كان هذا الركن جنرالا فاسدا سارت بذكره الركبان، علينا أن نذود عليه ونطلب من الله أن يحفظه لنا كما نصحنا رئيس الحكومة الذي طالما حدّثنا عن التماسيح والعفاريت، لكن عندما ترنح أحد هذه التماسيح خرج بنكيران ليطلب منا أن ندعو الله أن يحفظه لنا؟

في الحقيقة قصة صحافتنا وأحزابنا ورئيس الحكومة والعياشة و… مع هذا الجنرال والضابط السابق مصطفى أديب تذكرني بأدب أمريكا اللاتينية التي خص متنها جزءاً كبيراً منه للجنرالات والديكتاتورين الذي عشعشوا كثيرا في هذه المنطقة من العالم، وفي احدى روائع فارغاس يوسا روايته الموسومة ب “حفلة التيس” حدث أن غضب تروخييو ديكتاتور دومينيكان من رئيس مجلس الشيوخ “كابرال مخيخ” ونبذه، وبات ينتظر مصيره المحتوم، غير أن المسؤول عن أناقة الديكتاتور السيّد “مانويل ألفونسو “، أقنع الأب “كابرال مخيخ”  بخبث ماكر  ودعاه لأن يقدم ابنته الجميلة ذات الأربعة عشر ربيعاً “أورانيا” هدية لليلة واحدة لتروخييو الذي يبلغ السبعين، ليرضى عنه  ويقرّبه إليه ثانية.. يقول ألفونسو: “أتعرف أمراً يا مخيخ؟ لو أنها ابنتي لما ترددت لحظة واحدة. ليس من أجل نيل ثقته، وليس لأثبت له بأنني مستعد لأية تضحية من أجله. وإنما ببساطة لأنه ليس هناك ما يرضيني ويسعدني أكثر من جعل الزعيم يُمتع ابنتي ويستمتع بها” الروايةص293

فهل كان لسان حال صحافتنا وأحزابنا ورئيس الحكومة والعياشة.. يردّد على طريقة ألفونسو “ليس هناك ما يرضيني ويسعدني أكثر من جعل المخزن يُمتعني ويستمتع بي”؟

تعليق 1
  1. سعيد يقول

    مقال جميل وتحليل منطقي بلغة بليغة وراقية. استمر انك تنحت مسارا مميزا بكتابتك السي المساوي. برافو…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.