سقْف السُلطَة

بشكل عجائبي، يجد السيد “نِضَال” نفسه في الغرفة.

يجول ببصره في الأرجاء ، المكان أشبه بمرحاض عمومي ، إنه كذلك ، قال نِضال كما لو خاطب أحدهم ، ثم شرع في البحث عن شيء ما ، رافسا بقدمه الأوراق وكل تلك القذارة المنتشرة بعَبث ، دون أن يعلم عما يبحث ، وبلا فكرة عن سبب وجوده في هذا المكان .

رفع رأسه، كان السقف أبيض اللون، نظيفا بشكل غريب، حتى أنه يصعب إدراك أن ما أسفله هو قذارة نتنة. ابتسم له نِضال مخاطبا إياه : أرى أنك قذ صعدت إلى فوق كي تتجنب القذارة. أيها السقف.

لم يجب السقف ، ظل صامتا، ربما كان من المفترض عليه التكلم ، أو حتى إلقاء التحية .

لا يعلم السيد نِضال سبب وجوده في هذا المكان، لكنه شعر-بشكل فِطري- بالازدراء إثر تجاهل السقف له.

قال نِضال : كونك نظيفا ، لا يسمح لك بالترفع عن مخاطبتي.

السقف مازال صامتا

صرخ نِضال في حنق: تكلم أيها السقف، أيها الأرستقراطي الأبيض، أنت أعلى مني، ومن كل هذه القذارة، من سمح لك بذلك؟

ربما لا يعرف نِضال سبب وجوده في هذه الغرفة، لكن بدا له أن عُلو السقف عن الأرض واختلافه التام عما يوجد فيها، الشيء الذي يدل بشكل غير مباشر عن احتقاره واسترقاقه لها، هو أمر غير منطقي،و منافٍ لما يتنازع في داخله من أفكار ومشاعر مُبهمة.

تجمهرت كل القذارة حول نِضال ، الذي  أخذ يجوب الغرفة،  يردد شعارات-اختلقها لتوه-  جعلت السقف يضطرب ،البداية تأتي مُفاجِئة، القذارة وراء نِضال ،تردد ما يقول، لأول مرة تتكلم القذارة ، وُلدت صامتة ،لكنها الآن لم تعد كذلك ، بدا السقف مضطربا.

حمل نِضال الأوراق المتناثرة، ثم شرع في رميها على السقف ، القذارة تنقض على السقف، مثلما تنقض حشرات العثة على البراز. تطير الأوراق صوب الأعلى ،ضد كل هراء الجاذبية وقوانينها، أثناء الإنتفاض تتبدد مختلف القوانين ،وتتلاشى ، حتى الدستورية ، لأن الأمر إما أن يصير في يد المُنتفض، أو على رقَبتِه..

السقف يُسقط –عمدا-بعضا من أحجاره التي تنهال على كُوَم القذارة ، وعلى نِضال بالخصوص..

نِضال يصرخ، فليسقط السقف، السقف لا يسقط، هو يرسل أحجاره…القذارة تسقط ثم تنهض.

ينفجر السقف لأول مرة- صارخا : ماذا تبغون غيري ، حاميكم ، و حارسكم ، أ تخونون الولاء ؟

تشعر القذارة، أن كلامه كان تهديدا عاجلا أكثر مما هو خِطاب رسْمي ،ثم تصرخ : نريد ما وراء السقف !

يصرخ السقف :لا شيء بعدي ، وحيدا أنا ، فوقكم ، وحيدا أنا ، لي الولاء أو لكم الحجارة …

يصرخ نِضال : لا للسقف ، نريد ما خلف السقف…

القذارة تطالب بإسقاطه :فليسقط السقوط !

القذارة المُختفية على الجوانب ، أو المُهملة داخل سلة المهملات ، تخرج هي الأخرى وتنضَم إلى نِضال.

علم السقف أنه لا سبيل للمفاوضة، أو حتى التهديد، فأخذ يُكثف من شن حجارته على الثُوار.

ماتت قاذورات قبل هذا اليوم.

بعضها حُرِق، و نُثر رمادها على جوانب الغرفة

كي تكون عِبرة

بعضها أعيد تصنيعها ، بعد تذويبها في أقبية المعتقلات

فتحولت من لونها الجوهري،الثوري، إلى اللون الزهري

حِلِياً ،تزين صدور النساء

و أوراقا وردية هي رسائل حب عابر

بعيدا عن الغرفة،و عن ذكريات الثورة

وبعضها الآخر، أكَنَ الولاء الأبدي

فالتصق بجوانب السقف مُدَعِما إياه ، ومُناصِراً

بداخل الغرفة ، بعيدا عن أحلام الثورة

يصرخ نِضال :

من بناك أيها السقف ؟ من أعلاك ؟ من نصَبك جدارا على حريتنا ؟ أم ،أن لونك الأبيض الطاهر ، الطاهر المتعفن ، قد شفع لك   شمس الحرية ، وحيدا دون غيرك ؟

يتساقط الجص عن جوانب السقف

تحاصر نِضال، فكرة أن السقف ليس جزءا من السماء، وأنه قائم على هذه الجدران المتعفنة، السقف الأبيض الفاسد، يقوم على الجدران الأربعة القذرة، القذرة الطاهرة .

كي تعيش القذارة، و يسقط السقف، لا بد من التضحية بالجدران.

نِضال يحاول إسقاط أحد الجدران ، والقذارة كذلك، الجدران تتشقق ، الحجارة في انكسار ، كل شيء قابل للانكسار ، الجدار والسقف وأي شيء ، وحده ما وراء السقف غير قابل للإنهيار.

يُسقط السقف مصباحه المتوهج ، يشتعل المكان نارا ، القذارة تحترق ، يد نِضال اليمنى وقدماه كذلك ، دخان من هنا ، دخان من هناك ، لكن نِضال يستمر في تكسير الجدار ، القذارة بعضها ، يذوب ويتهاوى أرضا ،مُدرَجاً سائلا ، أو رمادا ، البعض الآخر ، غير قابل للذوبان ، يستمر في تكسير الجدران ، كَرْبون الدخان من أثر الإحتراق يتصاعد صوب الأعلى ، ويرسم ملامح سوداء غاضبة على سطح السقف الأبيض.

ويستمر التكسير….

جدار ،جداران، السقف يضطرب ، يتمايل مثل سكير يجابه السقوط ، شقوق تزحف مثل الموت ،ببطئ على سطحه ، ، أشلاؤه تتفكك، تتهاوى، ينتحي نِضال ، الركن حاميا رأسه ، وتزحف القذارة إلى الجوانب.

ثم سقط السقف.

وطغى على المكان صمت ، هو الصمت الذي يَلي العاصفة.

يقف نِضال، برأسه الدامي وملابسه المحترقة، رافعا رأسه إلى فوق، لا وجود للسقف، لا وجود للسقف.

مع سقوط السقف ، انسابت أشعة متوهجة عَمَت المكان ، تَبَينَ أن القذارة لم تكن سوى أوراقا بيضاء ، و أقلام و محابر بلاستيكية ، مع سقوط السقوط ،وانتشار أشلائه في المكان، ظهر أن السقف الأبيض كان عكس ما بدا عليه : نتِنا بأحجار سوداء تماما ، فتخرج القذارة من أشلائه المنهارة ، من دعامات وإسمنت ونفوذ واختلاسات ،وكل ما دعَمَه ، تَفِر هاربة بعدما لم تجد سقفا لكي تختفي في كنفه.

تمتد السماء زرقاء في الأفق البعيد، الأوراق والأقلام والمحابر، التي لُقبت قذارةً لزمن طويل،مذهولة مما أخفاه السقف خلفه طوال سنوات ، من سماءٍ ، هذا السقف الواسع …

 الأقلام الفارغة، والمحابر المُغلقة، تعلمت أخيرا التعبير بكامل حريتها ، على الأوراق البيضاء التي أخذت تمتلئ..

 وشعروا منذ تلك اللحظة أن ما يتنفسونه ليس هواءاً، وإنما هُوِيتهم المضطهدة .

قبل أن يختفي نِضال مثلما ظهر، بشكل غرائبي ،حمل الأحجار ، وشرع في بناء الجدران ، هذه المرة ، قرروا التخلي عن السقف ، و حماية أنفسهم بأنفسهم ، وتظْليل أنفسهم بأنفسهم ، وعقد الولاء مع السماء ومع حريتهم المفقودة . لكن شيئا ما بداخلهم يعلم يقينا ، أن أحدهم ذات يوم سوف يبني سقفا جديدا ، “السقف لا يبنى نفسه بنفسه”، من يعلم ؟ قد يثور أحدهم و يحاول إسقاطه، من يعلم ؟قد يُسقِطهُ نِضَال آخر، وأوراق أخرى، من يعلم؟  قد ينجح…قد يفشل ..لكن المهم  الآن أنهم   مكتفون بقِسط من الحرية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.