سـيـاسـة الـكـَـرْطـَـنـَـة أو كـَـرْطـَـنـَـةُ الـسـيـاسـة

عبد الرحمان الغندور

منذ إجهاض حركة 20 فبراير، و منذ دخول دستور 2011 إلى ثلاجة التنزيل، و أنا أتساءل عن اختفاء الحشود التي ملأت شوارع المدن و القرى و المداشر، أين راحت ” الجماهير و القوى الشعبية ” ؟ أين غاب الذين ناهضوا الفساد و شخصوا رموزه، و سموها بأسمائها؟ أين ارتكن من جعلوا النظام السياسي بعد ثلاث أسابيع ( 9 مارس 2011 ) يعلن عن برنامج الاصلاحات الدستورية و السياسية التي لم تصلح شيئا لحد الآن؟

صحيح أن السنوات الخمس الأخيرة، عرفت العشرات من الاعتصامات و الاضرابات و الحركات الاحتجاجية لفئات محدودة حول مطالب محدودة، لكن الحشود الجماهيرية التي شكلت حركة 20 فبراير اختفت و توارت و ارتكنت و احتضنها الغياب الكبير.
من بين الإجابات التي فرضت نفسها علي، هي تحول كبير و خطير عرفه الفعل السياسي و الفاعلون السياسيون و من يدور في فلكهم من نقابات و جمعيات و نشطاء و مثقفين…هذا التحول هو ” كـَــرْطـَـنـَـةُ الـسـيـاسـة ”
” الكرطنة” – من باب التوضيح – إسم أعجمي مشتق من علبة “الكرطون” التي تستعمل لجمع الأشياء بداخلها، و إحكام غلقها بشريط أو بلصاق، و لا تفتح إلا عند الحاجة إلى الأشياء التي بداخلها.
و”الكرطنة” في السياسة، هي جمع البشر الموالين لشخص ما ، داخل صندوق أو علبة من الكرطون ، و إغلاقها إلى حين الحاجة إليهم في محطات انتخابية، أو مؤتمرات، أو حالات عراكية، دفاعية كانت أو هجومية، يدوية أو شفوية….
الحقل السياسي المغربي بأحزابه و نقاباته وأغلب جمعياته وكل إعلامه. كله ” مـُـكـَـرْطـَـنٌ ” في صندوق وطني واحد لا يملك مفاتيحه سوى فاعل واحد، و ما عداه ليسوا سوى منفعلين أو مفعول بهم أو مفعول فيهم.
لكن كل واحد منهم له كرطونه الخاص داخل الكرطون الوطني، يجمع فيه الأتباع و الموالين من الأعيان إلى أبسط البسطاء الذين سيشكلون قاعدته الناخبة.
هنا تتجلى فلسفة “الكرطنة ” التي تصنف الناس إلى فئتين:
1- فئة المـُـكـَـرْطـِـنـِـيــن و هم خاصة الخاصة بما يتوفرون عليه من مال و جاه و سلطة و موقع سابق أو لاحق… و بما يملكونه من إمكانية توزيع بعض النعم مما غنموه أو الوعد بها و بما يتقنونه من فنون القول المدهون بالعسل، و ما يوظفونه من رمزية و رأس مال مادي و معنوي، و ما يستغلونه من مقدسات…
2- فئة المـُـكـَـرْطـَـنـِـيــن و هم عامة العامة و الأغلبية الساحقة من المغلوبين على أمرهم قسرا أو بإرادتهم، و الطامعين الذين يبيعون كرامتهم لإرضاء طمعهم، و الأتقياء الأغبياء الذين لا يدركون واقع ما يجري إلا بعد أن ” يطلع معهم القالب” و يضاف إلى هذا الهجيج كل من ذوي القربى و المساكين و اليتامى و المؤلفة قلوبهم و العاملين عليها من المرتزقة و المسخرين…
” الـكـَـرْطـَـنـَـةُ ” بهذا المعنى عند أهل الرأي و الحكمة ، هي الولاء الأعمى أو التبعية البليدة أو بيع الكرامة لشخص ما….إنها عبودية إرادية أو استعباد قسري.
السياسة في مغربنا السعيد اليوم سواء في الدولة أو المجتمع أو الأحزاب أو النقابات و الجمعيات….هي النموذج الأسمى ل” الكرطنة” التي تصنع لنا في مطابخها “ديمقراطية مكرطنة” انتهى زمن صلاحيتها مع الخمس سنوات الأخيرة.
الملاحظة التي تثير الاستغراب، أن الفئتين معا، المـُـكـَـرْطـِـنـُـون و الـمـُـكَـرْطَـنـُـون تلتقيان في الهجوم على من يعتبرونهم مارقين و شواذ و مجانين ،لأنهم يقفون في وجه “الكرطنة” و يرفضون “التكرطن” محافظين على استقلاليتهم و يتعاملون تحت ضوء الشمس لا في ظلمة الصناديق الكرطونية….
يعتقد المكرطـِـنون أنهم سادة .أما المكرطـَـنون فهم عبيد بقوة اختيارهم القسري أو الاضطراري أو الرضى بوجودهم المستمر داخل علب الكرطون.
أما الأخطر من كل خطير فهو كـَـرْطـَـنـَـة الفكر و المفكرين و الثقافة و المثقفين، و تلك آفة الآفات في تاريخ الشعوب.

تعليق 1
  1. mod يقول

    عن سياية الكرطنة:من حضر في إحدى مسيرات 20 فبراير . لا شك أنه شاهد حضور بعض “المثقفين” على هامش المسيرة. لكن بمجرد انتهائها. قامت السلطة بعملية إنزال خطيرة لإعداد كبيرة من المهجنين سياسيا و الذين يدورون في فلكها من الحياحة يجوبون الشوارع على متن سيارات نقل السلع. تماما كما يتنقل جمهور بعض الفرق الرياضية إلى الملاعب. يتكدسون بالعشرات في الهوندات…و يرددون شعارا واحدا يتكرر باستمرار. .و يوجهون سهامهم صوب الفبراريين ناعتين إياهم بشتى النعوت.نفس الموقف سمعناه من طرف”محايدين” و اتهامهم لل 20 فبراير بما يدعو إلى الشك في نواياهم. ..على وجه العموم لم تقف السلطة موقف المتفرج خصوصا عندما لم تواجة المسيرات بالعنف كما هي العادة. او ما يدعيه الكثير بأن الحالة المغربية كانت تشكل استثناء.بل إن تكليف “طابور”…له دور دقيق في مواجهة كل راغب في الإصلاح. يضاف إلى ذلك ركوب أطياف أخرى لها حساباتها الخاصة على الموجة و تعرف أن مصداقيتها بين الناس محط تشكيك و تساؤل عن أهدافها المعلنة و المضمرة..كان لها دور في تقزيم الحركة. .دون أن أشير إلى انتهازية الأحزاب. و النقابات و غيرها من مكونات المجتمع المدني المنظم. ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.