سعيد العمراني يكتب: نقطة نظام …و مواقف

 

من العبث ان يستمر الانسان في حياة عادية و كأنه لا شيء وقع، بعد تلقيه تهديدات واضحة بالتصفية ألجسدية مهما يكون مصدرها، او عندما يسود الغموض حياته او  مستقبله السياسي و الاجتماعي و الوجودي في لحظة من اللحظات….

ان الامر هنا غير متعلق  بالخوف و لا بالتراجع الى الوراء، مادام ان كل انسان يعيش فوق هذه البسيطة لا يعرف متى و كيف او اين سيموت، لذلك فمن الافضل له ان يموت واقفا منتصب القامة خير من ان يموت موتة الكلاب.

اعتقد ان المسالة اكبر من ذلك بكثير. و هي  في غاية الحساسية و ألمسؤولية و خاصة عندما يكون المرء ابا لأسرة و فاعلا سياسيا و مدنيا، و عليه فان الامر يتطلب بالضرورة وقفة مع الذات لتقويم حياته و مراجعتها لفتح افاق جديدة له حتى يكون الانسان – ان بقي على قيد الحياة طبعا – مفيدا لعائلته و لرفاقه و للنضال و عموم الانسانية.

ما معنى ان تعيش تحت وطأة الارهاب؟

لست هنا بصدد تحديد مفهوم الارهاب (فمن يريد ذلك عليه ان يتصفح المنجد)، كما لا اريد ان اتهم احدا او الوصول الى خلاصات مادام  التحقيق لا يزال جاريا، لكن ما يهمني الان هو ان اوضح كيف يمكن ان يعيش الانسان عندما يتلقى تهديدا جديا من طرف مجهول او مجهولين.

لا انكر ان المهدد (مهما بلغت قوة شخصيته) يظل حائرا و متسائلا حول مصدر التهديد المباشر بالنسبة اليه و كيفية التفاعل معه قانونيا و سياسيا و عمليا.

ان اصعب شيء في حياة الانسان هو عندما يصل الى درجة الشك في كل شيء. و هو يحاول ان يستحضر كل  خصوماته و اختلافاته السياسية و اعدائه الفعليين و المحتملين الذين يتربصون به، لا لشيء سوى لأنه يكتب او ينتقد او يعبر عن ارائه بالقلم و بالقلم و الكلمة الحرة فقط.

عندما يكون التهديد بلا عنوان و بلا مصدر تحاول ان تصنف درجات اعدائك  و خصومك من الاكثر  الى اقلهم خطرا (ولا تستبعد احدا). و مهما بلغت لياليك البيضاء في التفكير بحثا عن الفاعل، فلا تجد امامك إلا  احتمالات ثلاثة لا رابعة لهما بحيث ان المجرم/المجرمين لن يكونوا في اخر المطاف إلا داعشيين او عياشيين (نسبة للعياشة) او براهش (جمع برهوش)… فالتحقيق الذي يجريه اليوم القضاء البلجيكي بشكل مستقل هو الوحيد القادر على فك هذا اللغز الخطير.

فان تركنا هذا الامر لتحقيق  الشرطة و القضاء البلجيكي فيظل السؤال الاكبر هو عندما يجد الانسان نفسه احيانا شبه وحيد في مواجهة المشكلة و يواجه الامر وحده و بمؤازرة معنوية لقلة من اصدقائه الاوفياء و الصادقين. فهنا يمكن ان يقول الانسان (من لا يقف مع صديقه كان معتقلا او مهددا في وقت الشدة و لو بكلمة دعم معنوي، فلا تنتظر منه خيرا لا في الدنيا و لا في الآخرة. و هنا افكر في المعتقلين السياسيين في المغرب الذين يقضون عقوبات سجنية متفاوتة بسبب افكارهم و آرائهم و على رأسهم الرفيق محمد جلول عضو التنسيقية العامة لمنتدى حقوق الانسان لشمال المغرب الذي يقضي عقوبة 5 سنوات سجنا نافذة في السجن المدني بالحسيمة)، بل تكاد ان تتساءل هل لازال هناك فعلا امل  في الثورة و  في التغيير عندما تجد ربما بعض “الناس” يتلذذون بما حصل لك او ربما يتمنون لك الموت السريري و السياسي و حتى الجسدي قبل ان يطلق النار و ترتكب الجريمة و…..

العالم يتحول

في الماضي -و لازال- كان الناس يهاجرون من العالم الثالث الى اوروبا هاربين من الاضطهاد و القمع و هم يطلبون اللجوء و الحماية من الدول المسماة “ديمقراطية”، اما اليوم لا امن لا هنا و لا هناك. فالعالم في تحول مستمر و بشكل مخيف. فإذا كانت الانسانية تسعى و تناضل من اجل التقدم و التنمية و  الرفاهية و الامن و الآمان، فإننا نشاهد اليوم تحولات خطيرة و تراجعات نحو الوراء بشكل مستمر. فبالأمس كان الغرب يطمح الى نشر نموذجه الليبرالي و تصديره الى كل بقاع  العالم و يقدمه كبديل عن الشيوعية و بعض الانظمة الغير التابعة في العالم الثالث. لكن بمجرد ان تخلصوا من ما يسمونه ب”الغول الشيوعي” و انهيار الاتحاد السوفياتي بدأت الدول الغربية و خاصة الاوروبية منها تتراجع عن المكتسبات التي حققتها شعوبها في اطار نظام الديمقراطيات الليبرالية الغربية و الثورات البرجوازية في اوروبا.

فاليوم بعد عجزه على ايجاد حلول للازمة الاقتصادية و المالية التي يتخبط فيها، يتجه الغرب الى خلق حالات حروب في كل العالم (اوكرانيا، مالي، افريقيا الوسطى، نيجيريا، الصومال، افغانستان، فلسطين، العراق، سوريا، ليبيا….)، محاولا اخفاء ازمته الاقتصادية المستعصية، بحثا عن بيع اسلحته او استمالة الناخبين، و لذلك فلا نستغرب عندما ارتفعت شعبية الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند من 27 في المائة الى  49 في المائة مباشرة بعد العملية الارهابية التي اودت بحياة صحفيي جريدة شارلي ايبدو.

و تبقى شمعة الامل الوحيدة في اوروبا تلك التي اضاءت مؤخرا في بلاد افلاطون و يتعلق الامر بوصول حزب سيريزا اليساري الى السلطة في اليونان و امكانية نجاح حزب بوديموس باسبانيا لإعادة النقاش الى نقطة الصفر لعل و عسى ان تعيد اوروبا النظر في نوعية ديمقراطياتها المبنية على ديكتاتورية الابناك و الهيمنة على العالم و دعمها الاعمى لظلم دولة اسرائيل تحت تأثير ضغط  اللوبي الاقتصادي الصهيوني في العالم.

المنطقة المغاربية و الشرق الاوسطية و الثروات المضادة

عرفت سنتي 2010 و 2012، انتفاضات و ثورات مهمة للشعوب المغاربية و الشرق الاوسطية التي كانت انطلاقة شرارتها من دولة البوعزيزي بتونس الخضراء، و امتدت الى كل من ليبيا و المغرب و مصر و سوريا و البحرين و اليمن و التي توحدت كلها على شعارات تنادي  بالديمقراطية و الحرية و العدالة الاجتماعية و اجمعت على ضرورة محاربة الفساد و الاستبداد كل بطريقته.

هكذا بشرنا خيرا عندما هرب بنعلي دكتاتور تونس السابق و ازاحة كل من حسني مبارك وفي مصر و علي عبد الله صالح في اليمن و معمر القذافي في ليبيا، لكن تدخل الغرب افسد هذه الثورات السلمية و عمل على توجيهها و زرع الفوضى ممهدا بذلك اما لعودة الحرس القديم او تشجيع قوى محافظة رجعية للوصول الى السلطة مستعملا كل الاساليب بما فيها الدعم المادي و اللوجيستيكي و العسكرى لمليشيات فاشية لا تتقن إلا لغة الموت و حرق الاخضر و اليابس كلما اتيحت لها الفرصة لذلك. و هكذا تحالف المخزن مع العدالة و التنمية في المغرب ليمكن هذه الاخيرة من تصفية حساباتها مع اليسار و انجازاته و التراجع عن الانجازات التي تحققت بفضل النضالات المريرة للشعب المغربي و قواه الديمقراطية ابان سنوات الرصاص.

فباستثناء التجربة التونسية، فان الغرب دمر سوريا تدميرا دون الاطاحة  بنظام بشار الأسد، و سكت عن الاضطهاد الذي يتعرض له المصريين من طرف نظام العسكر هناك، و يدفع باليمن اليوم نحو المجهول. اما القضية الفلسطينية فضلت تراوح مكانها بحيث استغلت اسرائيل سيادة الفوضى في مجمل دول المنطقة لتوسع حربها على غزة و تشدد حصارها على فلسطين كل فلسطين.

المغرب

يعيش وطني في تخبط مستمر على جميع الاصعدة علاقات خارجية باردة بل متوترة مع عدة بلدان (فرنسا، مصر، الجزائر، موريطانيا، ايران، فينيزويلا و بعض الدول الاسكندينافية و الافريقية). سياسة داخلية مليئة بالبؤس و الفساد و التهريج و البهرجة و التفقير و النفاق السياسي. فشل في تدبير ملف الصحراء و سيادة سياسة التحكم في كل الملفات. تقسيم جهوي امني على مقاس وزارة الداخلية و احزاب برلمانية لا برنامج لها الا برنامج الملك، حتى اضحى من  الصعب على اي عاقل ان يتحدث اليوم عن وجود احزاب حكومية و اخرى معارضة اذ كلهم للمخزن خادمين (حكومة صاحب الجلالة و معارضة صاحب الجلالة على حد تعبير ادريس لشكر، الكاتب الاول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية). اما مديونية المغرب فارتفعت من 26 مليار الى 37 مليار سنتيم و ستؤدى في اخر المطاف من القوت اليومي للمواطنين و المواطنات المغاربة).

الكل يقر بفشل السياسات التعليمية بما فيهم الملك. اما الصحة فحدث و لا حرج، فوزير الصحة يخبرنا علانية عبر القناة الثانية المغربية بان ما يقارب من نصف المجتمع مريض نفسانيا (بلا حرج و لا حشمة). استمرار محاكمة الصحفيين (اخرهم محاكمة الزميل حميد المهداوي عن موقع بديل الاليكتروني)، و استمرار الاحتقان السياسي و التضييق على انشطة المنظمات الحقوقية و الديمقراطية و على رأسها الجمعية المغربية لحقوق الانسان.

الريف الكبير/ شمال المغرب

يمكن اعتبار المصادقة على مشروع التقسيم الجهوي الجديد بمثابة دق اخر مسمار في نعش الارث التاريخي للثورة الريفية بزعامة محمد بن عبد الكريم الخطابي، اذ تم مسح اسم الريف نهائيا من الجغرافية المغربية و من خريطة اي جهة من الجهات الجديدة كانت شرقية  منها ام غربية.

لا ادخل هنا في الجدال العقيم الى اين ستنظم الحسيمة او الناظور لان موقفنا كان واضحا وضوح الشمس، و يكمن في ايماننا العميق بضرورة توحيد كل اجزاء خريطة الريف التاريخي و منح اهله حق تدبير شؤونهم بأيديهم في اطار برلمان و حكومة محلية منتخبة و هو الشيء نفسه نطالبه لكل الجهات التاريخية بالمغرب، باعتبار ان التدبير الجهوي المستقل عن المركز هو السبيل الوحيد لنزع الصلاحيات من السلطة المركزية و ضمان الوحدة الوطنية على اسس جديدة مبنية على التضامن و التآزر و التقسيم العادل للثروة و السلطة و محاربة لوبيات الفساد و الاستبداد التي تستفيد من الوضع القائم و تنهب خيرات البلاد و العباد. و هذا لا يمكن ان يتم إلا في اطار نضال استراتيجي يمكن المغرب من  دستور ديمقراطي يقر بفصل حقيقي للسلطات و ينص حرفيا بالوحدات الجهوية /الاطونميات بصلاحيات واسعة تمكن ابناء الجهات التاريخية بالمغرب من التدبير السياسي و الاقتصادي  و التعليمي و الثقافي و الصحي على غرار دولة بلجيكا او اسبانيا او المانيا او اي نموذج اخر من ابداع و توافق المغاربة…

خاتمة القول

تبعا لما سبق، اعتقد انه ان الاوان لمراجعة اوراقنا و تحديد اولوياتنا و تنظيم حياتنا. و ما عدا ذلك لن يكون مفيدا لنا و لا لعائلتنا و لا لرفاقنا و لا لأي كان….

ففي الوقت الذي اطمأن فيه كل رفاقي و رفيقاتي صديقاتي اصدقائي على ان لا احد يستطيع ارغامي على التراجع على مواقفي و ارائي او افكاري و قناعاتي.. و هي قناعات ليست بالجديدة بل معروفة عند العادي و البادي و لم اخبأها يوما منذ ان تعلمت تقاسيم السياسة  على يد تلامذة و اساتذة ثانوية مولاي يعقوب البادسي بالحسيمة بداية الثمانينات و نحتتها ميدانيا و فكريا فيما بعد على يد مناضلي طنجة و قاعديي تطوان و فاس و وجدة و الرباط و القنيطرة و مراكش و جامعات أخرى و اغنيتها بتجارب ميدانية و فكرية يسارية و حقوقية في داخل و خارج المغرب. قناعات في مجملها تناهض قمع الحريات و تطالب بالعدل و المساواة  و بالحياة الكريمة و بالخبز و الصحة و السكن و الشغل و التعليم لجميع المواطنين و المواطنات و بتقسيم عادل للثروة و السلطة…

فبالرغم من انني هاجرت الى بلجيكا اواسط ألتسعينات بقيت مغربيا حتى النخاع و اخصص اكثر من 90 في المائة من وقتي لمتابعة ما يجري في وطني المغرب و خصصت تقريبا كل وقتي بعد العمل للقراءة و الكتابة و للأنشطة الموجهة للمغرب و المغاربة حتى انتهى بي الامر بتلقي تهديدات بالقتل بالرصاص الحي وسط العاصمة الاوروبية بروكسيل، بسبب افكاري و كتاباتي مهما كان الفاعل.

لم ادعي يوما انني من الملائكة او انني لا ارتكب اخطاء (من منا لا يرتكب أخطاء حسب تعبير محمد بن عبد الكريم الخطابي)، فكل من يمارس يخطئ. فانا اعرف  اخطائي و لا حرج لي ان اكون  اول  من يعترف بأخطائه و ونواقصه قبل غيري، ان دعت الضرورة الى ذلك. لكنني انا واثق بأنني اشتغلت بصدق و إخلاص و انني لم اخون الامانة ابدا و لم ابيع “الماتش” يوما و لم اسرق احدا و لم انهب خيرات المغرب و لا بلجيكا و بقيت بل سابقى دائما كما كنت، انسانا بسيطا ثابتا على المبادئ رغم كل المتغيرات و التهديدات.

و قد يكون المؤتمر الثاني لمنتدى حقوق الانسان لشمال المغرب المزمع عقده بالحسيمة اواخر ابريل (ان بقيت على قيد الحياة) حدثا فاصلا في حياتي السياسية و الحقوقية….

اكرر انني لا اكره الناس و لا احقد على أحد. لقد تعلمت ان الاختلاف رحمة و في الجدال غنى و للحوار معنى و للتسامح مغزى، و انتقاد دولة او جماعة فكرية او سياسية -دون ان تسب أحدا- يدخل ضمن حرية الرأي و التعبير الذي تضمنه كل القوانين و المواثيق الدولية لحقوق الإنسان دات الصلة، لكن ان يصل الامر ان يهددونك في حياتك بالرصاص (مهما كان الفاعل سواء اكان داعشيا او عياشيا او برهوشيا)، فذلك لا يمكن ان يفيدهم في شيء. بل اجزم ان من يعتقد اسكات الناس بالترهيب و التهديد و لو بقوة الرصاص فهو واهم، بل هو امر لا  يمكن ان يقبله العقل و لا المنطق و الصمت عليه جريمة….

 

 سعيد العمراني /بروكسيل

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.