سطور في مسألة التخوين والتشهير…

جمال الكتابي

على هامش الذكرى الأولى لرحيل صديقنا شاشا أشلش قبل أسابيع كان لي دردشة قصيرة حول التطورات التي يشهدها الريف مع شاب من الجيل الثاني، حيث اعتبر هذا الشاب أن ما وقع ويقع بالريف فخرا له ولجيله رغم أن أجداده كانوا من الخونة كما قال. عند سماعي لهذا الشاب تألمت كثيرا وتذكرت صديقي إمانويل، المعمر الإسباني، الذي طلبته ذات مرة من تسليمي نسخة من لائحة الخونة والمتعاونين الريفيين مع الإسبان أثناء حرب التحرير والتي حصل عليها بدوره من ورثة الجنرال كاسترو خيرونا فتحفظ، وعلل تحفظه هذا بأن أهل الريف ربما سينتقمون من عائلات هؤلاء الخونة إن تم التعرف عليهم. لقد اطلعت على اللائحة الطويلة لكن رأفة بعائلات المتعاونين التي مازالت أغلبها على قيد الحياة أجلنا الموضوع. مع التذكير على أن هذه المجموعة من الخونة والمتعاونين كان لهم دورا كبيرا في القضاء على حركة عبد الكريم، بالاضافة الى ذلك فالشريف أمزيان مثلا تم تصفيته من طرف متعاونين من خلال إطلاق الرصاص عليه، كما أن عبد الكريم الأب تم تصفيته من طرف متعاونين وخونة عن طريق تسميمه في بلدة تافرسيت بإقليم الناظور سنة 1920.
حاولت أن أوضح لهذا الشاب أن سياقات ظهور ظاهرة الخيانة ارتبطت بالاحتلال الإسباني وحتى قبله وأننا كأجيال اليوم يجب أن ننظر إلى الأمام وأن ذلك لا يلزمنا كثيرا. بل أن الحراك أعاد إلى حد ما صياغة علاقة جديدة في الريف وشتاته على أرضية التلاحم والوحدة التي لا يجب التفريط فيها. لكن كما يلاحظ الكثيرون من خلال النقاشات والتجاذبات التي تحدث على وسائل التواصل الاجتماعية أن كلما حصل اختلاف وجدال حاد وإلا تم ربطه بالخيانة أوالعمالة. الكثير من الشباب يحسون أنهم مدينون لأب ‘الأمة الريفية’ باستكمال مشروعه التحرري وأن كل من يقف في طريقهم خائن. فقائد الحراك لم يرفع هكذا وفقط “عاش الريف ولا عاش من خانه”.

خلال تواجد مولاي موحند في القاهرة من سنة 1947 حتى رحيله سنة 1963 كان يوصي ‘الشباب’ وبالخصوص الطلبة منهم أن يعتنوا بالقادمين الجدد من المغرب إلى القاهرة. وأوصاهم في حالة ما إذا لاحظوا أن القادم الجديد تحيط به شبهة ما أو أن دوافع مجيئه إلى مصر غير سليمة فإمكانهم إحالته مباشرة عليه شخصيا حتى يتأكد بنفسه من التهمة. كل الذين أحيلوا على مولاي موحند في تلك المرحلة صنع منهم قادة جيش التحرير ومقاتلين من طراز رفيع ولم يكن منهم ولو مشبوه واحد..هذه القصة حكاها لي الراحل محمد سلام أمزيان (قائد انتفاضة 58/59) و أكدها حتى الراحل الكولونيل الطود ( الرحمة على روحهما الطاهرة). اللذين عاشا مع مولاي موحند في القاهرة لبضعة السنين وكانا مكلفين بمهام تحررية.
مولاي موحند انتبه منذ مجيئه إلى القاهرة قادما من منفاه بجزيرة لاريونيون إلى هذا الموضوع وأخذه محمل الجد نظرا لإدراكه الجيد لحساسية الموضوع منذ زمن الثورة حتى. وكم من بريئ أزهقت روحه حينها لأسباب شخصية أو نتيجة نعرات قبلية أو بسبب وشاية كاذبة، ما دفع مولاي موحند ذات مرة إلى إصدار حكم بالإعدام في حق وزيره في الخارجية السيد محمد أزرقان لاتهامه بتصفية أحد قادة الجيش الجمهوري من إبقوين وهو بريئ. هذا الحكم لم ينفذ في حق أزرقان حينها بعد تدخل بعض الأطراف.
من السهل أن تتهم شخصا ما بالخيانة أو التخابر أو الردة لكونه فقط يختلف معك أو يتبنى افكارا أخرى. كيف يمكن أن تسمي شخصا مرتدا (مفهوم ديني) مثلا وهو يتبنى فكرا او إديولوجيا أخرى وهذا من حقه وتكفله المواثيق والعهود الدولية. في هذا السياق تأتي عملية التشهير بالأسماء والصور على مواقع التواصل الاجتماعي والتي من أهدافها هو تحطيم الشخص المعني انتقاما منه. هذا العمل المشين يتعارض مع المواثيق الدولية ذات الصلة، ومحاربته لا يجب أن يكون محط مساومة. مسألة تحديد هل هذا الشخص كذا او كذا ليست محل لعب أو مزايدات، وليست من صلاحيات لا هذا ولا ذاك الحسم فيها اللهما إذا توفرت دلائل دامغة.
إن استعمال لغة التخوين في المجتمع المعاصر ليس له معنى تقريبا، الفرد يؤسس قناعاته من داخل الإديولوجيا أو المصالح الطبقية: هناك يمين ويسار ووسط ووو. وحتى من اختار أن يبقى بعيدا عن الفعل والنضال ليس بالضرورة خائنا أو مخبرا. طبعا هناك عملاء ومخبرون ومجندون أغلبهم تربطهم عقود عمل أم لا مع السلطة ولا يمكن الاستهانة بدورهم.
هذه الأخطاء ارتكبت حتى في الحركة الطلابية في حق أشخاص أبرياء بسبب حزازات شخصية أو وشايات كاذبة، ولنا أمثلة في هذا الصدد. المجتمع الذي ننشده يا شباب يجب أن يتمتع فيه الفرد بالحرية وليس بتصفية الحسابات والاتهامات والمكائد.
في سياق ممارسة الحقد والهدم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي نشر مقال في جريد العرب اللندنية ( عدد 14/3/2017) حول رواية ‘هوت ماروك’ للكاتب والإعلامي ياسين عندنان Yassin Adnan. فظاهرة ممارسة العدوانية والتلذذ من تدمير الذات عبر التواصل الاجتماعي من بينها الفايس بوك كانت نقطة انطلاق الروائي ياسين عدنان ليكتب روايته “هوت ماروك”، الذي يعتبر عملا روائيا وأدبيا جبارا بشهادة النقاد.
وحتى يتم إيصال الفكرة بشكل أحسن، أقتبس جزءا من هذا المقال الذي نشر في جريدة العرب حول دوافع ياسين لكتابة الرواية ‘هوت ماروك’.
“ولم تكن “هوت ماروك” لعدنان وهو يباشر كتابتها أول مرّة، سوى قصة قصيرة عن شخص عدواني منعته هشاشته وجبنه من ممارسة عدوانيته وحنقه على العالم والناس جهرا، إلى أن ظهرت الإنترنت فجأة وعثر بالصدفة على عمل في “سيبركافيه”، فوفّرت له الغُفلية التي يتيحها الفضاء الافتراضي وكذلك حرية التشهير التي يتمتع بها البلد مجالا فسيحا لإطلاق العنان لعدوانيته المجانية، وهكذا بدأ يعيث في الفضاء الإلكتروني فسادا من خلال عدد من الأسماء المستعارة و”البروفايلات” الملفقة التي ظل يتخفّى وراءها ببراعة، لذلك يمكن القول إن “هوت ماروك” هي في الحقيقة قصة قصيرة تحولت إلى رواية”. انتهى الاقتباس.
التشهير بالأسماء وصور الأبرياء وكتابة مقالات على ضوء إشاعات فايسبوكية عمل حقير وجبان. هذا السلوك يعتبر جريمة أخلاقية لا تغتفر بل يعاقب عليها القانون.
إذا كنا ننشد مجتمعا خاليا من الموروث المخزني من قبيل تلفيق التهم في المخافر والمحاكمات المجانية فعلى الشباب أن يصون حرية التعبير والتواصل بين المواطنين.
خلاصة القول: سبب نزول هذه التدوينة هو موجة من مسلكيات وسلوكات صدرت عن بعض الأشخاص.
إن السلمية ليست فقط عدم استعمال ” الحجارة والجنوية”، السلمية هو الابتعاد كذلك عن العنف اللفظي والتعسفي والتخوين والتشهير. مع تأكيدي مرة أخرى أنه لا يمكن الاستهانة بالدور التخريبي للخونة.

11غشت 2017

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.