ستذكرك الدار البيضاء.. و لو بعد زمن !

يقولون أن الثورات تأكل أبناءها.. أما أبناء أنصاف الثورات، فهم يجلدون حتى الموت !

يحدث أن تزور صفحة رفيق لك، يدعى حمزة هدي، محكوم بسنة سجنا نافذا، بعد اعتقال تعسفي و التهمة: تنظيم مسيرة غير مرخص لها، و جدير بالذكر، أن تلك المسيرة غير المرخص لها،ما كانت سوى مسيرة نظمتها نقابات العار يوم 6 أبريل الماضي، فتجده يسار صورة غلافه مبتسما قويا صادقا.. وعلى يمين الصورة، معاد بلغوات، بابتسامته الشامخة المعهودة المرعبة. جمعتهما شوارع الدار البيضاء، فأبت السلطات إلا أن تجمعهما من جديد وراء القضبان.. بعد اعتقال معاد بلغوات للمرة الثالثة، مغني الراب، الشهير بمعاد “الحاقد” بتهمة المتاجرة في تذاكر مباراة الرجاء، السكر العلني، و الاعتداء على رجل أمن.

يحدث أن ترى للمرة الثالثة، من غنّى للمغاربة الأحرار “إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر..إنوض إدوي على راسه باراكا من السكات، راهم كلاو رزاقنا لاحو لينا الفتات، وشحال من مناضل على قبلنا مات” يساق للاعتقال مرّة تلو أخرى، فيخرج بإصرار أقوى على الحريّة ليعود لزنزانته التي لم يشتق إليها لكنّها تشتاقه بسرعة

. يحدث أن ينادي شباب “اسمع صوت الشعب” فيسمعوا صوت القمع…

يحدث أن تواجهنا أسئلة من نوع: “لماذا تدافعون على معاد ولا تنتظرون المحكمة؟” “لماذا لا يكون معتقلي 6 أبريل مذنبين فعلا؟” “لماذا تدعون إلى إسقاط القداسة عن كل المسؤولين، و لا ترضون محاسبة رفاقكم إن أخطؤوا؟”

إن تجاوز رفيقي القانون، فليسجن.. نحن لا نقدّس المعتقلين، لا نقدّس الرفاق، لا يصح أن نجعل من أنفسنا آلهة للنضال، لا تخطئ.. دافعنا عن معتقلي 6 أبريل لأنهم اعتقلوا أمام رفاقهم الذين شهدوا أن لا عنف ثبت ضدهم.. نتضامن مع معاد بلغوات، لأنّ الشهود صرخوا في وجه قوات القمع، “طلقوا لينا الحاقد” “الظلم هادا”.. و لأنّ معاد الحاقد لو أراد التجارة، لتاجر بموسيقاه، بدل أن يتاجر بتذاكر مباراة الفريق الذي يحبّ.. من يدري؟ لو كان معاد الحاقد، على منصة موازين، أما كان بكتفه وساما، وبجيبه الملايين؟

يحدث أن تصمت نقابات العار المتحدّة حول خذمة المخزن، و منح الضوء الأخضر لاعتقال العشرينيين…

يحدث أيضا أن يخبرنا كتاب عظماء، أن هؤلاء الشباب.. مستغلين من بعض المناضلين، أولئك الذين يفرحون بنزوة نضالية جديدة، و يصلون نشوتهم الكاملة بعد صدور أحكام جائرة يقدمون أصحابها قربانا، و يتآمرون على الضحية، لإشعال ثورة ملتهبة، كأنّ ذلك الرجل الذي يصرخ بأعلى صوته “الله، الوطن، الحرّية” ..مجردّ طفل يسهل خداعه بحلوى مكتوب عليها “حركة 20 فبراير”… التهمة: 20 فبراير..

يحدث أن تبحث عن إخوان العدالة و التنمية، شركاؤنا في الوطن.. فتشهد صمتا تاما بوجود مولانا الإمام.. تكاد تخال ذلك الصمتَ صمت الوزير الخلفي، حين فاجأه رجل الأعمال كريم التازي “بلا حشمة بلا حيا كتقولينا معرفتيش”.. لكنهم سرعان ما ينطقون..” ومن يكون الحاقد حتى يعتقل؟” و “أين كان اليسار حين قام الانقلاب يوم 3 يوليو؟”، و لهذا يقال أن نوم الظالم عبادة.

ترى هل يحضر سيادة الناطق باسم الحكومة بيانا جديدا يوضح لنا فيه خطورة مغني راب و قاصر و بضعة شباب معظمهم طلبة دون سوابق، يؤكد كل الشهود أن لا عنف ثبت من طرفهم على أمن الوطن؟

ترى هل سيقول لنا وزير العدل أننا لو عرفنا بعض التفاصيل حول قضية المعتقلين، لأصبنا بالرعب على بلادنا

ترى هل سيسافر السيد رئيس الحكومة إلى الخارج ليخبر العالم بأننا دولة إسلامية لم يصله أنّ بها معتقلي رأي؟

و أين هي النقابات؟ يا نقابات العار اتحدّوا.. اتحدّوا و التفوا حول حقوق العمال.. حول رفض الزيادات في الأسعار التي لا ترافقها زيادات في الأجور.. ارفعوا الشعارات تلو الشعارات و احتفلوا بالأعياد… في وقت لا تستطيعون فيه حتى الضغط لأجل إطلاق سراح 11 شابا سيقوا إلى سيارات الأمن الوطني أمام أعينكم !

أعزائي المناضلين، عزيزاتي المناضلات، توقفوا عن طرح سؤال : “لماذا اعتقل معاد الحاقد؟” “ماذنب معتقلي السادس من أبريل؟” لأنّ السؤال الحقيقي، لماذا نرى لافثة حركة 20 فبراير، لجنة المعتقل، أكثر من أي شيء آخر، وما زلنا غير قادرين على مواجهة قوى القمع الملتفة حول الانتقام من شباب 20 فبراير…؟ توقفوا عن السير في نفس الطريق، و توقع الوصول إلى مكان آخر. الشباب ليسوا ضحايا المخزن وحده..إنّهم ضحايانا نحن أيضا، ليس لأنّنا ننتشي باعتقالاتهم، و لكن لأنّنا لا نراجع أنفسنا، لأننا نسير عشوائيا نحو المجهول..لأنّ بعضنا يتخذ النضال مهنة، لأنّ البعض الآخر لا يتوانى عن الدخول في صراعات رخيصة مع رفيقه الذي ليس عدوا لكنه قد يصير كذلك إن خالفه الرأي، لأنّنا لا نرسم خارطة طريق، لأنّنا لا نتساءل حول الأولويات، لأنّنا لم نقم قط حتى بعد مرور ثلاث سنوات على حركة 20 فبراير بنقد ذاتي، نتساءل من خلاله حول أسباب فشلنا في الوصول لما ولدت لأجله حركة 20 فبراير المجيدة.

أين الخلل؟ قد يكون أسهل الأجوبة.. المخزن، هو من اعتقل الشباب. النقابات، هي لم ترفض ذلك. بنكيران و حزبه، هم من قدموا أنفسهم منقذا للنظام في وقت مرّ فيه من عنق الزجاجة و انحنى بهم للعاصفة حتى مرّت ليعود إلينا و هم في مقدمته، يطبلون له و يهللون و يصلحون أخطاءه ويدارون فضائحه. لكن بداية الطريق إلى الحلّ، إلى حرّية رفاقنا، إلى الديمقراطية، إلى الكرامة و العدالة الاجتماعية، لا يتجاوز طاولة صغيرة نجلس حولها جميعا، نناقش بكل احترام للمختلفين أخطاءنا الماضية، و طرق تجاوزها في المستقبل.

أتذكّر وأنا أقرأ تأجيل محاكمته لأسبوع آخر.. أن معاذ قال لي يوما: “لا أستطيع العيش خارج الدار البيضاء”.. يا عزيزي القابع وراء الأسوار.. هم لا يتنفسون معك عشقك لها، و عشق أبنائها، و تضحيتك لأجلها.. نم الليلة في أحضان الدار البيضاء بأقذر أمكنتها، ستذكرك الدار البيضاء و لو بعد زمن

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.