سؤال منهجي…أو سؤال المنهجية

لطيفة البوحسيني

في المناقشات وأحيانا الجدل الدائر حول موقع الدين ومكانته في مجتمعات لازالت لم تتقدم بعد في حل إشكالات متعددة ومتنوعة ومعقدة، اقترح الباحثون والمفكرون من تخصصات مختلفة، ومنذ مدة غير يسيرة، منهجيات وطرائق متنوعة في محاولة فهم وتفكيك وتحليل القضايا المطروحة. قضايا مرتبطة عموما بإشكالية التحديث ومحاولة الجواب على سؤال : لماذا تقدم الآخر وتأخرنا نحن؟

من بين القضايا التي طرحت بحدة وقوة في العشريات الأخيرة في مجتمعنا، قضية كونية حقوق الإنسان وقضية التمييز واللامساواة في الحقوق والحريات التي تمس النساء. والملاحظ أنه تم الاستناد من طرف المدافعين/ات على المساواة  على المرجعية الدينية في بعدها المتنور، من أجل بناء البرهان والحجج من داخل المرجعية الدينية…في هذا الإطار تمت العودة إلى التراث الديني المتنور وإلى أعلام فكرية كان لها دور متميز. أذكر هنا، على سبيل المثال لا الحصر العلامة التونسي الطاهر حداد والعلامة المغربي علال الفاسي، وهما  اللذان اشتهرا بكتاباتهما فيما يسمى قضية المرأة ومنافحتهما عن مبدأ المساواة في كل جوانب الحياة، سواء تعلق الأمر بالحياة الخاصة أو الفضاء العام.

هذا وإذا كان الميل نحو تبني منهجية معتمِدة على الاجتهاد والتأويل له أهميته في ظروف معينة، فقد بدا اليوم واضحا أن هناك حدودا لهذه المنهجية، لأن النص قابل في نهاية المطاف لكل التأويلات الممكنة بحسب الرؤية والموقع الذي ننطلق منه.  فقد لاحظنا كيف يلتجأ البعض إلى ليِّ عنق النص الديني حتى يتلاءم وتوجههم، وهو ما يبدو محدودا كأفق.

لقد أصبح اليوم ملحا تجاوز هذه المقاربة والعمل على وضع النص الديني في سياقه التاريخي والإقرار بأن كل القضايا الخاصة بالمعاملات هي قضايا وليدة البيئة التي أفرزتها وتحكمت فيها. قضايا خضعت للعوامل المحلية، سواء منها الثقافية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية، بحيث يبدو جليا أن الأمر يتعلق بالأساس بجوهر المجتمع الذي ظهرت فيه ولا يمكن بأي حال من الأحوال فرض تلك العوامل على مجتمعات بعيدة بعد السماء عن الأرض عن الموطن الأصل الذي أفرزها سواء جغرافيا أو تاريخيا.

أصبح اليوم ملحا ربط القضايا التي ينحو البعض إلى فرضها كقانون إلهي بالسياق التاريخي الذي ظهرت فيه والذي كان للصراع حول السلطة مكانته وآثاره في الاتجاه الذي اتخذته.

شكلت السلطة جوهر الصراع الذي أثر في السيرورة التاريخية للمجتمعات العربية الإسلامية في شموليتها، ولذلك، لم يعد ممكنا اليوم خوض النقاش في كل القضايا على اختلافها، دون ربطها بموضوع السلطة…ما عدا ذلك…أسمح لنفسي بالقول أن الاستمرار في تبني منهجية التأويل هي مجرد لف ودوران ولعب بالكلمات يسمح للبعض بالتميُز الفردي دون أية قدرة على التأثير على مسار المجتمع برمته، بالضبط لأنه يتجنب طرح الأسئلة الحارقة بمنهجية تتجاوز ما تم اعتماده في السابق والعمل على وضع الأصبع على النقاط الحساسة بدل تجنبها…إنها النقط المتعلقة بالصراع حول السلطة…

مرة أخرى، لا يمكن إلا التأكيد على أن الإيمان والمعتقد شيء مقدس يستوجب الحرص على حمايته…أما المعاملات فهي أمور دنيوية غير مقدسة وقابلة لأن توضع على محك السؤال والمساءلة والنقد والتجاوز، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تقديسها واعتبارها صالحة لكل مكان وزمان…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.