زورق الملك، الجيش الملكي، الديوان الملكي …ونحن

شهد المغرب خلال شهر غشت حدثين هامين استأثرا بمتابعة شعبية كبيرة مقابل صمت مريب من القصر الملكي؛ المعني الأول بالحدثين المقصودين، وهو ما شرع الباب أمام تناسل إشاعات تحاول تفسير ما حدث، وهو أمر عادي ومنتظر، فحينما يغيب التواصل، وتستنكف مؤسسات السلطة عن تقديم ايضاحات شافية لتنوير الرأي العام، تكون الاشاعة هي المصدر الوحيد الذي تقتات عليه الأخبار التي تروج هنا وهناك.

إن هذا الصمت المريب الذي يتعامل به القصر الملكي مع مثل هذه الأحداث يطرح أكثر من علامة استفهام؛ لماذا يختار القصر الملكي أو بالأحرى لماذا يختار صناع سياسة القصر الملكي التعامل مع الرأي العام المغربي بهذا الاستخفاف وربما الاستصغار؟

قبل أيام تابع الشعب المغربي خروج الجيش إلى شوارع المدن، وتمّ نصب منصات صواريخ وعتاد عسكري قرب المنشآت الحيوية (سدود، موانئ، مطارات، المدن الكبرى…)، وهو مشهد قلّ نظيره، ونادراً ما شاهد المغاربة الجيش في شوارع مدنه، منذ الانتفاضات الكبرى التي عرفها المغرب (65-81-84-90..)، خلال هذه الانتفاضات رأى المغاربة الجيش في الشوارع يطلق الرصاص، والمروحيات العسكرية تمسح مناطق الاحتجاج من الجو، وتمطر المحتجيين برصاص قاتل، هذا ما حدث في انتفاضة البيضاء 1965 وهو ما حدث أيضا إبان انتفاضة الريف 59/58 …

الآن، الجيش في الشوارع والشعب المغربي ما زال يتساءل لماذا هذا التحرك، لكن، لا أحد يشفي غليل سؤاله، كل ما هنالك أن تكلفت بعض وسائل الاعلام المقربة من دوائر القصر، فتحدثت بداية عن تهديدات ارهابية وشيكة قد تستهدف المغرب بناءً على معطيات من المخابرات الامريكية قيل أنها توصلت إلى معلومات حول وجود طائرات في ليبيا هي تحت سيطرة مجموعات ارهابية، ورشحت أخبار عن تفخيخ هذه الطائرات وتوجيهها لضرب منشآت حيوية على طريقة 11 شتنبر في بلدان المنطقة المغاربية. ثم بعد ذلك سرت أخبار عن كون تحرك الجيش المغربي جاء في اطار مشاركته في مناورات عسكرية مع ثماني دول أخرى لمحاربة الارهاب، وعلى هامش هذه الحدث تناسلت أخبار أخرى تزيد قليلا أو تنقص من بهارات التشويق…

وسط كل هذه الأخبار المتناسلة ظل الديوان الملكي يذيقنا “نقمة” الصمت، وهو ما حذا بقناة سورية أن تتحدث عن أن خروج الجيش إلى الشارع في المغرب مؤشر على فشل انقلاب عسكري على حكومة بنكيران، طبعا الخبر تافه ولا علاقة له بمعطيات الواقع، لكن أمام هذا الصمت أي خبر يمكن له أن يجد لنفسه من يروجه ومن يتلقفه..

إن من أبجديات تعامل الدول مع شعوبها وفق الحد الأدنى من الاحترام هي أن تفتح باب التواصل معهم بصدد القضايا والأحداث التي تهم البلد، وتزودهم بكل المعطيات اللازمة لتنوير الرأي العام، غير أن القصر الملكي يبدو أنه في زمن النت ومواقع التواصل الاجتماعي ما زال غير مقتنع بهذا الحد الأدنى من الاحترام للشعب المغربي، وعندما اضطر السنة الماضية الى اصدار أربع بلاغات بشأن فضيحة العفو الملكي عن البيدوفيل الاسباني فعل ذلك تحت ضغط الشارع ولم يكن اختياراً ذاتياً، اذ لم يتحرك الديوان الملكي إلاّ بعد قمع وقفة الجمعة 2 غشت وما تلاه من استنكار واسع وتضامن وعزم على الخروج إلى الشوارع مجدّداً وسط غليان شعبي كبير..

يبدو أن قدر الملكية في المغرب أن تتلقى هزات عنيفة خلال الصيف (جزيرة ليلى، فضيحة العفو عن دانيال…) ومؤخرا حدث اعتراض زورق الملك قبالة سواحل مدينة سبتة المحتلة من طرف دورية اسبانية لحرس الحدود، الخبر كالعادة نشرته الصحف الاسبانية ثم بعد ذلك تناولته وسائل الاعلام المغربية بحذر شديد، تناولته وكأنها تمسك لغما في يديها قد ينفجر في أية لحظة، إذ نُشر الخبر جافاً خالياً من دسم التعليق والتحليل، وحتى من انبرى للتعامل مع الخبر بالتعليق والتحليل فعل ذلك على طريقة المختار الغزاوي في زاوية “من صميم الأحداث” الذي تفاعل مع الخبر بكيل السب والشتم للصحافي الاسباني الذي نشر الخبر، رغم علمه (هذا ما يفترض وإلا تلك مصيبة أخرى) أن أغلب وسائل الاعلام العالمية نشرت الخبر، بل إن إحدى المجلات الفرنسية التي تحظى بعطف القصر الملكي كتبت الخبر تحت عنوان مستفز، فقد كتبت مجلة “باري ماتش” أن حرس الحدود الاسبان تعاملوا مع ملك المغرب مثل “مهرب وضيع” (un vulgaire trafiquant) …

إن خبر اعتراض زورق الملك قبالة سواحل مدينة سبتة لم يكن يصل إلينا لو أن جريدة “الموندو” لم تنشر ذلك، لأن الحدث أصلا ينطوي على اشكالات وينفتح على أسئلة موجعة لا يريد القصر الملكي الخوض فيها، هي أسئلة متعلقة بوضعية المدينتين المغربيتين المحتلتين من طرف اسبانيا وعلاقة ذلك بملف الصحراء، وكل هذه الملفات دأب القصر الملكي على خوصصتها وجعلها ملفاً خاصاً لا يعرف عنه الشعب المغربي شيئاً، ولو لم تنشر الصحف الإسبانية ذلك لأصبح هذا الخبر في عداد اسرار الملكية في المغرب التي قد نقرأ عنها خلال السنوات القادمة في كتاب لأحد الصحافيين أو ربما لأحد المقربين إلى القصر الملكي المغضوب عليهم.

في تقديري، إن هذا الصمت إزاء الحدثين مقدود من سببين اثنين؛ السبب الأول هو أن كلا الحدثين يتعلقان بالسيادة الوطنية، فالجيش رمز السيادة تم اخراجه إلى الشارع بناء على طلب خارجي في اطار أجندة معينة، وغالبا فإن خروج الجيش جاء بناء على قرار أمريكي/أطلسي في اطار أجندة أمريكية في المنطقة، وكذلك اعتراض زورق الملك في المياه الاقليمية المغربية يطرح مسألة السيادة الوطنية وكيف تتلكأ الدولة المغربية عن المطالبة باستقلال المدينتين لضمان عدم دعم اسبانيا لجبهة البوليزاريو، وعليه فإن الموضوع ليس بسيطا ناتجاً عن تصرف أرعن للدورية الاسبانية كما قد يبدو لأول وهلة، بل له علاقة متشعبة مع ملفات أخرى حساسة جداً، وعليه كان تعامل القصر الملكي وفق معادلة “كم من حاجة قضيناها بتركها” لأن البلاغ سيطرح اشكالات خطيرة وسيفتح أبواب الاسئلة، فلو أصدر الديوان الملكي بلاغاً حول اعتراض زورق الملك فماذا سيقول؟ أين تم اعتراض زورق الملك؟ … الخ من الاسئلة المحرجة.

السبب الثاني يتعلق بطريقة نظر القصر الملكي الى الشعب المغربي، اذ ما زالت معادلة الملك ورعيته هي السائدة، وتم تضخيم هذه المعادلة أكثر في سياق ما أسمته العقلية البوليسية باسترجاع هيبة الدولة، إذ أن الدولة المهابة الجانب تنظر الى مواطنيها بوصفهم رعايا وقاصرين، همهم الوحيد الأكل والكدح والتناسل ولا يجدر بهم أن يسألوا عن أشياء هي أكبر منهم، ولا تتساهل مع من “خرجوا رجليهم من شواري”، فلا جدوى من اطلاعهم لماذا خرج الجيش الى الشارع؟ ولا لماذا وكيف تم اعتراض قارب الملك؟ ذاك شأن ملكي ولا شأن ل “الهبش وكحل الراس” في ذلك…

عطفاً على ما سبق، لم أشر في هذا المقال إلى دور الحكومة ولا رئيس الحكومة في هذا الصمت، وذلك ليس سهواً، ولا تعاطفا مع عبد الاله بنكيران الذي انهكته التماسيح والعفاريت، بل اقتناعاً مني أن فاقد الشيء لا يعطيه، لا أريد أن أدخل في ذلك الجدال العقيم الذي يمارسه بعض كتاب الرأي والصحافيون حين يلومون بنكيران على عدم استغلاله للصلاحيات الواسعة التي منحها له الدستور، رغم أنهم يعرفون أنه ليس هناك دستور جديد ولا توسيع لصلاحيات رئيس الحكومة ولا هم يحزنون، فبعد 3 سنوات من اقرار دستور 2011 مازالت مسألة اصدار قوانين تنظيمية لتفعيله تراوح المكان، وبنكيران يعرف قبل غيره أنه مجرّد واقي “براشوك” يتلقى الصدمات حماية للملكية وذودا عن أمير المؤمنين، وأن حكومة “ثورة الصناديق” ودستور 2011 كانا مجرّد فوطوشوب بليد ومبتدئ لم يصدقه أحداً، بل هذا ما بصم عليه حتى مؤتمر شبيبة الحزب الأخير حينما راح يروج لخطاب يطيل عمر بهلوانيات بنكيران في القفز واللمز والغمز…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.