زمن القرود.. مأساة واحدة ومسخرات لا تنتهي

ثمة  مسألة أساسية سنحاول أن ندلو بدلونا فيها ،لاعتقادنا أنها لا تقل أهمية بالنسبة لمتتبع المسار الديموقراطي المجهض ببلادنا ، ثم كيف يعيد التاريخ المغربي نفسه ليسائلنا مرة أخرى سؤاله  الشهير : يا ترى ألم تفيدوا بعد من سلسلة مآسيكم ومهازلكم المتعاقبة كتعاقب الليل والنهار ؟؟ يتعلق الأمر كذلك بمحاولة التمييز بين ماهو ثابت وعميق ، وبين ماهو متحول و سطحي في تجربتين  حكوميتين متميزتين هما : حكومة اليوسفي،  وحكومة  بنكيران .

      من خلال تتبعه العميق الثورات  1789 و1830و1848 وقراءته العقلانية الحصيفة كتب كارل ماركس سنة 1852في كتابه ” الثامن عشر من برومير لويس بونابارت ما يلي : ” يقول هيجل في مكان ما أن جميع الأحداث والشخصيات العظيمة ، في تاريخ العالم تظهر ، إذا جاز القول ، مرتين . وقد نسى أن المرة الأولى كمأساة والمرة الثانية كمسخرة “،

        كلمات ماركس هاته عندما نعيد قراءتها  ونحن الآن في مكان آخر وفي زمن مغاير ، تبدو لنا أكثر راهنية  وحضورا من ذي قبل، وكأنها قد كتبت للتو، أتذكرها وأنا أقارن بين الحكومات المتعاقبة ببلادنا و بين سياقاتها الاجتماعية والسياسية …المتعددة ،كما أتذكرها وأنا أتابع عن كثب حرب البسوس أو “داحس والغبراء ” الكلامية التي تجري بين زعماء الأحزاب السياسية ، من سب وشتم  ووعيد  ، واتهامات متبادلة بالفساد وسوء التدبير، وكشف متبادل لسوءاتهم و عوراتهم من دون خجل ولا وجل ،  لا لغرض يخص المواطن وإنما لغرض  الفوز بالمقاعد الانتخابية، وبالتالي الحفاظ على امتيازات سابقة  هي غير مشروعة في مجملها  …..والمحصلة النهائية  لكل ما سبق وكما جرت العادة ، هي تشكيل حكومة واجهة جديدة  بوجوه قديمة ….لتبقى في نهاية النفق المظلم دار لقمان على حالها  حتى إشعار آخر ….

     فاذا  نحن وضعنا ثنائية ماركس السابقة “المأساة والمسخرة ” على  محك واقعنا المغربي بوضعنا مثلا مجمل سياق حكومة التناوب التوافقي في طرف أي المأساة : حيث حدث “السكتة القلبية وشخصية” عبدالرحمان اليوسفي ” ثم ” جيوب مقاومة التغيير “،  ثم نضع كذلك على التوالي في الطرف الآخر أي المسخرة: مجمل  السياق العام  ل”لحكومة الإسلامية و” أحداث الربيع الديموقراطي و” شخصية عبد الإله بنكيران ، ثم ” فزاعة “العفاريت والتماسيح ” فإننا  سنخلص الى ما يلي :

–  إن التاريخ المغربي قد أعاد نفسه مرة أخرى مع حكومة  بنكيران، لكن هذه المرة ليست كمأساة، ” فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين “، وإنما  كمسخرة  للوطن و لعموم الشعب المغربي ، لأنه لم يفد من  تجاربه  السابقة ، ولا من تجربة التناوب المجهض ، ولا حتى من تجارب الأمم الأخرى !!  ولهذا يبدو لنا أن الطريق إلى الحرية والكرامة والعدالة لا زال شاقا وطويلا .

– من خلال تتبعنا للأجواء التي مرت فيها الانتخابات الأخيرة ، يمكننا الجزم أن انتخابات 2015 ماهي إلا حلقة أخرى من مسلسل  المآسي والمسخرات في بلادنا ،أما القول ب”الانتخابات الحاسمة لمستقبل المغرب”فإن ذلك ليس أكثر من  كلام رخيص لاستهلاك السياسي في الداخل كما في الخارج . وعليه فإن كل شيء سيستمر كما كان دائما ، إن لم نقل أشد هولا وأكثر وبالا من ذي  قبل ،بالرغم من كل هذا الخبل الذي يحدث  ،  ما دمنا لم نقدر حتى على  تحصين بعض المكتسبات البسيطة ، بل والتافهة.

    النتائج والخلاصات السابقة ذاتها ،نعثر عليها  بين ركام الأحداث والتصريحات والخطب  . فعندما  نقارن بين ما صرح به اليوسفي بعدما غابت شمس نهاره  ، لاسيما  في محاضرة بروكسيل الشهيرة بقوله: ”  تسلمنا مسؤولية الحكومة،  بينما بقي الحكم في يد قوى خفية” ( أي جيوب مقاومة التغيير )، وبين ما  صرح به  بنكيران، لكن قبل أن يأفل نجمه ويخبو ضوءه !!!  سواء بمناسبة أو من دون مناسبة حول “التماسيح والعفاريت”.

       فمن خلال مقارنة سريعة  كذلك بين الحكومتين ، ومن دون أن نظلم اليوسفي أو نبخسه حقه ،يبدو لنا بجلاء ووضوح لا ينكرهما إلا معاند أو مكابر، أن تجربة بنكيران الحكومية، كانت أكبر مهزلة وفضيحة في تاريخنا المعاصر. فبالنظر مثلا  إلى اللغة المستعملة في الخطاب السياسي  لدى اليوسفي ، فإننا نجد أن الكلمات فيها تعبر عن المعاني والأشياء بطريقة واضحة وشفافة ، أما لغة بنكيران فقد قيل عنها الكثير والكثير ، أقله أنها  لغة مفرطة في الشعبوية  والغرائزية  والبذاءة ، وهي كذلك تراوح  بين الكشف والإخفاء، مع الميل المفرط  إلى الإخفاء ، على الرغم من الجعجعة والكلام الكثير الذي لا يقول شيئا.

ومادامت المقارنة حسب  دوركهايم هي”نوع من التجريب غير المباشر “، فإننا سنتوسل بها كذلك على ضوء المعطيات السابقة ، لعلنا نخرج  برؤية استشرافية لمعرفة المآل الذي يمكن أن يؤول إليه حزب العدالة والتنمية مستقبلا ، وبالأخص على المدى المتوسط أو البعيد . نقول هذا  على الرغم من اعترافنا بقوة هذا الحزب التنظيمية والتأطيرية ،ومن دون  أن ننسى كذلك  النتائج الانتخابية الأخيرة التي حققها ( الناس جربونا واعجبناهم لهذا عادوا ليختاروا مرشحينا )  . فلكل شيء إذا ماتم نقصان ” كما قال أبو البقاء الرندي ، ولأن ” النعمة  لا تدوم ” ، ثم  أن ” قانون العصبية ” الذي تحدث عنه ابن خلدون وفصل فيه القول لا يستثني أحدا !!!

      فبالرجوع إلى الوراء سنجد أن اليوسفي  بمجرد ما أن ألقى بنفسه وبخدماته إلى التهلكة في حكومة الموت، حتى خرج منها محزونا ومكلوما ، تاركا وراءه رصيدا نضاليا كبيرا ، وحزبا منهكا وملعونا ، لم تفارقه لعنة التناوب حتى  كتابة هذه الأسطر …..لماذا ؟ لأن وجوده بالحكومة آنذاك  ، كان ظرفيا فقط ، ولأن الأمور  قد جرت بشكل عمودي لا أفقي ، أي جرت من فوق لا من تحت. ..لذلك فما أن انتهت تداعيات حمى ” السكتة القلبية ” ،حتى  توالت عمليات دق  المسامير في نعش حزب الاتحاد الاشتراكي  ، في حين كان الانتصار الساحق حليف من سماهم اليوسفي ب” جيوب مقاومة التغيير ” ليس عليه وعلى حزبه  فحسب،  بل على كل الشعب المغربي الحالم بالحرية والديموقراطية من دون أن يؤدي فاتورته لا عدا ولا عدة !!!! وبذلك كانت التراجيديا  المحزنة المبكية .

      من جهة أخرى، لقد كان بنكيران خادما مطيعا للبصري ولنظام الحسن الثاني  ، ينفذ بالحرف والفاصلة ما  يملى عليه بكرة وأصيلا ، وهو من ” أنقذ { نا } من تداعيات الربيع الديموقراطي ” لأن خصوصيتنا لا تسمح بذلك !!! ،  وهو الآن ما فتئ  يفتخر بإنجازاته الكبرى التي لا تضاهى …. وبذلك يكون قد أسدى للنظام خدمات جليلة  لاتقدر بثمن ، وهي أكثر مما فعل أسلافه مجتمعين  ، ثم إنه هو من ساهم  في تمرير الدستور الممنوح والمرقع ، وفي  تنفيذ مخططات المؤسسات المالية العالمية المشبوهة ،  وهو من أضحك المغاربة في خصومه وفي أنفسهم !!! …

وحتى لا نضيع  في التفاصيل وما أكثرها !!  نستطرد في القول السابق ونقول  : إن بنكيران قد مال كسابقه إلى الاعتراف ” الكنسي ” التقليدي في الأخير (و لوجه الحقيقة في البداية  لا في الأخير لأن مسلسل الاعترافات بالعجز قد نزل علينا منجما منذ اللحظات الأولى )  ب” الخطيئة الأصلية ” في مجتمعنا المغربي ،  و بالعجز الكلي عن اجتثاث  الفساد و محاربة المفسدين، فأطلق فتواه الشهيرة ” عفا الله عما سلف ” و” لست أنا من يحارب الفساد ، بل الفساد هو من يحاربني “. وبالتالي الاستسلام كليا ” للعفاريت والتماسيح ” على الرغم من الخطب العنترية الفخرية والحماسية  .

     في سياق تحليلنا هذا الذي يروم كما صرحنا أعلاه، التمييز بين ما هو ثابت وعميق،  وبين ما هو آني وسطحي في تجربتي اليوسفي ( المأساة )وبنكيران ( المسخرة ) نخلص إلى  ما يلي :

ــ إن هاجس تثبيت الأمن واستقرار النظام ، ظل هو العنصر العميق والثابت والجوهري في كل التجارب الحكومية والانتخابية السابقة ، وبأن النظام يخرج دائما منتصرا في جميع أزماته،  و هو قادر دوما على تطوير وتجديد آليات البقاء والاستمرار .

ــ تعاقب الانتخابات والحكومات والوزارات ….بضجيجها  و عجيجا  ليس أكثر من نزوات عابرة لتفريغ الشحنات الزائدة من الجسم المجتمعي و أحداث آنية ظرفية ،  تلقي بظلال صخبها و لغطها على الهاجس السابق ذكره أعلاه ، وهي كذلك مجرد محاولات يائسة وبئيسة ،لإضفاء شرعية ديموقراطية زائفة  على واقع غير شرعي وغير ديموقراطي  .

ـ الشعب المغربي ظل كما  كان دائما ،هو الخاسر الأكبر سواء في التجارب الانتخابية السابقة ،أو في التجربة الحالية السيئة الذكر(  2015. ) فلا عدالة اجتماعية تحققت ،ولا حرية سادت ولا قطار ديموقراطية انطلق حتى يعبر مرحلة ” التدشين ” التي  تحدث عنها الحسن الثاني أيام زمان أي في  تسعينيات القرن العشرين !!

–  قد يكون  مآل حزب العدلة والتنمية ،هو نفسه المآل الذي آل إليه سابقه ( حزب الاتحاد الاشتراكي )  ، مع اختلافات بسيطة في جزئية هنا أو هناك . لكن ما ينبغي التاكيد عليه هنا هو مايلي :

     مادام معظم الشعب المغربي مهيئا اجتماعيا وثقافيا وسيكولوجيا …. لقبول أيديولوجية فاشية متسربلة بعباءة شعبوية، بل والتماهي معها أيضا ،ولأن الطبقة المتوسطة ببلادنا لم تجد بعد التعبيرالسياسي  الذي يناسبها  مع أنها تحمل وعيا سياسيا متميزا كما ، يقول محمد مصباح الباحث بمعهد ” كارنيغي”،ومادام  أغلب المثقفين والمتفيقهين والإعلاميين كما يرى “باسكال بونيفاس” بحق ،لا يعرفون سوى  ” قلب الحقائق ، بهدف توجيه الرأي العام نحو قناعات أيديولوجية أحادية البعد ” ولا يبرعون إلا في الانبطاح والمضاجعة  ، بدلا من الانكباب على تفكيك منظومة الاستبداد  بأبعادها المتعددة ،الدينية والسياسية والتاريخية والثقافية..

 مادام كل ما سبق وغيره حاضرا بقوة  في مجتمعنا ،بشكل لا يمكن تجاهله أو نكرانه ، فإن عدم فوز بنكيران بالانتخابات المغربية مرة أخرى ،في زمن هو زمانه بامتياز فوزا ساحقا وملحميا ، وحصوله على ولاية ثانية وربما ثالثة ورابعة … هو في نظرنا سيكون شذوذا  عن القاعدة ، وخروجا عن منطق التاريخ على الأقل كما فهمه هيجل ، طبعا المسألة هي مسألة وقت فقط  ،حتى يتم تكنيس أيديولوجية هؤلاء، ومن هم على شاكلتهم، لكنه سيكون حتما وقتا طويلا ومتعبا ،لأن هذا الوقت نفسه هو  في صالحهم !!!

       الآن ،وبعدما انتهت أحداث المسخرة الانتخابية وما صاحبها من صخب إعلامي مدوي ،وفي انتظار وقائع  جديدة سطحية وشكلية ، أو فضيحة تافهة من فضائح الفنانين أو السياسيين ، لكي نخوض فيها مع الخائضين بالمقلوب ، ولندعي الحكمة  والعلم والشرف ….الآن فقط ، نستطيع القول ونحن في آخر فصول مسرحية تراجيدية تم حبكها وإخراجها بإتقان تام ، أن التاريخ  المغربي لا زال سائرا بنفس إيقاعه السابق ،و عازفا على نفس  نغماته المألوفة والمملة ، وهي حتى وإن تعددت واختلفت فيما بينها ، فإنها تصب في  مقام واحد وصوت وحيد لا شريك له.

     فمن اختار مقاطعة مسخرة انتخابات2015، مثلما قاطع سلسلة المهازل والمسخرات السابقة ، وقال ” لكم دينكم ولي دين “،  فقد أصاب كبد الحقيقة و عين العقل والصواب  فعل ،أما بالنسبة لمن اختار موقف المشاركة،  فإن الأمر قد بات سهلا والعملية بسيطة جدا و غير مكلفة ، فحتى وسائل النقل قد أصبحت  طوع  أقدام الجميع ، وكل شيء على حساب صاحب المحل !!  ومثلما حسم مواطن(انتخابات2011 )  موقفه وسلوكه الانتخابي، حسمها مواطن  ( 4 شتنبر2015 )  ولبى  نداء الوطن والدين ،في يومه الجمعة !!! وقام ب”واجبه الشرعي ” بكل حرفية ومهارة، ووضع  (البركة) في الصندوق الزجاجي ،عسى أن يجدها في ميزان “قوى “حسناته “المختل “،خاصة  وأنه قد وعد البعض منهم بأن الخير سيعم ،  وأنه سيكون في مستوى أحلامهم هو وعائلته وعشيرته …فما عليهم إلا أن يناموا على الجنب الذي يريحهم لأنه معهم قلبا وقالبا .. لكنه انقلب في السويعات الأخيرة من عملية التصويت فصار قالبا  بدون  قلب !!لأن صوته كان لصالح من نفحه  أو نفخه ( ليس بالضرورة نقدا ، بل قد يكون صك غفران  مثلا !! )ومن دون  أن يتمكن حتى من معرفة حقيقة ما يجري :  من يحارب من ؟ وأين المصلح من المفسد ؟؟ وما الجدوى من العملية الانتخابية  برمتها ؟؟ مادام كل ذلك مجرد ترف فكري لا طائل من ورائه ، وكلام صالونات فارغ لا يشتري كبشا ولا يغني من جوع ا!

حسم  المواطن البسيط الساذج موقفه الانتخابي السابق ،  وهو معذور في سلوكه  ذاك ، لأن الذنب ليس ذنبه  ، بل هو ذنب من تركوه فريسة  الفقر والجهل والأمية.. حتى  تسهل عملية  تدجينه وقولبته وقيادته في مثل هذه الفرص والمناسبات العزيزة على  قلوب سماسرة دماء الفقراء،  و صيادي المياه العكرة ، في بلد استقرت به عجلة التاريخ  ردحا من الزمن أمام باب ” المدخل للديموقراطية “.

  في  الختام ، لا خيار لنا ولا فقوس ، سوى أن نسد بابا قد يدخل منه  الريح لعلنا نستريح ونريح،  ثم نستهجن ونعيب هذا الزمن الرديء على الأقل مرتين : المرة الأولى ، لأن العيب فينا كما قال الإمام الشافعي  ، والمرة الثانية لأننا نعيش في ” زمن القرود ” كما قال أبو نواس في إحدى روائعه  ،  ثم نكرر  كالببغوات ما رددناه  مع عبد الله العروي في زمن ” المأساة”:  ” ليس المهم كيف دخل ، لكن المهم هو كيف سيخرج منها ” هذا إن هو خرج أصلا ..!!!

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.