زلزال الحسيمة وارتدادات إلياس العماري

  • عندما ضرب زلزال الحسيمة 2004، هب كل الغيورين والفاعلين المدنيين، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتخفيف بعض من معاناة المنكوبين بالإقليم، وعبر مغاربة الداخل والخارج عن تضامنهم المادي والمعنوي، طار الياس العماري من الرباط للحسيمة، وعدل مقياسه على غير ريشتر الملتقط لارتدادات الهزة، فكان الحاضر الغائب في كل التفاصيل “كالثعلب الذي يظهر ويختفي”.

    هبت الجمعيات من كل صوب لتقديم المساعدة، وسبقت الراحلة “زليخة نصري” لفسح هامش أوسع لتحرك الفاعلين المدنيين بالمنطقة للتعويض عن عجز الدولة وهشاشتها بالريف، وتم رسم خطة مشتركة للتدخل الاستعجالي، فتشكلت تنسيقيات من جمعيات، وتعددت التسميات، وفضلت جمعيات أخرى الاشتغال بمفردها، وظل الياس كالطيف يحوم حول الجميع ، فتراه بمحاذاة مقر فرع الجمعية المغربية لحقوق الانسان حيث كانت تجتمع “تنسيقية متابعة آثار الزلزال” من دون أن يلج، أو بالمطار حيث تدار عمليات التدخل من قبل الوالي المكلف بالمساعدات.

    أتذكر يوم نظمت ساكنة بلدتي “اسنادة” وقفة احتجاجية بالمركز، تعبيرا عن سخطهم وغضبهم من عدم الاهتمام باحتياجاتهم الاستعجالية من خيام وأدوية..، قدم حينها رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان للمؤازرة وبصحبته ” عزيز بنعزوز” ، هذا الأخيرعبر لي عن تفاجئه من مشاركة السكان شيبا وشبابا عند نهاية الوقفة، بعدما بصمت هذه البلدة ولعقود لتسلط “بوعمامة” النافذ على الإقليم الذي نكل بكل من رفع رأسه ضده، خلصنا عندها أن مرحلة تطوى، وأن هذا الأخير أصبح من عداد الماضي.

    مصادفة أخرى جمعتني بإلياس العماري، عندما قدمنا لمطار إمزورن للقاء الوالي المسؤول عن المساعدات، برفقة بعض الفاعلين بالمنطقة- أحدهم أصبح الآن رئيس الجماعة-، وبصحبتنا رئيس جماعة اسنادة “الوزاني عبد العزيز”، وكان هذا الأخير متعبا جالسا بقاعة انتظار، ولم تعد الأبواب مفتوحة في وجههه كما عهد، فجأة انبعث الياس بين الخيام المضروبة بالمطار، تبادل معنا أطراف الحديث عن الهزات الارتدادية وغيرها، فأخبرنا أنه لا يأبه لها، لعل حسه كان متيقظا لارتدادت أخرى غير تلك التي يهلع لها أهل الريف، أخبرناه أن برفقتنا قيدوم البرلمانيين ” بوعمامة”، أطل عليه ساخرا، وأشاح بوجهه، فهمنا أن خدام الأمس لم يعد لهم مكانا، لكننا لم نكن ندرك أن الياس هو الخلف، طبعا بنكهة وحلة أوسع.

    سرعان ما خفتت المشاعر الإنسانية التي عمت الفاعلين خلال الأيام الأولى من وقوع الزلزال، لتفسح المجال للحسابات بين الرفاق عند بداية الحديث عن مشاريع إعادة الإعمار، فبدأت الرؤوس تتطلع للعب أدوار لمرحلة أخرى كانت تتشكل على أنقاض ركام الزلزال، فبدأ الحديث يتناسل عن كواليس وجلسات الياس العمري، وما يهندس خارج الإطارات المشتغلة.

    جاء برنامج إعادة الإعمار مخيبا للآمال، غضب من غضب، واحتج من احتج، أتذكر ذات لقاء ب”تنسيقية متابعة آثار الزلزال” كيف حاول “عزيز بنعزوز” أن يقنعنا بجدوى البرنامج للتفاعل معه إيجابيا، منبها إيانا لمنزلق إعادة أخطاء الماضي، وعند هذه المحطة تفرق الرفاق، وتبدد حلم ريف اعتقدنا أنه آن الأوان لنقرر مصيره ومستقبله بيدنا.

    انتهت حكاية بعض مساهمتي في التخفيف من وقع زلزال الحسيمة، وظلت متابعة قضائية ملفقة في حقي الى جانب آخرين رائجة بالمحكمة لحدود اللحظة.

    وبعدها كانت جلسات الاستماع حول ماضي الانتهاكات الجسيمة، فخرج “حكيم بنشماس” بشهادته التي سلط عليها الأضواء على غيرها من الشهادات الأخرى، فتعمق الخلاف أكثر حول طبيعة هذه المصالحة، وتشكلت إطارات بديلة..

    بينما موجات ارتدادات الياس العمري ومن تحلق حوله كانت قد أصابت هدفها بمركز القرار، وبعدها حكاية أخرى.

    ملحوظة: كتبت هذه المقالة مباشرة بعد تنصيب الياس العماري أمينا عام لحزب البام قبل أن يضرب الزلزال المدينة من جديد .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.