زعماء أحزاب سياسية يحثّون المواطنين على مقاطعة الانتخابات

بعد الهدنة القصيرة بين الأحزاب السياسية في معارك الملاسنات والقصف الكلامي المشبع بالاتهامات، عادت الاسطونة من جديد لتشتغل، ونتفرج على قصف كلامي متبادل، خاصة بين بنكيران من جهة والياس العماري وشباط من جهة ثانية.

بنكيران يتهم العماري بأنه مافيوزي يتحكم في الأحزاب السياسية ويستقدم أمناء إلى حزب الأصالة والمعاصرة ويعينهم ليكونوا مجرد كراكيز يتحكم فيهم كما يشاء، وسماه في كلمته اليوم ب”المشؤوم المعلوم”، مؤكدا أمام مستشاري حزبه أن “الأصالة والمعاصرة مات حينما غادره الكثيرون ولم يبق فيه سوى الجناح المافيوزي والذين يحلمون بأن يأكلون من فتات الأحزاب السياسية السابقة”…

أما شباط، الأمين العام لحزب الاستقلال الذي سبق له أن كان في الأغلبية الحكومية في النسخة الأولى لحكومة بنكيران، فهو بالنسبة إلى بنكيران صاحب ثروة تقدر بالملايير، ملمحا إلى بعض مصادر ثروته بقوله: “مقدكش انك عمدة وكتاخذ الأموال يمينا ويسارا وتوهم تجار المخدرات بأنك ستحميهم وبأنك ستحمي الفاسدين”، أي أن جزءا من ثروة شباط حسب رئيس الحكومة يجلبه من تستره وحمايته لتجار المخدرات وبعض الفاسدين؟؟

بالنسبة لإلياس العماري نائب الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة فبنكيران هو “زعيم الفتانة” ورئيس “عصابة الفتانة”، كما أنه أيضا كوّن ثروة مشكوك في مصدرها بعد أن “كان يشتغل مع صهره في شركة “جافيل” غير مرخصة، وكنت حينها أشتغل في شركة للطباعة، أبيع له الكاغيط” يضيف العماري متحدثا عن بنكيران.

شباط بدوره سبق أن اتهم بنكيران بتهم ثقيلة، بأنه يدعم داعش وأنه يخدم مع المخابرات الصهيونية وأنه…

هذا غيض من فيض مما يتداوله زعماء ثلاثة اكبر أحزاب في المغرب؛ البام والبيجيدي والاستقلال، اثنان محسوبان على المعارضة والأخر هو من يقود الأغلبية الحكومية.

هذه الصورة الأولية لوحدها تمدنا بصورة واضحة عن طبيعة العمل السياسي في المغرب، هذه الطبيعة يكشفها بؤس الخطاب السياسي الذي يروج له هؤلاء؛ أغلبية ومعارضة، خطاب سياسي يمتح من الحضيض ومن قمامات الأزبال قاموسه، أضف إلى ذلك السخافة التي تعتريه، ورغم ذلك فليس مستبعدا، في أي لحظة أن تسكت المدافع ويصيرا المتنابزان حليفين، ولعل ما حدث بين مزوار وبنكيران خير دليل، حيث سبق لبنكيران أن قال في مزوار ما لم يقله مالك في الخمر، وهو الآن يقود معه الحكومة الحالية وظفر حزبه بأهم منصبين في الأغلبية؛ وزارة الخارجية ورئاسة مجلس النواب. أيضا الصراع الذي نشب بين شباط والوافد الجديد كما كان يسميه، ويقصد الاصالة والمعاصرة، وكيف كان شباط يتحدث عن الياس العماري بأنه هو من أشعل مخيم أكديم ايزيك ويتحكم في بعض الولاة والعمال ويستقدم الفرقة الوطنية إلى جبال الريف لمطاردة الفلاحين الذين رفضوا التصويت للبام؟؟ حسب شباط دائما.

الآن لنتصور كيف يتلقى المواطن البسيط هذا الخطاب السياسي البئيس؟ ألا يجعله يكره أي شيء مرتبط بالممارسة السياسية في المغرب؟ وهو محق في ذلك؛ فكيف يعقل لرئيس حكومة أن يتهم أشخاصا بتهم ثقيلة جدا ولا يحرّك المتابعة في حقهم؟ وأيضا كيف لهؤلاء وهم يستمعون لاتهامات بنكيران و لا يطالبوا باثبات التهم في حقهم أو ليتحمل مسؤوليته، بل يعمدون هم أيضا إلى القاء سيل من التهم في وجهه. طبعا لا شيء من هذا يحدث أو سيحدث، لأن من يحكم فعلا في المغرب مستفيد من “صراع الديكة” هذا، فهو منزه عن الانحدار إلى هذا المستنقع، وهو في الأخير من يحكم ويقرر، أما هذا الصراع فلا يؤشر إلا على دونية الاحزاب السياسية وعجزها، ومن ثمة فمسألة بقاء القرار في يد الملك هو حصانة ضرورية من أجل عدم السقوط بين أيدي هؤلاء “السفهاء” الذين يوزعون التهم يمينا وشمالا، والذين يقولون ما لا يفعلون، يعدون ويحنثون..

هذا الصراع السياسي البئيس، يجعل المواطن المغربي يقتنع أكثر فأكثر بلا جدوى الانتخابات، ولا جدوى من الممارسة السياسية في وطن كهذا، لذلك تتضاعف نسب مقاطعة العملية السياسية رغم كل الأموال المرصودة من طرف وزارة الداخلية لتشجيع الناس على التسجيل في اللوائح الانتخابية، كيف لهذا المواطن أن يقتنع بالتسجيل في اللوائح الانتخابية وهو يرى هذه المهزلة؟

إن أكبر منفّر من العمل السياسي في المغرب، هي “بهلوانيات” هذه الأحزاب البرلمانية وزعمائها، إنهم يقدمون صورة ثلاثية الأبعاد عن واقع الممارسة السياسية التي هي بمثابة مسرح كبير، تقدم على ركحه مسرحيات هزلية، يلعب أدوارها رجال الأحزاب السياسية المنخرطة في النسق السياسي القائم؛ معارضة وأغلبية، بينما الإخراج والسينوغرافيا والإضاءة يتكلف بها من يمسك بالقرار؛ القصر الملكي.

وعليه ليس ضروريا أن تعبئ الهيئات السياسية غير المنخرطة في النسق السياسي القائم المواطنين على مقاطعة الانتخابات، يكفي أن يتحدث إلياس العماري وبنكيران وشباط ولشكر.. ليشيح المواطن، الذي ليس في حاجة إلى 100 درهم، بوجهه عن العملية السياسية برمتها…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.