زعزعة ولاء المواطن للدولة المغربية أو لمؤسسات الشعب المغربي!

لا يختلف اثنان على أهمية القانون الجنائي في حماية أفراد المجتمع من تعسف بعضهم البعض، بالنظر لما يتضمنه بين دفتيه من عقوبات تهم أفعال يجمع الكل على كونها أفعالا مستهجنة ترفضها السليقة السليمة للإنسان، لدرجة أن القانون الجنائي يوصف في الأوساط القانونية بأنه القانون الذي يصور أحقر أنواع السلوك البشري، نظرا لما تنطوي عليه الأفعال المجرمة بمقتضاه من شر واعتداء و مساس بحقوق أفراد المجتمع. هذه الصفة تنطبق على القانون الجنائي عندما ينحصر دوره في ما أشرنا إليه من حماية للحقوق من تعسف و اعتداء الآخرين، و هو الدور الذي يفترض في القانون الجنائي أن يلعبه.

لكن عندما يسخر القانون الجنائي للعب أدوار غير التي وجد من أجلها من حيث الأصل، يصير القانون الجنائي بحد ذاته تهديدا صريحا لحقوق أفراد المجتمع، حيث يثار إشكال توظيف القانون الجنائي لأعراض حسم الصراعات السياسية أو لتصفية الخصوم السياسيين أو التضييق على الحقوق و الحريات الفردية، على اعتبار أن القانون في هذه الحالة يصير مجرد وسيلة و من وسائل القمع أو وسيلة من وسائل تبريره تحت ذريعة تطبيق القانون، حيث تعمل الأنظمة الشمولية الاستبدادية على تحصين ذاتها و حماية مصالحها السياسية و الاقتصادية و الإيديولوجية، من خلال تسخير القانون الجنائي لتجريم تبني فكرا نقيضا للتحالف الحاكم، عبر تجريم حرية الرأي و التعبير و السعي لإضفاء صفة القداسة على الأشخاص، بهدف ضرب المعارضين و إسكات الأصوات الحقوقية المزعجة.

ومسودة مشروع القانون الجنائي المطروحة للنقاش لم تسلم من هذه الخاصية، رغم ما حملته من إيجابيات التي لا يمكننا إنكارها، على سبيل المثال ملائمة القانون الجنائي المغربي مع الاتفاقيات الدولية بخصوص جريمة الإبادة و الجرائم ضد الإنسانية و جرائم الحرب، تجريم التعذيب، تجريم الاختفاء القسري، تجريم الاتجار في البشر، تجريم التمييز…. إلا أنها تحمل في طياتها مجموعة من البنود التي تجعل القانون الجنائي يلعب دورا غير الذي وجد لأجله، من قبيل ما نصت عليه المادة 206 من مسودة مشروع القانون الجنائي التي تنص على: ” يعد مرتكبا لجريمة المس بالأمن الداخلي للدولة، و يعاقب بالحبس من سنة إلى 10 سنوات و غرامة من 2000 إلى 100000 درهم، من تسلم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، من شخص أو جماعة أجنبية، بأي صورة من الصور هبات أو هدايا أو قروضا أو أي فوائد أخرى، مخصصة أو مستخدمة كليا أو جزئيا لتسيير أو تمويل نشاط أو دعاية، من شأنها المساس بوحدة المملكة المغربية ، أو سيادتها، أو استقلالها، أو زعزعة ولاء المواطنين للدولة المغربية، أو لمؤسسات الشعب المغربي”. القراءة الأولية لهذه المادة تكشف العديد من الملاحظات التي تبين غرابتها سواء من حيث صياغتها و لا من حيث مضمونها.

أولا: يتبين من خلال الصياغة القانونية أن هذه المادة لم تقم بصياغتها يد قانونية محترفة، بل صاغتها يد أمنية بتوجيهات سياسية، نظرا لحجم الثغرات التي تحملها ، فالواضح من الصياغة القانونية لهذه المادة المدرجة ضمن المسودة أن الهدف منها مواجهة جهات معروفة لدى من قام بصياغتها، إذ عمد إلى اعتماد مفاهيم غامضة و مطاطية من قبيل الولاء للدولة و مؤسسات الشعب دون تحديد لها و دون تحديد للأفعال التي يمكنها زعزعة هذا الولاء، و الغرض من كل ذلك هو لجم أنشطة بعض الجمعيات و المنظمات الحقوقية التي تستفيد من دعم أجنبي من أجل تمويل مشاريع التربية على حقوق الإنسان ، وفضح ممارسات الدولة المنتهكة لهذه الحقوق ، و كأن هذه المادة لم تحترم خاصيتي العمومية و التجريد التي تميز القاعدة القانونية.

ثانيا: يتحقق الركن المادي لجريمة المس بالأمن الداخلي للدولة، وفقا لمنطوق هذه المادة، بمجرد تسلم دعما ماديا أجنبيا كلما كان الغرض منه تمويل أو تسيير نشاط أو دعاية من شأنها زعزعة ولاء المواطنين للدولة المغربية أو لمؤسسات الشعب المغربي، سواء تحقق هذا النشاط/الدعاية أو لم يتحقق. لذلك و إعمالا لمفهوم المخالفة في قراءة و تفسير المادة 206 من المسودة يتضح أن المشرع المغربي لا يجرم زعزعة ولاء المواطنين للدولة {و هو الأصل} وأنه فعل مباح، بل يجرم فقط تلقي أمولا أجنبية موجهة لنشاط من شأنه زعزعة ولاء المواطنين للدولة {و هو الفرع}، معنى ذلك أن زعزعت ولاء المواطنين للدولة إذا لم يكن ممولا أو كان ممولا تمويلا داخليا يعد فعلا مباحا غير مشمول بالتجريم، ما دام أن الأصل في الأفعال الإباحة. فكيف يمكن تجريم تلقي دعم أجنبي لزعزعة ولاء المواطنين للدولة، دون تجريم فعل زعزعة هذا الولاء؟ كيف يقبل تجريم الفرع و هو تلقي الدعم الأجنبي المخصص لزعزعة ولاء المواطنين للدولة؟، دون تجريم الأصل وهو زعزعة ولاء المواطنين للدولة؟؟؟ وما هي الأفعال التي يمكنها أن تزعزع ولاء المواطنين للدولة؟

ثالثا: اليد الأمنية التي صاغت هذه المادة لا تفرق بين الدولة و الوطن،و ربما لا تعرف أن الدولة باعتبارها شخص اعتباري من صنف القانون العام، يمكن لأي مواطن تضرر من أفعالها أن يرفع ضدها دعوى أمام القضاء، و أن يقف معها الند للند، فهل تعتبر مقاضاة الدولة انتقاص من واجب الولاء لها؟ هل يعتبر الموقف الداعي لمقاطعة الانتخابات دعاية تزعزع ولاء المواطن للدولة و مؤسساتها؟ أعتقد أنه إذا كان لابد من ولاء فليكن للوطن، لأنه أكبر من أي نظام للحكم و أكبر من الدولة وأكبر من الحكومة، إذ تسقط الأنظمة ويبقى الوطن، و تنهار الدولة ويبقى الوطن، و تحل الحكومات و يبقى الوطن.

رابعا: زعزعت ولاء المواطنين لمؤسسات الشعب المغربي؟؟؟ هذه النقطة تحتاج لشرح لكي نفهم المقصود بمؤسسات الشعب، هل المقصود بها مؤسسات الدولة؟ أم أن الأمر يتعلق بمؤسسات تابعة للشعب لا تعرفها إلا اليد الأمنية التي صاغت هذه المادة؟؟ إذا كان الأمر يتعلق بمؤسسات الدولة، يسري عليها ما يسري على الدولة، و على المواطن واجب نقدها و انتقادها وفضح ممارستها المنافية للقانون و الماسة بالحقوق و الحريات، ولا يمكن أن يعتبر ذلك انتقاصا من وطنيته، بل واجب الوطنية هو الذي يفرض القيام بذلك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.