ريف الهامش و مغرب المخزن

لؤي الجوهري

عدت إلى الفايسبوك مضطرا بعد صيام اختياري دام أكثر من شهر ، أمضيته في خلوة الحياة الواقعية و من دون شراك الشبكات الافتراضية ! لكن هذا العود لم يكن احمدا كما يقال حين تباغتك وتصعقك فيما يشبه الصدمة المأساة الرهيبة التي كانت من حظ او من سوء الحظ المواطن محسن فكري على يد رجال الأمن، هذه الآلة القامعة أكثر منها أداة من أدوات الدولة، الضامنة للقانون و تطبيقاته و التي لا تزال تخلف الضحايا العزلاء على طول خارطة القمع و الاستبداد بالسلطة ممن لا يقتتاون من أكنافها و لا يستظلون من ظلال هيبتها المخزنية، أولائك الذين هم من عموم الشعب و من جملة المواطنين البسطاء الذين لا حول ولا قوة لهم سوى رمق العيش ينتزعونه انتزاعا كل يوم من أيامهم البئيسة تحت شمس الاستبداد و رذائل الفساد العام و الممنهج!.
من أصبح هذه الأيام على خبر اغتيال بائع السمك تنفيذا لتعليمات الجملة الرهيبة “طحن دين مو ” سيتأكد بما لا يدع الشك من زيف ما سمي بالعهد الجديد، هذه الجملة السلطوية بامتياز ستكذب كخيوط شمس باهرة الوضوح دعاوي من يجذلون بمصطلحات فضفاضة و منمقة عن مغرب الحق و القانون و الذي لا يسكن إلا في الخطاب الرسمي للمخزن و في أمخاخ من يكلأون على ضفاف سلطته خلاف مغربنا الذي نعرفه حق المعرفة من الأحياء الشعبية المكدسة بالمدن إلى الدواوير المغمورة المطمورة في الأرياف و البوادي النائية الذي هو أقرب إلى دولة المخزن والقايد و الباشا ثم الرعاع بطقوسها السلطوية المطلقة و المتوارثة!. كما لا نحتاج إلى جهد السيمانطيقا و علوم التأويل أو إلى فقه القانون كي توضح هذه الجملة أين تقف دولة القانون و المؤسسات و أين تبدأ الدولة العميقة، الحقيقية الاخرى!.
اغتيال محسن فكري لا يضعنا فقط أمام فاجعة مواطن من الريف المهمش “طحنته” تقاليد و ممارسات الفساد الشامل الذي يعم أرجاء المملكة السعيدة و إنما هو جريمة أخرى تنضاف إلى تاريخ أسود حافل من انتهاكات جماعية و فردية و اعتسافات متوالية في أزمنة مختلفة من تاريخنا الحديث على نفس الجغرافية، ظلت تغتصب تاريخه و ذاكرته باستمرار!. تتوج بذلك سلسلة فواجع اخرى غير متباعدة في الزمن حدثت في الريف كقضية المواطن كريم لشقر الذي ازهقت روحه عنوة باحدى مخافر الشرطة بإقليم الحسيمة نفسه ، ثم قضية مغني الراب ريفنوكس Rifnox الذي عثرت على جثته ملقاة في إحدى أرباض جبل كوركو بإقليم الناظور وهي في حالة تفسخ متقدمة لا زالت تحتجز معها أسرار الأيادي الخفية الغادرة ثم أخيرا و ليس آخرا قضية الشبان الخمسة الذين ألقي بجثتهم في كشك البنك في بحر انتفاضة الكرامة 20 فبراير و إحراق بصمات الجريمة بألسنة لهب لا تزال تكتوي بلهيبها قلوب أبناء مدينة الحسيمة!. هل بعدئذ أمام هذا الرصيد الدموي القبيح يحق للبعض ممن يستقرئ معضلة السلطة المخزنية و مخالبها الأمنية الغير مقلمة بالريف على وجه التحديد ان ينتقي خطاب حياد المخزن و براءة أياديه بالضلوع في مثل هذه الجرائم! ، بل و نزوع بعض الأقلام المحسوبة على الأصوات الحرة و النزيهة لتخفيف ثقل و حدة واقع الاستبداد و الجور و القهر و التصفية بوضعها في خانة التجاوزات و الخروقات التي هي الثمرات الكريهة للشطط في استعمال السلطة و التي -حسبهم- لا تلتزم بالمساطر القانونية العامة و الجزئية التي تنظم المؤسسة الأمنية و مثيلاتها من مؤسسات الدولة!. هذه يا سادة قراءة تود تلميع أكذوبة الدولة الحديثة التي يحلم بها البعض و يفتري بها البعض الآخر للقفز على حقيقة دولة المخزن الجاثمة على صدور المواطنين أناء الليل و أناء النهار!.
المسألة هي أخطر من ذلك بكثير، إنها تفضح السياسيات المتبعة بالمنطقة المرهونة بالمقاربة الأمنية المحضة والفجة، الموروثة عن الرعونة الاستعمارية الكريهة التي تضع الشعوب تحت طائلة المهيمن عليه، لا تبرح حالة المشتبه فيه الدائمة!. لذلك فالنزف المستمر للضحايا الشهداء بالريف يغدي لدى العديد من أبناء المنطقة شكوكا ترقى إلى حقائق بينة بوجود نفس المخطط الأمني الذي يقضي باستمرارية حالة الطوارئ و الاستثناء و الذي لا يزال ساري المفعول بمجموع الريف منذ الاستقلال الشكلي إلى يومنا هذا!. لهذا، حين تساس منطقة تاريخية بأكملها تحت هاجس الأمن و وساوسه فليس بالغريب اذن أن يتطاول السلطويون من الأزلام و الأقزام و تتمطط صلاحياتهم خارج الثكنات و الكوميساريات لتجتاح كل تفاصيل الحياة اليومية للمواطن الريفي المغربي!.
ختاما، مأساة محسن فكري و غيره من ضحايا الشعب المغربي المغلوب على أمره تعيد مرة أخرى إلى واجهة و راهن الحدث في وطننا قضية البناء الديموقراطي الحق الذي يضمنه دستور منتخب و حكومات منتخبة، تسهل أمكانيات المراقبة ثم المحاسبة و التي هي وحدها و من خلالها ستحد من حدة الأضافر التي تنمو و تطول في ظل سلطة المخزن المتعالية!.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.