روح 20 فبراير..

لستُ من هواة الرثاء، لن انخرط في تدبيج “قصائد غنائية” بِنَفَسٍ حزين تتغنى بأمجاد حركة 20 فبراير، ورَفْضِي الرثاء ليس مرّده إلى عناد مجاني ولا فوبيا الموت، بل لأنني أحب الحياة أكثر، وحبُّ الحياة يعلّمك التفاؤل في أقصى درجات عزلتك، العظيم “غرامشي” كان وراء قضبان الفاشية محكوماَ بعشرين سنة سجنا، حينها قال عبارته الأثيرة :”علينا أن نستعيض عن تشاؤم العقل بتفاؤل الارادة”…

صحيح ثمة تشاؤم يحاصر العقل، لكنه أيضا ثمة إرادة فتية بكامل مشمشها تعانق التفاؤل وتغازل الحياة بشبق المحب، لم تنل منها لا غارات اللصوص وقطاع الطرق، ولا احباطات الطريق ومنعرجات المسير…

هم يستعجلون الحديث عن 20 فبراير بوصفها تاريخاً مضى، ونحن نريده حاضراً ومستقبلاً ما زال ثاوياً بين أيدينا، نعم لا أحد ينكر أن وهج الحركة لم يعد كما كان لأسباب عدّة، لكن لا أحد يستطيع أن يقول أن الأسباب التي جعلتنا نتداعى إلى شوارع الوطن قد انتفت، بالعكس كل يوم يمضي يؤكد أكثر أن الحركة كانت محقّة في طرحها التغيير من خارج النسق السياسي القائم، النظام القائم لم يعد جسده يتقبل حُقن الاصلاح، إنه جسد أثخنه سرطان الفساد والاستبداد، ولا حياة له إلاّ ضمن معادلة مستحيلة؛ أن يغيّر فصيلة دمه، أما عهد الرقع فقد ولّى لن يجدي نفعاً…

الحركة بوصفها أشكالاً تنظيمية وقوة في الشارع خفت وهجهها كثيراً، لكن بوصفها روحاً وفكرةً ما زالت تحتفظ بكامل رونقها في أذهان البسطاء والكادحين، ولكم أن تروا كم من تجربة نضالية مرتبطة بمحيط جغرافي معين أو فئة اجتماعية محدّدة استلهمت تجربة الحركة. وما زال النظام المغربي يتعامل مع كل ما يمت بصلة للحركة بقمع أهوج ورغبة دفينة للانتقام، كيف لا وهي تؤرخ لسابقة طَرْحِ أسئلة وجودية عن هوية هذا النظام وسط الفضاء العمومي، وسط الشارع وليس في منشورات سرية فقط، بل كانت الأسئلة تعلو على الحناجر المدوية..

ليس عيباً أن نقول أن زخم الحركة لم يعد كائناً في الشارع الا بشكل مناسباتي منفلت، لكن العيب وغير الدقيق أن نعلن أن الحركة فشلت وهذه أسباب فشلها؟ الحركة فشلت تستلزم أن الاخر انتصر، لكن الواقع غير هذا، الحرب لم تنته بعد، ولننتبه أن هذه ليست فذلكة لغوية فقط، بل تعبير عن قناعات كل واحد ونظرته لطبيعة العمل الجماهيري.. ستكون الحركة فشلت لو تم تقديم بديل آخر، أكثر استيعاباً لشروط المرحلة وأكثر نباهة في التقاط اللحظة التاريخية، لكن شيئاً من هذا لم يحدث، فقط كان هناك تمديد وتمطيط لعمر الأزمة عبر توظيف ورقة اسلامي العدالة والتنمية، وصدق المسكين بنكيران القصة وراح يردّد بمناسبة أو بغيرها أن أهم انجاز لحكومته هو الحفاظ على استقرار المغرب؟؟؟

إن وهم استقرار المغرب سيسقط لا محالة تحت وقع سنابك غلاء المعيشة، وتدهور الخدمات الاجتماعية، والارتهان بسياسة المؤسسات المالية الدولية، واستمرار منطق التحكم السياسي… إن تجارب التاريخ تقول أنه من يرفض أن يتعاطى مع جزء من مطالب الشعب، سيكون غدا مرغما على ترك الجمل بما حمل،  ذلك جزاء من يعاند تدفق التاريخ بالكذب والافتراء وشراء الذمم… لا أرجم الغيب، لكن كل معطيات الميدان وكل التقارير والمؤشرات تقود الى نتيجة واحد؛ إلى الانفجار الكبير، متى وأين، لا أدري؟ لكنه آت لا ريب فيه.

ولتستمر روح 20 فبراير متقدة… وليستمر الوفاء لشهداء الشعب المغربي.

تعليق 1
  1. المهدي تويجر يقول

    قلت لمناضل شارك في التظاهرة الاخيرة بالرباط احياء للدكرى الثالتة لحركة 20 فبراير ان هذه الحركة ربما اصابها الوهن ؟لا يكفينا ان الشعلة موجودة ومضيئة وهذا يرهب الاعداء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.