رواد الفايسبوك بين الضغط والرقابة !!

مع بروز قوة وسائل الإعلام في العصر الحديث واتساع الدور الذي تلعبه مواقع التواصل الإجتماعي، فقد أضحت هذه الأخيرة جزءا لا يتجزء من حياة الناس والقلب النابض لكل تغيير فعال، ومحور كل قضية من القضايا الوطنية، لذا فالتأثير على المسؤولين السياسيين  وصناع القرار بات يتطلب الإستعانة بهذه المواقع.

فمواقع التواصل الإجتماعي وخاصة الفايسبوك باتت تضطلع بدور ريادي، حيث قلصت من دور وسائل الإعلام الرسمية في صناعة الرأي العام، وبدأت تضع بصمتها بقوة لدى عموم الشارع المغربي، وتأخذ حيزا كبيرا من اهتمام الباحثين عن تغيير الأوضاع السياسية، والفايسبوك لم يعد فقط أداة للتواصل الاجتماعي وتبادل وجهات النظر، وإنما تحول إلى وسيلة لتوجيه وتأطير الرأي العام، لأنه يجعلنا نعيد التفكير في المقولة التي تشبه العالم ب “القرية الصغيرة” التي تجعل مواطنيها في عالم خال من المباني والطرق، ولكنها مليئة بالآراء والأفكار والتوجهات .

وطبعا لايخفى على أحد منا، أن الفايسبوك يمكنه أن يؤثر سلبا أو إيجابا على المسؤولين السياسين، نظرا للحرية التي يحظى بها رواد الفايسبوك من حيث التأثير على الرأي العام، ومن حيث متابعة التصريحات والمواقف التي تطلقها الشخصيات العمومية، فالفايسبوك أضحى يعتبر سلطة خامسة تمارس تأثيرها على المشهد السياسي المغربي، وبالتالي فإن هذه الوسيلة كفيلة برفع مكانة أي شخصية عمومية كيفما كان وزنها، كما يمكنه تدميرها و جعلها موضوع النقد و السخرية.

لذلك فإن أي تصريح خارج السياق ستجد له صدى غير محدود في مواقع التواصل الاجتماعي، بالنقد والسخرية والاستهزاء والغضب والفضح، مثل ما حدث عندما صرحت الوزيرة المنتدبة المكلفة بالماء شرفات أفيلال على القناة الأولى في البرنامج الحواري “ضيف الأولى”، في سياق حديثها عن معاشات البرلمانيين والوزراء، حينما وصفت تعويضاتهم ب”جوج فرنك”، وهو ما نعثه سكان الفايسبوك استخفافا بعقول المغاربة واستفزازا لمشاعرهم، وهو ما جعلها تخرج باعتذار للمواطنين على إثر هذا الإستفزاز. أو كما وقع مؤخرا عندما تم استضافت الوزيرة المنتدبة المكلفة بالبيئة، حكيمة الحيطي، على قناة ميدي1 تيفي في برنامج “90 دقيقة للإقناع ” عندما صرحت بكونها تأدب دائما على الحضور لمقر عملها، في رد على الانتقادات التي تلقتها حول عدم تواجدها بالوزارة، لتجيب بكونها تتواجد على الدوام، وعملها يمتد لحوالي 22 ساعة.

ونفس الأمر حدث في الأيام القليلة الماضية خلال تصريح وزير التشغيل عبد السلام الصديقي في حوار إذاعي ب ” ميد راديو” بأنه كان في صغره يرعى الغنم، والآن “كيسرح بنادم”، وقد نال هو الآخر نصيبه من الانتقاد والسخرية، والتي دفعت بحزب التقدم والاشتراكية بتوجيه اعتذار يوضح للرأي العام أن الوزير لم يكن ينوي أي سوء.

ومن ثم باتت مواقع التواصل الإجتماعي تتمتع بأهمية خاصة، حيث أصبحت تشكل قوة ضاغطة ومؤثرة ترهب الجهات المسؤولة، لكونها وسيلة مكملة للإعلام التقليدي، على اعتبار أن هذا الأخير يتابع ما يقع على الساحة الوطنية من أحداث ويستضيف المسؤولين ويناقش القضايا، والمؤثرين على الفايسبوك يتتبعون الحدث ويشكلون رأي عام حول مسألة معينة عبر شرح وجهات نظرهم رفضا لما يجري. و كلما ارتفع عدد المعلقين و المنتقدين بقدر ما ترتفع درجة الضغط على المسؤول ويصعب تجاوز الأزمة.

 لذلك فشبكات التواصل الإجتماعي وحدها غير كافية لمحاربة الريع والفساد، وبالتالي لابد من التكامل بين هذه المواقع وما تقدمه القنوات التلفزيونية من تصريحات وتغطيات للأحداث والمناسبات، حتى تعمل على استكمال بعضها البعض، الأمر الذي يفسر أن العلاقة بين هذين الشكلين من الإعلام هي علاقة تكامل، بحيث أنه لابد من أن يتدخل الإعلام الإلكتروني في الإعلام التقليدي ليظهر بعض أبعاده وما يربو إليه، ويلاحظ أن هذه العلاقة بدأت تتشكل مؤخرا في المغرب.

وفي هذا السياق، فإنه ليس غريبا إذا قلنا بأن الفايسبوك ليس له تأثير واضح على المسؤلين السياسيين ببلادنا، لأنه منذ أن بدأ النضال الرقمي، وبدأ رواد الفايسبوك يتلاقفون وينتقدون الشخصيات العمومية بالمغرب، فلم يذكر أي موقف قوي استطاع به أن يؤثر على إقالة أو توقيف أحد المسؤولين، ما عادا إذا استثنينا إقالة وزير الشباب والرياضة محمد أوزين بسبب فضيحة “الكراطة” بملعب الرباط و 22 مليار، وبالتالي فالإنتقاد الفايسبوكي في المغرب يصنع العجائب في العالم الافتراضي، لكنه قد لا يصنع شيئا في الواقع، بل يكتفي بالإنتقادات والسخرية فقط ، بمعنى لا يوجد تأثير واضح بقدر ما هو تعميم للحدث على نطاق واسع.

وعليه يمكن القول أن التأثير الرقمي ليس من مهمة المؤثرين الفيسبوكيين فقط، وإنما هي عملية تشاركية تتطلب التفاعل بين مختلف الفاعلين لتشكيل مواطنة إلكترونية، ومن ثم فسكان الفايسبوك اليوم مطالبين بأن يستغلوا حرية الإنتقاد الرقمي عبر تحديد المبتغى الذي يريدون الوصول إليه لتحقيق نتائج فعالة وتغيير سياسي حقيقي، لأنه في ظل غياب تلك الرؤية ستكون الإنتقادات فارغة، و سيظل هؤلاء يغردوا بعيدا عن سرب محاربة الفساد والمفسدين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.