رهن الديمقراطية في مستنقع حرب المواقع السياسية

ع جلال بالمامي

 التحضيرات المرتبطة بمحطة تشريعيات 7 أكتوبر 2016 حبلى بالتناقضات ، و شقها السياسي أضحى من المضحكات المبكيات بسريالية الخطاب و نوعية الأسلحة المعلنة و المضمرة ، المستعمل منها إلى حدود اللحظة و المتروك منها تحينا للحظة السياسية المناسبة، و من غير مجازفة القول ببؤس الوضع السياسي الراهن خطابا  و ممارسة ، و خطورة محاولات تنازع المجتمع في سعي حثيث لإعادة بناء موازين القوى و ترتيب هندسة الرقعة السياسية بما يتماشى  و أهداف كل طرف في الصراع الدائر حول  تملك مشروعية الوصول لقيادة الحكومة التي لا تستقيم ( المشروعية) إن هي اكتسبت بأدوات غير مشروعة و أساليب غير شريفة لان مخارج صراع من هذا القبيل حتما هي إغراق البناء الديمقراطي في مستنقع مليء بالمخاطر ،و نحن نتابع هذا التطاحن المباشر و المرموز ما بين الأحزاب السياسية من جهة و ما بين بعضها و هو مفرد و ما بين وزارة الداخلية التي من المفروض فيها دستوريا أن تكون من ضمن الوزارات التي يرأسها رئيس الحكومة و إلا ما معنى حضور وزيرها في اجتماعات المجالس الحكومية إن كان تابعا لجهة أخرى ،نستشعر بقليل من النباهة رداءة و قبح حبكة المسرحية ، و لعل بن كيران الذي يجيد خطاب التبرير لا التفسير و ينتهج أسلوب المظلومية في تواصله حينا و التهديد أحايين أخرى في اتجاه الدولة و في اتجاه القائمين عليها ، يوظف اليوم كل مهاراته التي اكتسبها في خدمته للدولة العميقة حينما كان يزج بمناضلي اليسار إلى غياهب السجون و يقتاد العديد منهم إلى حفلات التعذيب و يساقون إلى المعتقلات السرية السيئة الذكر و يعرضون على المحاكمات الصورية ، فمحاولاته استمالة بعض الأجنحة الخارجة عن مراقبة الدولة بما تعنيه المراقبة من شك متواصل في النوايا و عدم اطمئنان تام على المقاصد كما هو الحال بالنسبة لترشيح حماد القباج و خطب ود بعض وجوه حركة 20 فبراير المجيدة للترشح في لائحة الشباب و استعماله الكثيف في المرحلة الأخيرة لفزاعة الربيع العربي في جل تجمعاته و اجتماعاته الحزبية و استباق نتائج الانتخابات بيقينية ماكرة حينما يتحدث عن أن احتلال حزبه للمركز الأول شيء مؤكد، كل هذا يدخل في خانة الضغط على الحكم و ترهيب الدولة الحاكمة عبر رسالة لا تحتمل التأويل و هي أن استمراره لولاية ثانية ضمان للاستقرار بالبلد و في حالة العكس فان علاقاته ببعض الحركات الإسلامية الغير مروضة و ببعض الرموز التي يعتبرها النظام راديكالية،قابلة للتطوير و لتحريك الشارع و بالتالي فان بن كيران في كلتا الحالتين لا يعبر عن قناعة حقيقية بالديمقراطية و لا بقواعد اللعبة الديمقراطية و هو من هذا المنظور يمارس ابتزازا سياسيا رخيصا اتجاه الدولة من المؤكد أن غايته التحكم في مفاصلها و هو ما يبدو أنها فطنت إليه، غير أنها تظهر مرتبكة في مواجهته ، فتسويق حزب البام كمنافس حقيقي للعدالة و التنمية و كبديل لقيادة الحكومة المقبلة من خلال اصطناع قطبية مزيفة و مجني عليها ، فيه ضرب لمبدأ التعددية كخيار وطني أسس له دستوريا و هو أيضا مغامرة غير محسوبة العواقب لان رفع  المصداقية عن الأحزاب السياسية كإطارات وساطة مجتمعية مع العزوف المتواصل للناخبين عن المشاركة في العملية الانتخابية و اصطناع مسيرات ضد طرف بعينه و حقنها بمنشطات مخزنية غير مرئية   لن يؤدي إلا إلى مخرج واحد وهو ضمور الأفق الديمقراطي بالمغرب ,

من حق العدالة و التنمية أن تدافع عن نفسها و عن مشروعها المجتمعي و من حق البام أن يجتهد لتجاوز خطيئة الميلاد ليكون لاعبا سياسيا من غير منشطات و من حق الدولة أن تحمي مؤسساتها و رموزها ، لكن ليس من حقهم جميعا الدوس على الخيار الديمقراطي و رهن مستقبل شعب بأكمله،فالتدافع السياسي لا يبنى بمنطق أكون أو لا أكون ,

المعركة الحقيقية للمغاربة اليوم و التي يريدون ربحها هي إصلاح منظومة  التعليم  لتكوين أجيال واعية ومتشبعة بقيم المجتمع الحداثي الديمقراطي، هي وجود بنيات تحتية صحية تيسر الولوج للعلاج لكل الناس ، هي كرامة العيش ، هي صون و حماية حقوق القوى العاملة بالبلد ، هي تسريع وثيرة التشغيل للحد من البطالة المستفحلة و المستشرية في أوساط أبناء الوطن عبر تشجيع الاستثمار و الرفع من الشق العمومي منه ، هي عدم رهن البلد في يد المؤسسات المالية الدولية بإثقاله بالديون، هي ضمان نزاهة القضاء المغربي بغض النظر عن الأوضاع الاجتماعية و الاعتبارية للمتقاضين ، هي تمكين المواطنين من حماية اجتماعية حقيقية فليس بسوي من يفتخر بتوزيع 8 ملايين بطاقة رميد لأنها تعني بكل بساطة 8 ملايين معوز و فقير، المعركة هي تسريع وثيرة النمو من خلال تنويع و تمنيع الاقتصاد الوطني، هي القطع مع الريع بكل أصنافه، هي التوزيع العادل للثروة وهي بناء عدالة ضريبية لا تحابي الأغنياء في مقابل الفقراء ، هي محاربة الفساد قولا و فعلا لا اختباءا وراء مسميات التماسيح و العفاريت و نهج سياسة عفا الله عما سلف  ، هي إنفاذ و إعمال المقتضيات الدستورية لا التنازل عنها و التباكي على التأذي من التحكم ، هي احترام الالتزامات الانتخابية لا القفز عليها بمبررات برامج التحالفات الحكومية ، هي تقوية المرفق العمومي لا التنازل عليه للشركات المتعددة الجنسية و لجشع الرأسمال ، هي حماية الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية و المدنية  ، هي جرأة الممارسة لا بطولة الخطاب ، هي أن يكون الوطن أولا أما الباقي فإلى زوال بالقرار الإلهي الذي لا مفر منه و لا استئناف فيه و لا معه.

*الكاتب العام الوطني للشبيبة العاملة المغربية، وعضو المكتب التنفيذي للمجلس العالمي للشباب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.