رمضان و” سلوك الترمضين ” ( قراءة نفسية – اجتماعية )

إن ظاهرة أو  ” سلوك الترمضين ” من الناحية السيكولوجية و كما يتفق عليه ذلك السيكولوجيون المغاربة، هي حالة نفسية تصيب بعض الأشخاص في أيام شهر رمضان، وهذا السلوك يتكرر في غالب الأحيان كل يوم في الشوارع ، الأسواق والأماكن العمومية، وخصوصا في الأحياء الشعبية. دون نسيان مؤسسات المجتمع المغربي كالأسرة ، المدرسة ، المعمل و المرافق اللإجتماعية والإدرات العمومية بصفة عامة، حيث يتفاقم هذا السلوك بسبب غياب أو إنعدام التواصل بصفة خاصة، مثلا بين الزوج والزوجة في الأسرة أو بين المواطن والموظف في الإدارة العمومية و… إلخ .
أما هذه الظاهرة أي “سلوك الترمضين ” من الناحية السوسيولوجية، فيفسرها أغلب السوسيولوجين المغاربة بأنها ظاهرة كانت في الماضي تخص الأشخاص الذين يدخنون السجائر فقط، أما اليوم ” فسلوك الترمضين ” يشمل كذلك المدمنون على المخدرات، الكحول والكافين ، بحيث تظهر عليهم علامات واضطرابات خطيرة في السلوك ، الأمر الذي يجعل “سلوك الترمضين” يأخذ أبعادا مضاعفة.
ليكن في علمنا، أن هذا السلوك يظهر بوتيرة مرتفعة في غالب الأحيان بين فترة العصر والمغرب أي قبل الإفطار بساعتين أو ثلاثة . فماهي العوامل أو الأسباب الكامن وراء هذا السلوك ؟.يمكن أن نختزل عوامل و أسباب وجود أو ظهور هذا السلوك إلى سببين ، السبب الأول وهو السبب الرئيسي يتعلق بما هو فزيولوجي أو جسمي، أما السبب الثاني فله حمولة نفسية – اجتماعية ( بسيكو- سوسولوجي ) .
إن عدام وجود التغذية الكافية أو إنعدامها بشكل مطلق، يؤدي إلى أنعدام  وانخفاض نسبة الطاقة الحيوية في الجسم ، فمثلا انخفاض نسبة السكر في الدم ( كليكوز ).. هو الذي يعطي الإحساس بالكسل والفتور ونوع من الصداع والدوخة.. بل أحيانا يحدث عند بعض الناس ارتعاش في أطراف اليدين مثلا، وقس على ذلك من المواد المنتجة للطاقة الحيوية و المتجددة في الجسم. إضافة إلى مواد الغذائية المنتجة للطاقة الحيوية للجسم والتي هي طاقة إجابية ، نجد الطاقات الحيوية التي يمكن إعتبارها طاقة سلبية، فانخفاض نسبة النيكوتين والكحول في الجسم عند بعض الأفراد يسبب لهم مثلا خمولا وشللا حركي أو قلقا زائدا على المعتاد على مستوى الجهاز العصبي . وهذا ينطبق كذلك على  إنخفاض  نسبة الكافيين في الجسم بالنسبة  للمدمنين على القهوة أو بعض المواد التي تحتوي على هذه المادة. كما أن عدم مداومة بعض الأفراد في شهر رمضان  وعدم إستعمالهم مثلا  لأدويتهم المضادة الاضطرابات النفسية واضطرابات العقلية تكون لها تأثيرات سلبية على مستوى جهازهم العصبي .إضافة إلى هذه الطاقات الحيوية والمتجددة للجسم ، نجد كذلك أن النوم المضطرب أو قلة النوم يقلل من تجديد الطاقة الحيوية للجسم، كل هذه العوامل  تؤدي إلى حالة من الفشل أو حالة من القلق و… إلخ ، وبالتالي ظهور ” سلوك الترمضين “.
بعد ما أشرنا إلى العوامل و الأسباب الفزيولوجية ” لسلوك الترمضين “، سنحاول ملامسة بعض الأسباب نفسية – إجتماعية ( بسيكو – سويولوجي ) لهذا السلوك . فنجد أن أفراد المجتمع المغربي خلال شهر رمضان ينقسم إلى فئتين متناقضتين من الناحية السلوكية. مجموعة تسلك سلوكا مقبولا إجتماعيا، بحيث يكون لها إشباع ” نفسي – روحاني ” كطاقة معنوية حيوية ومتجددة عوض الطاقة المادية  أو الطاقة الغذائية، فتعتبر شهر رمضان شهر للمغفرة والثواب وصلة الأرحام بين العائلات ، وكذلك لترسيخ العادات والتقاليد المغربية. أما الفئة الآخر فلا تتأقلم أو ليس لها قابلية التأقلم والإندماج في الأجواء والطقوس الرمضانية، فتسلك سلوك غير مقبول إجتماعيا أي ” سلوك الترمضين ” ، فهذه الفئة تحاول التعبر عن نفسها بسلوكات غير مقبولة إجتماعيا. فنجد القلق أو الإكتئاب هو المسيطر عليها ، فتغير المزاج الغير المبرر الذي يظهر بشكل أوضح ليس في الشوارع والأسواق فقط ، بل حتى في الإدارات العمومية و المصالح العامة للدولة التي يلجأ إليها المواطن لقضاء مآربه، دليل واضح على وجود خلل ما في البنية النفسية و الإجتماعية. وقد نصادف موظف يسلك ” سلوك الترمضين ”  كحجة لتعطيل المصالح و التهرب من أداء الواجب المهني مثلا،وهناك أمثلة متعددة لا يتسع المجال لذكرها .
خلاصة القول ، إن نقص  نسبة أو إنعدام السكر في الدم ( كليكوز ) ، النيكوتين ،الكحول  والكافيين، وعدم إستعمال الأدوية وقلة النوم أو إضطراب في النوم كلها عوامل تؤدي في نهاية المطاف إلى إحساس الفرد بالقلق  الزائدة عن المعتاد مع سرعة الهيجان و”النرفزة” وعدم التركيز فيسلك الفرد سلوكا غير عادي وغير مقبول إجتماعيا وهو ما يصطلح عليه في المغرب ” بالترمضين “. فتسمع في غالب الأحيان ، ” بعد مني راني صايم ” أو ” راني صايم متعصبيش ” أو  ” والله حتى نترمضن عليك ” … إلخ من الكلمات والعبارات المتضمنة لهذا مصطلح ” الترمضين “
يتمظهر ” سلوك التمرضين ”  في شقين ، الشق اللفظي المعنوي كشتائم وغيرها من العبارات التي نسمعها بشكل متواصل خلال أيام شهر رمضان. هذه العبارات تعقبها في الغالب مشاحنات و مناوشات أو الإعتداء كضرب مثلا وهو الشق المادي، حيث العنف والعنف المضاد هو سيد الموقف، الذي قد يؤدي في بعض الأحيان إلى القتل . ومن بين مظاهر التي تعكس سلوك الأفرد ” المرمضين ” يمكن لنا إيجازها فيما يلي :
– عدم توازن شخصية ” المترمضن ” وفقدان السيطرة وسرعة الانفعال وضعف التركيز واضطرابات النفسية والعقلية .
– اطلاق الشتائم، العراك و جرائم القتل والاعتداءات الجسدية، وخاصة في فترة ما قبل الافطار أي قبل أذان المغرب بساعتين أو ثلاثة .
– الفوضى والانانية والازدحام قرب المحلات التجارية او محلات بيع الحلويات …ألخ
– الازدحام المروري وعدم احترام قواعد المرور وادابها، ويتمثل ذلك في السرعة الجنونية والتجاوز الخاطيء وعدم اعطاء الأولوية واستخدام الزوامير بطريقة صاخبة ومزعجة.
– انتشار حالات السرقة خاصة في الفترة الزمنية الممتدة بين العصر والمغرب، حيث تكثر الحركة ويشتد الزحام في العديد من الأماكن والأسواق ، الشيء الذي ييسر عمليات نشل حلي النساء والهواتف المحمولة مثلا.
ما العمل إذن ؟ أو ما هي الحلول الناجعة للتصدي لهذه الظاهرة ولهذا  السلوك: ” الترمضين “. من الناحية السيكولوجية، يمكن الحديث فقط عن كيفية الوقاية أو تعديل هذا السلوك وليس علاجه، لأن هذا السلوك لا يصنف في خانة السلوك المرضي ، إذن فوعي الفرد بالعوامل والأسباب السالفة الذكر ، هي بداية و تمهيد الفرد  لوقاية نفسه من  “السلوك الترمضين ” و تجنب السقوط أوالإحتكاك ” بالمترمضنين ” ، وفي هذا السياق فالإرشاد النفسي و الديني وتوعية الفرد ” المترمضن ” بأضرار التي يخلفها هذا السلوك على نفسيته، الأسرة والمجتمع، هي من بين الطرق و الوسائل الناجعة لتفادي هذا السلوك ، وذلك من خلال وسائل الإعلام المختلفة ، كالوصلات الإشهارية مثلا،  لتنبيه وتحذير أفراد المجتمع من هذا السلوك. كما أن على  الفرد أن يعي بأن الخروج من المنزل – قصد شراء شيء ما مثلا- قبل ساعتين من موعد الافطار، قد يواجه  ” سلوك الترمضبن ” و الزحام على المخبزات أو المحلات بيع الحلويات وغيرها من الأسواق التجارية.
و أخيرا على الفرد التحلي بالصبر والاخلاق الحسنة التي تليق بفضائل شهر رمضان  كالتسامح و والإحسان  وغيرها من الفضائل . و ليكن في علمنا ، إن هذه الحلول الوقائية من الناحية السكولوجية غير كافية ، في ظل مجتمع ينخره التخلف ، الفقر والبطالة وسوء إستعمال السلطة و القانون وغير من العوامل . في ظل هذه الوضعية المزرية ، يمكن القول أن  ” سلوك الترمضين ” ما هو إلا تعبير غير مباشر للوضع الذي يعيش الفرد المغربي في مجتمع تسوده تناقضات على جميع المستويات و خصوصا في هذا الشهر الكريم .

*مساعد نفساني ومرشد بيداغوجي بطنجة

للتواصل: besp-akrouh@Hotmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.