رشيد البلغيتي يكتب: ترمضينة.. فريتة و دينار

وقف على رصيف حديقة المهدي بنبركة، وسط حي المعاريف، بعدما خرج من الماكدونالدز حيث اقتنى “بيك ماك” و مثلج “سانداي كراميل”، كان ينوي به إطفاء حرارة ذلك اليوم الرمضاني القائض.
رائحة اللحم و البطاطس المنبعثة من الكيس جذبت طفلا متسولا، أشعت، أغبر، نحيفا، شديد السمرة بفعل أشعة الشمس.
جذب الطفلُ المتسول الشابَ من مرفقه: عمي، عمي، عطيني شويا ديال لفريت فيا الجوع.
رمق الشابُ الطفلَ الاشعت من خلف نظارته السوداء ثم شاح بنظره نحو سيارة التاكسي الراكنة أمام المسجد الصغير المقابل للماكدو.
– عمي، عمي غير جوج فريتات.. حامباك. يكرر المتسول!
– نهار هذا، يتأفف الشاب، ثم ينهر الطفل: سير بحالك، تحرك يا الله.
يبتعد الطفل ثلاث خطوات الى الوراء، ينزع عن وجهه قناع المسكنة، المصاحب لصورة الفقير الجائع، ثم يصيح صيحة رددتها أسورا “التوين سانتر”: واا وكااال رمضااان.. واا وكااال رمضان!
داخ الشاب، انحنى كمن يبحث في الرصيف النظيف عن حجر، سقطت نظارته الشمسية على الارض و معها سقطت تلك الكاريزما التي تعكسها ملامحه المهيبة، حمل نظارته، وقف غير عارف بهذا الذي سيقوم به كي يتخلص من حالة الحرج، فإذا بالتاكسي الواقف أمام المسجد الصغير، يتحرك في اتجاه، بعدما أتم السائق صلاة الظهر الجامعة.
أشار الى سيارة الاجرة و هو يتحسس سائل الكولا الذي سكب جزء منه داخل الكيس، نتيجة الارتباك، سقط في مقعد السيارة كنيزك مشتعل اخترق توا الغلاف الجوي، حمل منديلا من علبة “دلع” الموضوعة أمامه، هم بمسح العرق من على جبينه قبل أن يطلب من السائق أن يقله الى “كلينيك بدر”، دون أن ينظر اليه.
على الراديو، تقرأ المذيعة بيانا تتحدث فيه السلطات عن سبب توقيفها لشباب بمحطة قطار مدينة المحمدية حيث كانوا ينوون القيام برحلة للإفطار نهار رمضان! بعد تلاوة الخبر يسمع صوت ضيف المذيعة و هو يقول أن السلطات قام بهذا الاجراء لحماية المفطرين من ردة فعل الصائمين.
كلما طال الحديث في الراديو عن واقعة الافطار كلما أحس الشاب برائحة البطاطا و اللحم تنتشر و تنتشر داخل التاكسي بينما يتملكه إحساس أن الحي الذي يقصده يبتعد أكثر مما يقترب.
– الاخ غادي لكلينيك بدر، عندك شي حد مريض اداي ليه لماكلة؟ يسأل السائق.
– لا، ساكن قريب، و كانقول للتاكسيات لكلينيك حيث كولشي كايعرفو.. يجيب الراكب قبل أن يرفع رأسه و يتمعن في ملامح سائق طويل عريض، بلحية مسدولة و شارب محلوق و دينار أسود أعلى الجبهة تزينه طاقية حجازية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.