رسالة إلى رفيق.. ما هو الوطن!

محمد بوطيب

 

الجميع يتحدث عن الوطن ويبكيه ليلاً ونهاراً!

الوطن!
ما هذا الشعار السخيف، الذي يرفعونه في كل مكان!
لا تنسى أنه تحت يافطة هذا الشعار الكاذب دفعوا بملايين العمال والشباب والنساء إلى محرقة الحرب الهمجية الأولى في عام 1914.
وباسم هذا الشعار القاتل خرب الرفيق القائد كارل كاوتسكي وأتباعه حلم الأممية الثانية في بناء الأمل الاشتراكي، ووقفوا إلى جانب الحرب وتخلوا عن اتفاقات الثوار والتزاماتهم الأممية بالوقوف في وجه لصوص الحرب الامبرياليين مهما حصل إبان التئامهم في مؤتمر شتوتغارت 7 سنوات قبل اندلاع الحرب الأولى!
كان مؤتمر شتوتغارت مقتنع أن الحرب ستندلع ضد الانسان، وأن سببها ليس هو الدفاع عن الأوطان بل إنقاذ المصارف الكبرى والرساميل الجبارة من الإفلاس والبحث عن مستعمرات وأسواق جديدة.

وباسم شعار الدفاع عن الوطن قتلوا الرفيقين الخالدين كارل ليبكنخت وروزا لوكسومبورغ، لأنهما اختارا الدفاع عن الوطن بعيون الانتفاضة العمالية المسلحة في برلين.
هل تود مثالا من عصرنا الحالي عن تفاهة نزعة الدفاع عن الوطن ووحدته، هذه النزعة التي قد تتحول إلى حد تبرير الجريمة والتواطؤ مع القاتل، هاك هذه الفقرة من بيان بقايا الستالينية في مصر بعض الفض الإجرامي- الدموي لاعتصام المناهضات والمناهضين لانقلاب الجنرال السيسي في ميدان رابعة العدوية:
“إن شعبنا يخوض معركة فاصلة مع القوى الفاشية الارهابية العميلة للامبريالية، وهذا يستلزم اصطفافا وتوحدا بين كل القوى الوطنية الشريفة وتقديم كل الدعم لقواتنا المسلحة والشرطة المصرية لتحقيق النصر المؤزر وصيانة استقلال ووحدة بلادنا.” من بيان الحزب الشيوعي المصري بمناسبة مجزرة رابعة، 15 أغسطس 2013.
ها أنت تلاحظ يا رفيقي بكبد وعيك الشقي وليس بعينيك، أن جماعة تدعي الشيوعية لا تستحيي من الوقوف في صف الجيش والشرطة!!

أنظر كذلك كيف يدافع السفاح السيسي وصديقه في القتل والعمالة بشار الأسد عن جرائمهما التي لا تغتفر باسم الدفاع عن القاهرة ودمشق ضد أعداء الاستقرار والوئام والوحدة الوطنية!!

ألم تنتبه يا رفيق أن هذه الكلمة الرزينة (الوطن) تزين أيضا شعار المملكة المغربية وتعد ثان أركانها حسب الفصل الرابع من الدستور، وهي نفس الكلمة “الملعونة” المنقوشة على سيارات الشرطة التي طاردت وتطارد حلمنا على الدوام…ما هذا الاتفاق العجيب الحاصل على صعيد الشعارات بين الفرق المتحاربة؛ أي بين معسكر الاستبداد والظلم الاجتماعي من ناحية، وبين معسكر التحرر والكرامة الإنسانية من ناحية أخرى!
أكيد أن هناك خطأ ما وراء هذه الوحدة الروحية المبحوحة حد الاختناق باسم الوطن!

انصت إلي يا رفيق؛
بإمكانك أن تعتبر أن هذا الكلام نابع من تطرف ماركسي “ملعون” أو حتى من نزعة مراجعة Révisionnisme (أي ما يسميه البعض عن قلة اطلاع وركاكة في الترجمة: تحريفية) مردها تْرُوتْسْكِيَّتِي التي لا تقف عند حدود الموت لأجل تحقيق مهام التحرر الوطني فحسب، لأنها لا ترى حرية النساء والشباب والعمال إلا في استمرار الثورة وعدم انقطاعها عن التنفس حتى آخر لحظة، لأن وقوفها في منتصف الطريق يعني موتها واختناقها. أفلم ينبهنا رفيق روبسبير وحليفه في حزب الجاكوبيين، الثوري الفرنسي سن جوست، الذي أعدم في يوليوز عام 1794على عهد الثورة المضادة وهو لم يتجاوز بعد عمر السادسة والعشرين، منذ نهاية القرن الثامن عشر على أن “من يقوم بنصف ثورة كمن يحفر قبره بيده”!!

ومن حقك، أيضا، أن تختار الكلمات التي تلائمك، وأن تختار القتال حتى الموت تحت الرايات والشعارات التي ترتضيها لنفسك. لكن لا تنسى باسم الديالكتيك الذي يُوَحِّدُنَا، أنك عندما تتحدث عن المغرب كوطن واحد، فأنت تتحدث عن المطلق، وكل واحد يتحدث عن المطلق يخرج من الصراع ويخرج من التاريخ، ويخرج عن حدود الاصطفافات والانحيازات السياسية والاجتماعية والأخلاقية الضرورية واللازمة لخوض كل صراع مبني على المبادئ، بمعنى أنه سيسقط في مستنقع الانتهازية بالمعنى السياسي الدقيق للكلمة. فالمطلق ضد التاريخ، المطلق يعني انعدام المبادئ، يعني انعدام الحدود الفاصة بين الحرية والعبودية، لا وجود لشيء مطلق أو أبدي أو ثابت من وجهة نظر الديالكتيك، ومن وجهة نظر السياسة، بل ومن وجهة نظر الحياة الواقعية والملموسة أيضا!!

تتدخل رفيقتنا عزيزة لتقول: لقد أخذوا كل شيء ولم يتركوا لنا سوى المآسي!
من هم؟ من أخذ كل شيء يا رفيقتي؟
ينبغي تحديد هوية السارق دائما، وإلا صارت شكايتك بدون معنى وبدون صوت وبدون هدف نهائي، لأنها ستسجل ضد مجهول أو ضد متهم مزيف في أحسن الحالات (برلمان أو حكومة أو رئيس جهة أو بلدية)، وتسكت عن تسمية القاتل الحقيقي. أي ستتحول، في نهاية المطاف، من شكاية تكتسب لقوة الحق إلى مجرد حكاية مختنقة بالخوف والعجز والتردد، ما سيحرمها من اكتساب حق القوة اللازم لصون الحق؟
هل السارق مجهول؟
من يسرق ثروات المغرب ومن يسحق كرامة أبنائه غير الأقلية الحاكمة والمتحكمة في المناجم والشرطة والجيش والحكومة والبنك المركزي والحرس البحري والبرلمان والحكومة والجامعة والتلفزيون وبورصة الدار البيضاء وبيوت الله أيضا.
ضد هذه الطبقة الحاكمة ينبغي تصويب المعركة!

المغرب، يا رفيقي، تخترقه أوطان كثيرة: وطن الشهيدة الطالبة حياة التي سقطت برصاصتهم الغادرة في أعماق المتوسط، ووطن العاملات الزراعيات ووطن المعطلين عن العمل ووطن الطلبة بدون منحة جامعية وبدون مستقبل واضح، ليس هو وطن الراكعات والراكعين على الأعتاب “الشريفة”، ووطن اللاجئين السوريين المشردين في العالم بأسره ليس هو وطن السفاح بشار ومن يحميه من جماعة بوتين وأتباع الخميني!!
ولو سألت عاهرة تزني عن وطنها لأجابتك، دون تردد، أن كل ظا تعرفه رغم أميتها الأبجدية أن وطنها، بكل تأكيد، ليس هو نفس وطن صاحب المبغى! وأنها تزني لأنها ولدت في مبغى كبير يسمى الوطن؟ وطن أو مبغى حرمها من كل شيء ولم تجد، في نهاية مطاف مأساتها الوجودية كإنسان وكامرأة، غير ذاتها لتعرضها للبيع من أجل إطعام طفلها الرضيع!!
يمكن لك أن تقول لماذا لا تفكر رفيقتنا العاهرة في شغلة شريفة. آه الشرف مرة أخرى!!
تبا لهذه الكلمة البئيسة التي غالبا ما تستعمل الا للتواطؤ ضد النساء، عندما يستدعي الأمر “التآمر الأخلاقي” لحشرهن في عتمة القيم والأخلاقيات المنافقة والتافهة! ستخبرك رفيقتنا أنها تعرضت مرارا وتكرارا للاغتصاب على يد مُشَغِّلها الأول في معمل النسيج، مقابل وعد بعدم طردها ضمن الفوج القادم من العاملات تقليصا لكلفة الانتاج وحفاظا على تنافسية الشركة، وفي نهاية المطاف تم طردها.
والانكى من ذلك أنها لم تسلم، أيضا، من تحرش رئيس مكتب النقابة التي تلوك كلاما تافها في بياناتها حول كرامة العاملات!!

أيها الرفيق؛
الدفاع عن الكرامة والحرية يقتضي نفض الوهم أولا!
دافعوا ودافعن عن مصالح طبقتكم بشكل صارم…الوطن موجود في آمال طبقتنا كشباب وطلبة وعمال ونساء مضطهدات وأقليات ثقافية وجنسية محرومة وكمعطلين عن العمل.
هذا هو الوطن الذي أؤمن به!

وطني ليس هو وطن الجنرال الذي أعطى أوامره الخسيسة للرصاصة القاتلة التي وقفت بوجه أمل الشهيدة حياة في الحياة وهي على متن موجة غادرة وغير آمنة نحو بلاد الروم، بعد أن حرمها جنرال آخر من حقها في العيش الكريم هنا فوق يابسة هذا “الوطن”!!

طالبة جامعية تقتل في أعماق المتوسط وهي في عرض البحر في طريقها الى الهجرة هي وآمالها في الحياة، هربا من اليأس ومن اغتيال الأمل ومن انعدام الأفق. ركبت حياة أمواج البحر بحثا عن لقمة عيش ووسادة آمنة وقلب دافئ.

ها أنت تلاحظ يا رفيق، أن طالبات المغرب لا زلن يقتلن بنفس الرصاص، مع تغير عميق في أسباب الشهادة والاغتيال. فبعد أن كانت طالبات المغرب تقتلن، في الماضي، بسبب نضالهن لأجل الاشتراكية هنا كما جسد ذلك استشهاد سعيدة ذات يوم من أيام ديسمبر القاسية بجوعها وصمودها، أو بسبب تضامنهن الأممي مع آمال أطفال الحجارة ونضالهم هناك في أرض القدس الشريف ضد آلة القتل الصهيونية، ها هن يقتلن اليوم بسبب انعدام الكرامة والشغل والمنحة الجامعية والأمل هنا!!
لقد جرت مياة كثيرة تحت الجسر يا رفيق!

قلي يا رفيق”هل تعتقد أننا نستطيع أن نصنع وطننا من هذه الحكاية الغامضة؟”. ها آنذا أطرح عليك من جديد السؤال الذي طرحه حبيبنا إلياس خوري في “باب الشمس”.
وقبل أن أودعك لا تنسى أن الوطن مقولة إيديولوجية منفوخة بالأكاذيب والأوهام، وبالتالي فهي في حد ذاتها تخفي صراعا فكريا وإيديولوجيا ووجوديا حادا بين الطبقات الاجتماعية المتحاربة، وغالبا ما يلجؤون إليها، كذريعة، لجر المدافعات والمدافعين عن الكرامة نحو مقاصل الإعدام، أفلم يشي ويتآمر الملك المخلوع لويس السادس عشر مع أعداء الثورة الفرنسية باسم الدفاع عن الوطن، كان يقصد طبعا الدفاع عن عظمة الارستقراطية الكاذبة التي داستها أقدام الثوريات والثوريين في باريس.

رفيقي؛
في الأخير، أودك أن لا تنسى إيديولوجيتك وأنت تتحدث عن الوطن والإنسان والسياسة والحرية والاشتراكية والبحر والأرض والسماء… لان اللغة ليست محايدة وهي مجال خصب من مجالت الصراع الطبقي أيضا.
لا يغريك الشعار الليبرالي الخادع: موت الايديولوجيا!! فالتناقض في الأفكار لا يمكن أن يضمحل إلا بزوال التناقضات المادية والاقتصادية المستعصية التي تولده.لذا فمن حقنا أن ندافع عن تعريفاتنا الخاصة التي تعكس تشبثنا بالممكن التاريخي: العيش خارج ويلات الرأسمالية!

صرخة أخيرة والتزام!!
اعذريني يا حياة اعذريني يا أختي الشهيدة…فلم أجد غير هذه الكلمات لأعاهدك على مواصلة القتال حتى النهاية لأجل انتزاع حق مثيلاتك في الأمل وفي الحياة هنا.
كلمتك الأخيرة التي دونتيها يا حياة على صفحتك الفيسبوكية ستظل محفورة في وعي وضمير كل أعداء الظلم الاجتماعي: “لقد جف حبر التمني…فليكتب القدر ما يشاء”، نعم لقد كتب قدر الاستبداد ونظامه الظالم قدرك…لكن أعاهدك على أن شعبنا سيصنع قدر حريته وكرامته طال الزمن أو قصر.
دماء الشهداء لن تذهب سُدًى… ولا نامت عيون القتلة المجرمون كما يقول الفدائيون!

محبتي الأخوية
محمد بوطيب
الرباط في 27 سبتمبر 2018

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.