رسائل الخطاب الملكي لافتتاح الدورة التشريعية 2016

محمد المساوي

من تحصيل الحاصل أن تثوي الخطابات الملكية في طياتها رسائل يتم بعثها إلى من يمهم الامر، إذ جرت العادة أن يخاطب الملك بعض السياسيين والاحزاب والشخصيات بطريقة مباشرة، كما حدث في خطاب العرش الماضي حين خاطب بنكيران وبعث له رسائل حادة لم يستطع بنكيران نفسه نفيها.

اذا كان الامر كذلك فهل من رسائل مشفرة حملها متن خطاب الملك لافتتاح الدورة التشريعية لهذه السنة؟ ان كانت فماهي اهم هذه الرسائل؟

الرسالة 1: وزارة الداخلية خط احمر

ورد في الخطاب الملكي ما يأتي :”كما نعبر عن تقديرنا، لما أبانت عنه السلطات العمومية، من التزام بروح المسؤولية الوطنية، في كل مراحل الانتخابات”، وردت هذه الفقرة في سياق حديثه عن الاستحقاقات الانتخابية التي شهدها المغرب الاسبوع المنصرم، وهي الاستحقاقات التي شهدت احتجاجات واسعة ضد وزارة الداخلية واتهام اعوانها ورجال السلطة بالتورط في التزوير، كما أن ليلة الاعلان عن النتائج الانتخابية تحدثت الصحف عن صراع كبير حدث بين وزير الداخلية حصاد ووزير العدل مصطفى الرميد، الصراع الذي انتهى بانسحاب الرميد من اللجنة المكلفة بالاشراف على الانتخاب والالتحاق بمقر حزبه حيث سيعلن عبد الاله بنكيران فوز حزبه بهذه الانتخابات قبل ساعات من اعلان وزارة الداخلية ذلك. اضف الى ذلك التهجم الحاد الذي حمله كلام حصاد خلال القائه لنتائج الانتخابات في الندوة الصحفية التي عقدها بعد منتصف الليل بساعة. من كل هذا ومن خلال شكايات تقدم بها عدة مرشحون ضد اعوان وموظفي وزارة الداخلية ورجال السلطة بتهم ضلوعهم في التزوير لصالح مرشحين معينين ولصالح احزاب معينة، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن هذه الوزارة كانت مثار طعن من طرف العديد من الفرقاء الحزبيين، وعندما يأتي الملك ويقول أن السلطات العمومية (اي وزار الداخلية) أبانت عن التزام بروح المسؤولية الوطنية في كل مراحل الانتخابات، فهذا معناه أنه يرفض جملة وتفصيلا الاتهامات التي كيلت لوزارة الداخلية، وهي رسالة مشفرة ايضا مفادها لا يمكنكم الطعن في وزارة الداخلية لأنها تتصرف وفق مسؤولية وطنية واضحة يجعلها منزهة عن الانحراف والتزوير، وهي رسالة أيضا من أجل الكف عن التهجم على وزارة الداخلية، وربما قد يفهم من هذا تجديد الولاية لحصاد ليكون وزيرا للداخلية في الولاية الثانية لحكومة بنكيران، او على الأقل ابقاء وزارة الداخلية تحت صفة وزارات السيادة،

الرسالة2: الملك ضامن التعددية الحزبية

أبانت نتائج انتخابات 7 أكتوبر أن المغرب يتجه نحو الثنائية القطبية رغم ادعاء البعض أن الامر لن يكون كذلك، إلا ان واقع نتائج 7 اكتوبر يؤكد أن المغرب على شفا حفرة أن يهوي إلى الثنائية القطبية التي رأسها كل من حزب العدالة والتنمية وحزب الاصالة والمعاصرة، فابتعاد صاحب الرتبة الثانية (البام) عن الرتبة الثالثة (الاستقلال) ب 56 مقعدا يغني عن كل تفسير، واذا سارت الامور هكذا فبعد ولاية او ولايتين سنجد انفسنا امام حزبين لا غير، هذه الثنائية التي يتخوف منها الكثيرون ويعبرون عن رفضهم لها، عبّر الملك أيضا عن رفضه لها ليُطمئن المتخوفين، يقول الملك في خطابه :”بصفتنا الساهر على صيانة الاختيار الديمقراطي، فإننا نؤكد تشبثنا بالتعددية الحزبية، التي وضع أسسها جدنا المقدس جلالة الملك محمد الخامس، ورسخها والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني، طيب الله مثواهما وناضلت من أجلها الأجيال السابقة”. وهو ما يعني أن الملك نفسه يتعهد بصيانة التعددية الحزبية، مما قد يفضي بنا الى الحديث عن اعادة النظر في التقطيع الانتخابي والقوانين الانتخابية بما يجعل هذه الثنائية لا تتغول كثيرا. كما تجدر الاشارة إلى أن الملك تحدث في خطابه عن التعددية الحزبية لا التعددية السياسية، بمعنى أن شعار :”الله الوطن الملك” هو المؤطر للعمل الحزبي، كما أن الاحزاب بصيغة او بأخرى تختلف حزبيا لكنها تتوافق سياسيا وتعمل سويا على تطبيق البرنامج السياسي الوحيد الاوحد، الذي هو برنامج الملك.

الرسالة 3: الملك هو الساهر على تحقيق الانتقال الديموقراطي

بدا الملك من خلال خطابه أنه مسكون بهاجس تأهيل البلد ديموقراطيا ليكون عند حسن ظن رهانات دستور 2011، وهذا ما يناقض ما تم الحديث عنه في الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي خاصة بعد خطاب العرش وما تلاه من سلوكيات منسوبة الى الديوان الملكي، وحينها تحدث العديد من المتتبعين أن القصر الملكي يتجه نحو مرحلة نكوصية قد يكون من نتائجها الانقلاب حتى على دستور 2011، ولذلك كثرت التكهنات حول امكانية استدعاء بنكيران من عدمها لتعينه رئيسا للحكومة بعد فوز حزبه تطبيقا للفصل 47 من الدستور، ام سيكون هناك محاولة التفاف والنكوص عن هذا الاختيار الملزم بالنص الدستوري، لكن اخيرا استدعى الملك بنكيران وعيّنه رئيسا للجكومة، بينما شرعت بعض وسائل الاعلام والزعامات الحزبية وبعض المحللين يشيدون بحكمة الملك وتبصره ودعمه للمنهجية الديموقراطية، رغم انه “لم يقم إلا بما يجب ان يقوم به” حسب النص الدستوري (على حد تعبير الاستاذ محمد الناجي)، ولم يأت باجتهاد من عنده يكرس المنحى الديموقراطي الذي تحدث عنه هؤلاء؟ وفي نفس السياق تحدث الملك، بما يشبه نفي التهمة ومحاولة التحلل من مسؤوليته عما يتم التصرف به باسم التحكم، اذ قال في خطابه “لقد انتهت الولاية التشريعية الأولى، بعد إقرار دستور 2011، والتي كانت ولاية تأسيسية، لما ميزها من مصادقة على القوانين المتعلقة بإقامة المؤسسات. فالمرحلة التي نحن مقبلون عليها أكثر أهمية من سابقاتها، فهي تقتضي الانكباب الجاد على القضايا والانشغالات الحقيقية للمواطنين، والدفع قدما بعمل المرافق الإدارية، وتحسين الخدمات التي تقدمها.” ما يستفاد من هذه الفقرة أن الملك كان وفيا لروح دستور 2011 ولا يزال كذلك، فقد اعتبر الولاية الاولى لبنكيران أنها ولاية تأسيسية، بينما الان نحن مقبلون مرحلة الانكباب الجاد على القضايا والانشغالات الحقيقية للمواطنين، مما يعني أن الملك منخرط كل الانخراط في مسار تحقيق الانتقال الديموقراطي وتنزيل دستور 2011 عكس ما كان يبدو من تصرفات الديوان الملكي مؤخرا. لكن السؤال المطروح هل القصر الملكي مقتنع فعلا بروح دستور 2011 ام انه خضع له مكرها، بعد ان فشلت كل محاولاته للنكوص والرجوع الى ما قبل 2011؟

الرسالة4: تقريع المؤسسات وتنزيه شخص الملك

خصص الملك الجزء الاكبر من خطابه في الحديث عن مشكل الادارة المغربية وما يعتريها من بطء ومحسوبية وزبونية وبيروقراطية، مما يجعل المواطنين يستنجدون بالملك، للتغلب على هذه التعسفات الادارية، والملاحظ أن الملك لم يترك ادارة ولا مؤسسة، بل خصها بالتوبيخ والتقريع بكا اصنافها، المركزية والجهوية، المنتخبة والمعينة، المباشرة وغير المباشرة، يقول الملك في خطابه :”وقد ارتأيت أن أتوجه إليكم اليوم، ومن خلالكم لكل الهيآت المعنية، وإلى عموم المواطنين، في موضوع بالغ الأهمية، هو جوهر عمل المؤسسات. وأقصد هنا علاقة المواطن بالإدارة، سواء تعلق الأمر بالمصالح المركزية، والإدارة الترابية ، أو بالمجالس المنتخبة، والمصالح الجهوية للقطاعات الوزارية.”، فهؤلاء كلهم لا يقومون بواجبهم، مما يجعل المواطنين يتوجهون “إلى ملكهم من أجل حل مشاكل وقضايا بسيطة، فهذا يعني أن هناك خللا في مكان ما”، يعني أن المواطن البسيط يهرب من تعسفات المنتخبين والمسؤولين المحلين والمركزيين ليلوذ بالملك، الذي هو وحده الضامن لكل شيء في هذا البلد، وهي مسؤولية ثقيلة جدا، حتى وإن كان يُقبل عليها بكل فرح، يقول الملك في خطابه “أنا بطبيعة الحال أعتز بالتعامل المباشر مع أبناء شعبي، وبقضاء حاجاتهم البسيطة، وسأظل دائما أقوم بذلك في خدمتهم .ولكن هل سيطلب مني المواطنون التدخل لو قامت الإدارة بواجبها؟”.

الملك ودود محب لشعبه، لكن للاسف الادراة بكل مستوياتها والمنتخبون (اي الحكومة: اياك اعني فاسمعي يا جارة) لا يقومون بالواجب، مما يجعل المواطنين يفقدون أي ثقة في هؤلاء ويختارون اللجوء إلى الملك بوصفه الضامن الامين لحقوق المغاربة مهما علا شأنهم أو صغر. وتلك هي الفكرة التي اراد أن يرسخها الخطاب في اذهان المغاربة.

خلاصة:
بين الدفاع المستميت عن وزارة الداخلية ومحاولة دفع أي تهمة عنها، وبل اضفاء طابع الوطنية والمسؤولية على تصرفاتها، وبين التقريع المباشر والحاد للمؤسسات المنتخبة والمعينة الجهوية والمركزية، تكمن خيوط قصة فوز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات، وكيف تلقى القصر الملكي ذلك، وكيف سيتعامل مستقبلا مع هذا الفوز، فما من حسنة هي من الملك وما من سيئة فهي من الحكومة، إلا اذا كانت السيئة من وزارة الداخلية فحينئذ هي مسؤولية وطنية واجبة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.