ردا على أحمد الدغرني: النعاج وحدها من تأسرها نغمات شُبابة الراعي

عماد العتابي

لا تمر مناسبة دون أن يرمينا “باحث” عن شيء ما أو سياسي أو فاعل جمعوي، بتصريح أو بمقالة أو بحث أعده عن شخص محمد بن عبد الكريم الخطابي وتاريخ المقاومة التحريرية بالريف، وأغلب التصاريح البحوث والمقالات تتلاقى وتتفق على الأقل في كون الرجل من طينة الكبار، رغم اختلافها وتباينها في الكثير من النقاط، البعض منها نابع عن جهل أو تجاهل صاحب التصريح أو المقالة بتاريخ الرجل والبعض الآخر يحاول أن يصنع منه رجلا على مقاسات خاصة لأغراض في نفس ” ليوطي “، كما فعل أحمد دغرني قبل أيام حيث أطلق تصريحا طائشا يتهم فيه الزعيم التحرري ب”الفقيه” متحرشا بذلك ذاكرتنا وتاريخنا.

نحن نعلم أن اليد التي أوقدت شعلة الثورة بالريف وألهمت باقي الوطن وكل الأمم، لابد لها من أيدي حاقدة تسعى للنيل من تجربة إنسانية سعت بكل الطرق الإنسانية إلى بناء وطن يتسع للجميع تحت شعار ”حرية، كرامة وعدالة اجتماعية “، وطن ينبذ كل أشكال الاستعباد والظلم..

ولعل أبرز الباحثين والسياسيين الذين يحاولون مصادرة تاريخ إنساني حافل بإنجازات قل نظيرها في التاريخ المعاصر، نجد القائلين بأن الأمير الخطابي كان فقط فقيها ولا ينازع السلطان في العرش أو في الحكم، أي أن الخطابي كان يحارب ومعه الآلاف من الجنود والمقاومين وعشرات الآلاف من أهل هؤلاء، من نسوة وأطفال وشيوخ ساهموا كل من موقعه في ملاحم وبطولات المقاومة، هؤلاء الذين عانوا من ويلات هذه الحرب ولا زالوا يؤدون ثمن وقوفهم مع الثوار ومساندتهم واحتضانهم لهم، من أجل تحرير الريف وباقي المناطق وتسليم الجمل بما حمل إلى السلطان وتقديم الولاء إلى ولي العهد وتقبيل ما تيسر من أيدي. والرجوع إلى الريف منحنيا منكسرا ليبشر أهل الريف أن الدماء التي سالت والدموع التي سكبت على المقابر من أجفان الثكالى والأرامل واليتامى قد استعطفت قلب السلطان وإنه راض عن أبنائه في الريف وأن السلطان عينه إمام المسجد وفقيها…

بلى أيها السياسي الغر و” الباحث ” عن شيء ما، إن الخطابي لم يكن ينازع السلطان آنذاك في حكمه وعرشه، ببساطة لأن السلطان لم تكن له سلطة ولم يكن حاكما، فالحاكم الفعلي كان ” ليوطي”، والخطابي لم ينازع أحدا في شيء لا يملكه أصلا.

إن الخطابي لم يعترف يوما بالسلطان لينازعه في الحكم، ويا ما صرح الخطابي جهرا بموقفه الصريح من السلطان، حيث كان يعتبره مجرد ” موظف مأجور “، وكان يرى في بلاط السلطان يوسف مجرد بلاط ” خائن “، وأن الذين قبعوا على العرش قبله مجرد ” ضعاف النفوس وجهلة “. ومهما حاول حراس الأعتاب الشريفة إخفاء هذه الحقيقة إلا أن رسائل الأمير إلى من كان يهمهم الأمر آنذاك من عشرينات القرن الماضي إلى سنة 1963 تؤكد ما تقدمت به.

لم يكن الخطابي أبدا ليعترف بسلطان صرف العمر كله راكعا أمام صنم ليوطي، ويوقع المعاهدات والاتفاقات بعينين مغمضتين ومعه “الحركة الوطنية” حتى باعوا ما تبقى من شرف وكرامة الشعب الذي تتمايل على سحنته المنقبضة أشباح الأحزان والأوجاع التي ذاق مرارتها في تلك الفترة ولا زال يتجرع كؤوسا منها إلى اليوم.

إن مولاي موحند لم يعترف بشيء اسمه ” ولاية العهد “، فكيف له أن يعترف بسلطان كان بالأمس ”ولي العهد“؟ كم هو تعس هذا السياسي الغر وهذا ”الباحث” عن شيء ما وهو يحاول أن يقدم الخطابي فقيها منحنيا وراكعا أمام السلطان يردد كلمات الحب والطاعة، ويجدد الولاء والإخلاص والتفاني.

إن بعض هؤلاء الباحثين والمفكرين والمتحزبين مثل كهوف الأودية الخالية يرجعون صدى أصوات ولا يفهمون معانيها ومقاصدها. هذه هي العقبة التي تسلكها بعض ”الأقلام تحت الطلب“، لكن كيف لهم أن يصعدوا تلك القمة الشامخة؟

التاريخ لا يُصنع تحت الطلب، البيتزا الايطالية وحدها من تُصنع تحت الطلب، وتاريخ مثل هذا لا يمكن أبدا صناعته على مقاسات تحت طلب “المخزن الجديد” وإذا كان التاريخ لا يسير في خط مستقيم، فهذا لا يعني أنهم يستطيعون تغييره واستبداله بتاريخ آخر حسب رغبات الزمرة الحاكمة…

كان من الطبيعي جدا لذلك الرجل الطامح إلى الانطلاق ومعه رجال سياسة واقتصاد وحرب من طينة فريدة، أن يشيد جمهورية الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية على كل شبر محرر، فكيف يعيب البعض قيامه بتأسيس هذه الجمهورية؟

لا أدري من أي منطلق يوجهون انتقادهم لمشروع لو كُتب له النجاح لتغير واقع المنطقة ككل، إن البعض يحاول أن يحشر الخطابي في خندق ” القبلية” ويسيجه بأسلاكها، لكن منذ متى كان الخطابي قبليا؟ وهو القائل أن ” انتصار الاستعمار ولو في أقصى الأرض هزيمة لنا.. وانتصار الحرية في أي مكان هو انتصار لنا”، والقائل أيضا “إذا كانت لنا غاية في هذه الدنيا فهي أن يعيش كافة البشر، مهما كانت عقائدهم وأديانهم وأجناسهم، في سلام وأخوة”.

إن هذه الجمهورية أُسست لتحصين المكتسبات الميدانية والسياسية وكذا لتكون الحصن الحصين لانطلاق العمليات العسكرية لتحرير باقي الوطن ثم الانتقال لتحرير شمال إفريقيا..

الخطابي كان يقدس التنظيم كتقديسه للحرية والكرامة، فطبيعي لأي شخص يقدس التنظيم أن يشيد دولة لو كان مكان الخطابي. وهذه الجمهورية كانت مشروع أمة ووطن بأكمله، لكن القوى الاستعمارية الامبريالية كانت على دراية بالخطر الذي يُمثله شخص كالخطابي لمشروع الامبريالية في المنطقة.

وخلاصة القول، لقد نهشت مخالب النظام القائم بالبلد ضلوع الضعفاء والمضطهدين، وفعلوا ما شاءوا في هذا الشعب الكادح، وليتهم يكتفون بما لديهم ويقنعون بما اغتصبوا من جدودنا باحتيالهم… فحتى التاريخ يريدون عبر سياسييهم وباحثيهم عن شيء ما مصادرته وتزويره لخياطته على مقاسهم لإتلاف بوصلتنا والانصياع لهم كقطيع من النعاج تأسرها نغمات شُبابة الراعي…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.