رحلتي مع القراءة

مهلا! حياتي مع الكتب باختصار نزهة أوصلتني إلى متاهة، متاهة لها مدخل و ليس لها مخرج، أول رواية أغوص في أعماقها، أبكتني! عصفت بي حتى اقتلعت جذور الصلابة داخلي، ربما لأني كنت صغيرا و الشر لم يكن بعد قد نجح في امتلاكي، رغم طفولتي الكئيبة الموحشة، كنت أنذاك تلميذا مجتهدا في المستوى الخامس من التعليم الإبتدائي، حصلت على أعلى معدل في القسم، بل في المؤسسة بأكملها، رغم زميلي في القسم الذي دائما ما كان محبوبا عند معلمتي التي كانت تمنحه نقاطا إضافية فقط كي يصل معدله إلى معدلي، الأمر بعد كبري أضحى عاديا،

كان والده حارسا عاما بالإعدادية المجاورة للمؤسسة التي كنت أتابع دراستي بها، و أنا إبن فلاح وضيع لا يجب أن يكون إبنه متفوقا على أبناء النخبة، لازلت أتذكر يوم لكمته على وجهه حتى تورم خده و غطى بانتفاخه عينه اليمنى، كما أتذكر بكاء المعلمة الساقطة و هي تواسيه، حاولت إقناعها بأني لم ألكمه إلا بعد أن قضى طول فترة الإستراحة يستفزني، لأنك منحته ثلاث نقط إضافية في الإنشاء كي لا أكون صاحب أعلى نقطة، كنت بارعا منذ صغري في السرد و الوصف، أتذكر يوم أعطي لنا موضوع “تحدث عن معلمة تاريخية تمتاز بها بلدتك”، بلدتي لم يكن فيها غير الخلاء و بوادر طبيعية لتشكل غابة من شجر العرعار، ابتكرت معلمة من مخيلتي أسميتها بكهف الذئاب، و لأني كنت ملما بتواريخ حكم الفينيقيين و القرطاجيين و الموحدين…

و كذا تاريخ المقاومة المسلحة بالريف، قمت بترتيب المعطيات على نحو يبدو حقيقيا، لأختمه بكون المعلمة كانت مكانا سريا يجتمع فيه قادة بني ورياغل أثناء حربهم مع الغزاة الإسبان، أخبرني معلمي بأنه لم يمنحني النقطة الكاملة فقط احتراما للأدب العربي، و ألح على ضرورة القيام برحلة ميدانية للمعلمة، ليراسل المدير بعد ذلك بيومين، استدعاني المدير و لم أكن أعلم بعد ما السبب، هو الآخر اطلع على إنشائي و لم يكن ابن المنطقة كي يكتشف كذبي، بدأت أحك يداي مع سروالي استعدادا لعصيه التي لا تحن لصغر حجمي و سني، عرف المدير كذبي بدا ذلك واضحا في تغير ملامحي، لكنه كان في نهاره سعيدا و لم يكن في نفسه عقد ليفرغها عبر تعذيبي و التلذذ في رؤيته لي باكيا أطلب منه الرحمة، اتصل بمعلمي يأمره المجيء، جلس على كرسي مقابل لي، أخبره المدير أن له تلميذا بمخيلة خصبة و مهارة في الكتابة، لكنه يحتاج إلى تربية صارمة كي لا يكذب… تافهان!الكتابة في مجملها أحداث كاذبة لإيصال فكرة صادقة…

آه! كادت حروف الأبجدية مرة أخرى أن تجرني إلى غير مبتغاي، لنعد إذن إلى مربط الفرس، في المستوى الخامس من التعليم الإبتدائي حصلت رغم الحصار على الرتبة الأولى، منحت بموجب هذا على جائزة “القرآن الكريم، معجم أوكسفورد، قواعد النحو للمبتدئين، و رواية ماجدولين للكاتب مصطفى لطفي المنفلوطي”، قرأت الرواية و أحسست لأول مرة بالألم العاطفي، أحسست فجأة أني ربما أحب زميلتي ليلى رغم أن شيئي لم يستطع بعد أن يذرف دموع البلوغ، حتى المحاولات التي أنتشي بها و أتلذذ دائما ما كانت تنتهي بالفشل، أيقنت حينها ذاك الشعور الذي لم أصله بعد، و تمنيت أن أكبر كي أحب أيضا، تخيلت نفسي أقبل ليلى و أرتشف على شفتيها رحيق أزهار بنعمان التي كانت تغطي جبال قريتي أثناء فصل الربيع، لكنني خشيت الخيانة من خلال الرواية، هكذا بدأت قصتي مع القراءة لكنها ليست كل الحكاية، كان لي فرد من العائلة شيعي مولع بالكتب الدينية، جل أفراد عائلتي شيعة و الباقي لا تهمه المذاهب، له مكتبة تزخر بالكتب الدينية من مختلف المذاهب الإسلامية، سجعني بذكاء كي أقرأ، كان يمنحني مقدار مال مع كل كتاب أقرأه و ألخصه،

من هنا أتيحت لي الفرصة كي أقرأ كتابا صحيح مسلم و صحيح البخاري كذلك سلسة إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، بالإضافة إلى عدة كتب لا أكاد أتذكر أي عنوان منها للشيعة الإثنتا عشرية، كنت شيعيا و دافعت باستماتة عن مذهبي أمام السنة أو كما أسميهم الآن الذئاب الملتحية، بقيت على هذا الحال إلى أن دخلت في تجربة غيرت مجرى حياتي، المستوى الثالث من التعليم الإعدادي، تجربة الحركة التلاميذية التي فتحت لي المجال لأتعرف على مجموعة من رفاق و خريجي فصيل الطلبة القاعديين في جامعة محمد الأول بوجدة، الذين أكن لهم كل الإحترام و اعتبرهم النقطة الفاصلة التي جعلتني أوقف الغوص في بحر الوهم و أبدأ في رحلة البحث عن الحقيقة، رغم أني اختلفت معهم فيما بعد إلا أنني لا أخشى الإعتراف أنهم أول من صادفتهم في درب النضال، و هم أول من وجهوني لمسار البحث عن الحقيقة، كنت لأذكر أسماءهم لولا أني أخشى أن لا يكون الأمر جيدا بالنسبة لهم، أتذكر رفيقا لطالما جمعني و إياه نقاشات عقيمة، كنت متزمة للشيعة و كان لا يوفر جهدا في سبيل إقناعي بضرورة الإنطلاق من الواقع لمعالجة ظواهر مرتبطة هي الأخرى بالواقع، وجد عقلي صخرة صلبة يصعب إفهامه و إقناعه، لكنه أقنعني في مسألة “لا تنتقد فكرا انطلاقا من فكر آخر دون أن تطلع عليه، بل اطلع عليه و من ثم انتقد بأي مرجعية شئت”، منح لي عدة كتيبات شكلت منطلقا جيدا لفهم و استيعاب الماركسية، قرأتها بحذر شديد أبحث في ثناياها عن ثغرة لأجمها، لكن واقع البؤس الذي كنت منغمسا فيه حد الأذنين جعلني أتساءل مع ذاتي، ألا يمكن لنا أن نصنع جنة في الدنيا!؟ هذا الأمر أربكني، لم أكن أقبل فكرة بقاء الظلم في العالم إلى حين نزول عيسى، و بعد عيسى الفناء!

التهمت كل كتاب أصادفه، الرواية كانت تشكل فسحة استجمام بعد كتاب نظري معقد، استمر الحال هكذا إلى أن وصلت لمرحلة الفشل، هو في الحقيقة فشل ولَّد فشلا آخر، بينما كنت أستغل الصيف في العمل بكيوسك على شاطئ السواني لأوفر مالا للدراسة، أجلس ليلا بعد انتهائي من العمل أمام الموج، أحمل سبسيا و “قجيرة” كيف، أستمع بخشوع إلى هدير الموج، أتخيل نفسي متصوفا عزل نفسه عن قذارة البشر ليبحر في فلك التفكير، شرعت في أول محاولة لكتابة رواية عنونتها “لعنة الحب و لذة الخيانة”، كنت متحمسا متحديا أوراق دفتري التي تستفزني حين أراها بيضاء لامعة تعكس نور القمر، نجحت في كتابة ما يزيد عن تسعين صفحة، و مع انقضاء فصل الصيف و عودتي للجامعة أمر مجهول أخمد رغبتي في الكتابة و توقف الإلهام، بعد أزيد من سنة عدت لتلك الأوراق أعيد قراءتها، أصابني ما كتبته بالقرف، خجلت من كلماتي و تمنيت لو أنني لم أكتب تلك القذارة، شعرت بنفاق كل من كان يبدي إعجابه بمقتطفات كنت أنشرها على حسابي الفايسبوكي، صمت على الكتابة كما أن شغفي في القراءة هجرني، لا أعلم لما أكتب اليوم لكني أدرك من أين أتت الفكرة، آخر كتاب قرأته هو ‘مذكرات كافر مغربي’ مباشرة بعد نشر نسخته الإلكترونية، و اليوم قرأت أزيد من مائة صفحة من رواية “من قتل ليلى الحايك” للكاتب غسان كنفاني، هي رواية أنعشت ذاكرتي بموضوعها الذي يحمل في أحشائه الكثير من الإثارة، ذكرني بالكاتبة أگاثا كريستي التي قرأت لها أكثر من عشر روايات بوليسية، في جل رواياتها كنت أكتشف القاتل الذي اعتقدت أن يكون آخر ما سيشك فيه القارئ، و حين أتيقن أني أصبت في التخمين أشعر أني انتصرت عليها، و كنت أعتبر نفسي أذكى من تلك العبقرية التافهة التي أتخيل بسذاجة و غباء أني تفوقت عليها….

رغم أني على وشك إنهاء الرواية لكني لم أكتشف بعد من قتل ليلى، أتخيل نفسي كم سأبدو غبيا حين يخبرني غسان بالفاعل فيكون الشخصية الذي لم أشك أبدا فيه، و إن كنت أشك في زوجته التي ربما اكتشفت خيانة زوجها المتهم مع ليلى أو ربما زوج الضحية الماكر الذي ليس هنالك أي دليل يضعه في خانة المتهمين، سأخبركم الفاعل بعد أن أنهي قراءة الرواية. هذه قصة مختصرة لانطلاقة قوية و سقوط مدوي و محاولة يائسة للوقوف من جديد، أود أن أقول من خلالها لكم باختصار بليغ، القراءة أمر جميل و الأجمل أن تكتسب مهارة الكتابة.
عبد الرحيم الغلبزوري -لوفي-

ساكنة حي المجاهدين بطنجة تلتجأ للقضاء لنزع جهاز اللاسلكي اللاقط

حزب جزائري يقرر سحب نوابه من البرلمان والنزول الى الشارع للنضال مع الشعب